أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد الدلفي - قصة قصيرة // ملاذات دافئة














المزيد.....

قصة قصيرة // ملاذات دافئة


اسعد الدلفي

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 17:09
المحور: الادب والفن
    


استيقظَ والوقتُ ينسلُّ من بين أصابعه كرملٍ دقيق. كانت بقايا ليلته الماضية لا تزال عالقةً في جفنيه الثقيلين؛ ليلةٌ قضاها مبحرًا في عوالم المفكر علي حرب، مأخوذًا بطرحه المشحون حول "تعدد الآلهة وخراب العالم". شعر بثقل الفكرة يتجسد في وعيه: هل نحن حقًا نعيش جاهليةً جديدة، جاهلية حديثة ومقنعة ترتدي قناع المعاصرة وتخفي تحتها وثنية من نوع آخر؟
قطع حبل أفكاره الفلسفية صدى الواقع اللحوح: الامتحان! ابنه واقف ينتظر، والوقت يداهمهما.

ارتدى ملابسه بهستيريا اللحظة، متجاوزًا وجبة الإفطار، وناسيًا حتى أن يلقي نظرة في المرآة ليصفف شعره الثائر. هرعا إلى الشارع يسبقهما الخوف وتتبعهما خطوات كلب صغير أخذ يتودد إليهما ببراءة وكأنه الكائن الوحيد المنسجم مع هذا الصباح.

وقفا عند حافة الرصيف، تتلفت أعينهما بحثًا عن "تكتوك" ينقذهما، لكن الشارع كان غريبًا، مقفرًا وممتدًا كصحراء تبخرت منها الحياة. عقارب الساعة لا ترحم، تتقدم بقسوة لتعلن اقتراب موعد الامتحان، والتوتر النفسي ينهش صدره. فجأة، لاحت سيارة أجرة (تاكسي) متهالكة، تئن تحت وطأة السنين. أشار الأب بلهفة الغريق، فتوقفت.

ما إن فتح الباب حتى استقبلتهما رائحة "صمون" دافئة ملأت جو السيارة، رائحة اختزلت جوع الصباح المنسي. لفت انتباهه ملصق على الزجاج لسيف الإمام علي (ذو الفقار)، فرمزية السيف استدعت في ذهنه فورًا قيم العدل المفقودة والقوة المعطلة في عالم يموج بالظلم.
• "إلى شارع سبعين، من فضلك." قال الأب مستعجلاً.
• "بخمسة آلاف دينار." أجاب السائق بنبرة حاسمة.

صعدا، وانطلقت السيارة تتهادى في الشوارع. عند منعطف شارع فرعي، برزت صورة كبيرة لشهيد عُلقت على أحد الجدران. اهتزت مشاعر الأب، التفت إلى ابنه وإلى السائق وقال بصوت يملؤه الشجن: "إنهم دوافع فخرنا.. لنقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة".
أكمل السائق قراءة الفاتحة، ثم تنهد بمرارة غيّرت ملامحه. التفت الأب متسائلاً عن سر تلك الحشرجة في صوته، ليجيبه السائق: "ألم تسمع بأزمة البنزين؟ الحكومة لم تعد توفره بكميات مناسبة، والأزمة تخنق المدينة".

عاد الصمت يفرض نفسه، صمت محمّل بمرارة العيش في بلد عجيب، بلد يبدو وكأنه يتغذى على الأزمات ويعيد تدويرها. لكن هدير السيارة كان أسرع من الأزمة هذه المرة؛ وصلا إلى مركز الامتحان قبل رنين الجرس بخمس دقائق فقط. تنفس الأب الصُعداء، ودع ابنه بنظرة قلقة ثمة أسرع الخطى مستأنفاً رحلته الخاصة نحو منطقة "باب المعظم".

كان الهاجس الجديد يلاحقه: "بصمة الحضور" في الدائرة، ذلك القيد الإلكتروني الذي لا يعترف بالأزمات ولا بالجاهلية الحديثة. كان يهرول والجهد يمتص ما تبقى من طاقته، حتى اهتز جيبه برنين هاتف.

أخرج الهاتف بأنفاس متقطعة، فجاءه صوت صديقه دافئاً، متبوعاً بعبارة بددت كل توتره: "نحن بانتظارك.. لقد جلبنا (لبلبي) وصموناً حاراً!".
في تلك اللحظة، تلاشت فلسفة علي حرب، واختفت أزمة البنزين، وتبخر قلق البصمة؛ دغدغ الخبر مشاعره الجائعة، وأدرك أن السعادة، في أوقات القلق العاصف، قد تختصرها ببساطة... رائحة صمون حار وكوب لبلبي دافئ.



#اسعد_الدلفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة // ملحمة الرغيف المتحجر
- قصة قصيرة // رفاهية من ورق
- قصة قصيرة جدا // البيضة الخامسة
- قصة قصيرة جدا// تحولات الكائن الزيتوني
- قصة قصيرة// الزمن الجميل جدّاً!
- قصة قصيرة // خمسون ألف طعنة
- قصة قصيرة جدا// صمون وبيض وحسرة
- قصة قصيرة جدا// متاهة الحب والدولار
- المدرب المحنط فكريا العقبة الكبرى امام التطور
- من الذاكرة/ انتكاسة المهاجم حسين سعيد عام 1988
- يا جمهور الشرطة كونوا حذرين
- ايها المحللون والاعلاميون اتركوا المنتخب وشأنه
- بعض الجمهور وترديد كلمة -البعث- في ملاعبنا
- المهاجم الغاضب بحاجة الى طبيب نفسي
- نجم من بلادي// يونس محمود ومجموع اهدافه على كبار اسيا
- نجم من بلادي/ نشات اكرم ومسيرة الفشل الخليجي
- جرائم عدي صدام بحق لاعبي المنتخب العراقي
- الكرمة يحرق سوق اللاعبين بصفقات مرتفعة السعر
- المنتخب الاولمبي العراقي الى اين؟
- عدي يقرر ابعاد ناطق هاشم وباسل كوركيس عن اهم مباراة


المزيد.....




- فرقة الدراما والمسرح ببستان سلوان تصل فرنسا
- صلابة الخيزران وتجذر الزيتون: كيف تسند الدبلوماسية الثقافية ...
- ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
- مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا ...
- -ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا ...
- الدكتور زهير توفيق للجزيرة نت.. نعيش حالة -هروب إلى الماضي-. ...
- «بين شطين» يحصد المركز الأول في مسابقة «عيش» للأفلام بمهرجان ...
- وفاة الممثلة جورجينا كيتس عن 51 عاماً بعد مسيرة سينمائية متن ...
- انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحت ...
- إمبريوم- و-أرض خرسانية- و-9 معابد للسماء- تتوج في مهرجان لند ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد الدلفي - قصة قصيرة // ملاذات دافئة