أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حكمة اقبال - حكايتي مع نصير عودة














المزيد.....

حكايتي مع نصير عودة


حكمة اقبال

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 04:19
المحور: سيرة ذاتية
    


لم اتفاجأ وانا اعود الى البصرة بعد فراق 24 عاماً، أن أراها مدينة منهكة ومثقلة بإرث مدمّر من الحروب المتعاقبة والعقوبات الاقتصادية الخانقة، مدينة فقدت زهوها الجميل الذي اعرفه عندما غادرتها مضطراً عام 1979، وينطبق الأمر أيضاً على وجوه الناس التي اعرفها سابقاً، من الأهل والأصدقاء، والتي شاخت وشاب شعر رأسها وفقدت بعض اسنانها. كانت تلك الوجوه تنقل لي صورة واضحة عن مستوى المعاناة أيام الديكتاتورية.
أبرز صور المعاناة كانت لأبن خالتي وصديقي نائل الكاتب الذي تركته شاب جميل وأنيق ويرتدي البدلة الرسمية وربطة العنق بانتظام، ليستقبلني وهو يرتدي دشداشة بلون سمائي فاتح ولكنها تبدو غير نظيفة، مع نظارات سميكة كنا نسميها "ݘعب استكان" واصبح أصلع الرأس واسنانه لا يحسده عليها أحد، ولكن لحسن الحظ كان قد حافظ على مرح روحه وضحكته المجلجلة.
في البصرة، نصحني الرفاق والأهل ان أنتبه لنفسي، لأن الوضع الأمني غير مستقر، واستجابة لذلك كنت أختار الركوب في سيارة تكسي قديمة بدلاً من سيارة حديثة لآ يُعرف من يقودها، وانا التزمت بهذه النصائح.

في أحد الأيام وقفتُ في نهاية شارع الوطني أنتظر سيارة، جاءت سيارة تكسي بلونيها الأبيض والبرتقالي من نوع فولكا ولكنها قديمة و"مطعطعة" كما يقولون. لم اهتم للأمر وركبتها وقلت للسائق: الى شارع السعدي رجاءً.
فاجأني السائق بسؤال" أنت حكمة؟؟
أجبته بذهول وقلق وفرح: نعم انا حكمة، وما دمت تعرفني فانت تعلم اني أعود للبصرة بعد سنوات طويلة، ولايمكن ان اتذكرك بعد هذه السنوات، وبالأخص انك لم تحلق لحيتك منذ أيام، والشيب له حصة كبيرة في شعرك، فلا يمكنني ان اتذكر من أنت، فاعذرني لو سألتكَ من أنت؟
رد عليّ بصلابة: عليك ان تعرفني، فلن اخبركُ من أنا، وأضاف: هل انت ذاهب الى مقر الحزب؟ نعم انا ذاهب الى المقر. تجادلنا قليلاً حول من يكون، وأصرّ هو انه يجب عليّ ان أعرف من هو بنفسي.

أجبته بعد ان عصرت ذاكرتي: انا اتوقع شخص ما، ولكنه من المستحيل ان تكون هو. رد عليّ من هو؟ اجبته: نصير عودة. ردَ عليّ: انا نصير عودة.
حبستُ دموعي، وشعرتُ انه حبس دموعه أيضاً.

نصير عودة الذي لم التقيه منذ 1979، هو ابن الحاج (عودة حسن المحسن)، من تجار البصرة الكبار، كان قد تخرّج من قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة، واشترك في أعمال مسرحية كثيرة. كان وسيماً وأنيقاً دوماً. نلتقي في مقهى ابو مضر على نهر العشار بعد الظهر، ونلتقي لاحقاً في المساء في نادي الفنون.
الحاج عودة كان قد تزوج عمتي (شكرية)، وكانت هي زوجته الثالثة، وأنجب منها ابنتهما الوحيدة (ابتسام) قبل وفاة عمتي المبكر، كنا نزورهم في بيتهم الكبير في محلة الخندق، لذا كانت معرفتي بنصير عائلية أولاً.

سأته كيف وصل الحال بك الى سياقة فولكا مطعطعة؟ أجابني: صادر نظام صدام كل أملاكنا، وجاء الحصار لنرى اسوأ الأيام. راتب الوظيفة لم يكن ليغطي احتياجاتنا، كنتُ ابيع الشاي في الشارع، وعندما كَبُرَ ابني وساعدني في العمل، تمكّنا من شراء هذه السيارة.

هنا وصلنا الى مقر الحزب في شارع السعدي، دعوته للدخول معي، اجابني: لا، سأذهب لحلاقة ذقني أولاً، وأوصل ابنتي من مدرستها للبيت واعود لك في مقر الحزب. قَبلتُ فكرته، وفعلاً عاد لاحقاً لمقر الحزب، وهو حليق الذقن، وكم كان فرحاً حين التقى بالرفيق الفقيد علي العضب و المخرج قصي البصري الذي صادف وجوده في البصرة حينها، وهما والآخرين كانوا فرحين بلقائه.

في بطاقته الشخصية نقرأ، انه بعد تخرجه من معهد الفنون الجميلة عام 1970، وانتسابه الى سلك التعليم، ساهم في تعزيز كفاءته ونجاحاته لاحقاً ممثلاً ومخرجاً مسرحياً في عدد كبير من الأعمال المسرحية، ومحاضراً في معهد الفنون الجميلة في البصرة.

هل كان يتمنى ان يكون يوم وفاته في 27 آذار الماضي؟ وكيف صادف ان يغادرنا في يوم المسرح العالمي، حيث كان يحتفل به مع اصدقائه وزملائه؟ على أية حال سنظل نتذكر يوم وفاته، كلما تذكرنا مناسبة يوم المسرح.

بعد وفاته كتب د. سنان سعيد على الفيسبوك مايلي، "عندما يعيش،المثقف العراقي الغربة الاجتماعيه في بلده في كل الاوقات والازمنه لم تأتي حكومه تنصف المثقف والفنان والادباء كان راتبه لايتجاوز كيس طحين في زمن الحصار وباع الشاي في شارع الجزائر لكن لم ولن يبيع ثقافته وكرامته وبقى عطرا فواح في كل الازمنه والاوقات مات جسدا لكن سوف تخلده ذاكرة الثقافه البصرية".

لينعم الفقيد نصير عودة بهدوء الرقدة الأخيرة بعد حياة فاعلة ومؤثرة وشاقة، ولعائلته واصدقائه وزملائه الصبر والسلوان.



#حكمة_اقبال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جائزة الصحافة 2026
- أصوات عربية
- الذكرى 175
- عن قطوف التجربة
- جائزة الصحافة
- جنوب دنى غالي
- كي داير
- هل للوقت من رائحة؟
- اسئلة الى الرفيق رائد فهمي
- الإحتجاج وطلب التضامن
- صوتك مستقبل الدنمارك 2، نتائج انتخابات البرلمان الدنماركي 20 ...
- صوتك مستقبل الدنمارك 1
- مهرجان الأفلام العربية – كوبنهاكن من 15 آب الى 16 أيلول 2022
- إتركوا سنجار نائمةً
- قبل الإنتخابات المبكرة و بعدها .. أسئلة تلد اخرى
- إستفتاء الدنمارك وإتفاقية الإتحاد الأوربي العسكرية
- بوتين، الناتو والقائمة الموحدة
- يوميات دنماركية 300 والأخيرة
- يوميات دنماركية 200+99، قبل الأخيرة
- يوميات دنماركية 200+98


المزيد.....




- العطش يضرب مناطق في الهند وسط موجة حر شديدة
- إعلام إيراني: طهران علّقت المحادثات مع أمريكا رفضًا لضربات إ ...
- النمسا تحاكم مسؤولين سابقين بالأجهزة الأمنية السورية على خلف ...
- تكاليف الدفن تقفز وبيانات قتلى الاحتجاجات تختفي.. ماذا يحدث ...
- وزير الداخلية الفرنسي يستقبل نظيره الجزائري.. نحو تطبيع كامل ...
- انتخابات إثيوبيا.. من يقود السنوات الخمس المقبلة؟
- رانيا العباسي.. زوج ظهر في صور قيصر وأطفال كشفتهم تسجيلات ال ...
- -النمر- يربك المؤسسة السياسية.. كيف قرأت الصحافة الأمريكية ا ...
- مهمة الكناري.. من يقف وراء الموقع الذي يطارد داعمي فلسطين حو ...
- مدير المخابرات التونسية يكشف كواليس -فبركة الملفات- ضد خصوم ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حكمة اقبال - حكايتي مع نصير عودة