وليد عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 00:38
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
هناك شيء مسرحي أكثر مما هو سياسي في المقاربة الترامبية الأخيرة تجاه الشرق الأوسط، فالرجل لا يتحدث بلغة الدبلوماسية الكلاسيكية التي تقوم على التفاوض البطيء وتوازن المصالح والحساسيات التاريخية، بل بمنطق رجل الأعمال الذي يعرض “الصفقة الأخيرة”: إما الانضمام إلى اتفاقات أبراهام والانخراط في منظومة التطبيع الإقليمي مع إسرائيل، أو مواجهة شرق أوسط مشتعل بحروب أوسع وأكثر تدميراً، هكذا تُختزل منطقة مثقلة بالتاريخ والاستعمار والهويات والصراعات والذاكرة الجماعية في معادلة تبسيطية تقوم على الإكراه السياسي المغلف بلغة السلام، يبدو الخطاب الأمريكي في الظاهر وكأنه دعوة إلى الاستقرار وإنهاء النزاعات، لكن المشكلة لا تكمن في فكرة السلام نفسها، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف السلام باعتباره قراراً إدارياً يمكن فرضه بالضغط والابتزاز والتهديد، فحين يتحول السلام من نتيجة تاريخية لعدالة سياسية وتسوية أخلاقية متوازنة إلى مجرد توقيع إجباري داخل منظومة هيمنة إقليمية، فإنه يفقد معناه الإنساني ويتحول إلى أداة لإدارة الخضوع.
هذه المقاربة لا تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه فضاءً إنسانياً يعيش فيه ملايين البشر ذوي الذاكرة والكرامة والتجارب التاريخية، بل باعتباره رقعة جيوسياسية ينبغي إعادة ترتيبها بما يخدم أولويات القوة الأمريكية والتحالف الإسرائيلي، ولهذا يبدو الخطاب الترامبي أحياناً أقرب إلى خطاب الوصاية الإمبراطوري منه إلى خطاب المصالحة التاريخية، فالسلام هنا لا يُقدَّم بوصفه شراكة متكافئة، بل كإملاء يصدر من مركز القوة إلى الأطراف التابعة، لكن المفارقة أن هذه الذهنية ليست جديدة تماماً؛ إنها امتداد حديث لعقل استعماري قديم تعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مختبراً دائماً للتجارب الجيوسياسية، فمنذ بدايات القرن العشرين، تعرّضت المنطقة إلى التقسيم وإعادة رسم الحدود ودعم الانقلابات وتسليح الأنظمة وإدارة الصراعات وفقاً لأولويات القوى الكبرى، ثم جرى تقديم كل ذلك باعتباره جزءاً من “إعادة الاستقرار”، وكأن الشرق لا يملك حق تقرير مصيره بنفسه، بل يحتاج دائماً إلى قوة خارجية تُعيد تنظيمه وتحديد شكل مستقبله.
ضمن هذا السياق لا تبدو اتفاقات أبراهام مشروع سلام حقيقياً بقدر ما تبدو مشروع إعادة هندسة سياسية للمنطقة، فالمطلوب من الدول العربية ليس فقط الاعتراف بإسرائيل، بل أيضاً إعادة تعريف أولوياتها الاستراتيجية بحيث تصبح إيران هي “العدو المركزي”، بينما تُدفع القضية الفلسطينية تدريجياً إلى الهامش، هنا تظهر المفارقة الأخلاقية الكبرى: يُطلب من العرب القبول الكامل بإسرائيل، بينما تستمر قضايا الاحتلال والاستيطان والقدس واللاجئين والحدود والحقوق الفلسطينية دون حل جذري، وهذا لا يمكن ان يتقاطع مع السلام الحقيقي الذي لا يقوم على القفز فوق الجروح التاريخية، بل على معالجتها، والتاريخ نفسه يقدم أمثلة واضحة على هشاشة السلام المفروض بالقوة أو الإذلال، فمعاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى لم تُنتج سلاماً دائماً لأنها قامت على إذلال ألمانيا أكثر مما قامت على بناء توازن عادل، الأمر الذي ساهم لاحقاً في ولادة نزعات انتقامية أكثر عنفاً، كذلك فإن أي سلام في الشرق الأوسط لا يأخذ بعين الاعتبار الكرامة والعدالة وحقوق الشعوب سيبقى سلاماً هشاً وقابلاً للانفجار عند أول أزمة كبرى.
ومن هنا تحديداً يمكن فهم طبيعة “السلام البارد” الذي نشأ بعد المعاهدات الرسمية بين إسرائيل من جهة وكل من مصر والأردن من جهة أخرى، صحيح أن تلك الاتفاقيات أوقفت الحروب التقليدية وحققت استقراراً أمنياً نسبياً، لكنها لم تُنتج قبولاً شعبياً واسعاً بإسرائيل، والسبب لا يعود إلى “رفض ثقافي للسلام” كما يُروَّج أحياناً، بل إلى استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني والإذلال اليومي للفلسطينيين، فالشعوب لا تنظر فقط إلى الأوراق الموقعة بين الحكومات، بل إلى الواقع الأخلاقي والسياسي الذي يُنتجه هذا السلام، ومن هنا فإن أحد أكبر أخطاء المقاربة الأمريكية الحالية أنها تتعامل مع المنطقة بمنطق أمني بحت، متجاهلة البعد الرمزي والنفسي لمسألة الكرامة، ففي الشرق الأوسط، لا تُختزل السياسة بالمصالح المادية وحدها؛ الكرامة عنصر تأسيسي في الشرعية السياسية والاجتماعية، والشعوب قد تتسامح مع الأزمات الاقتصادية أو الاضطرابات الداخلية، لكنها نادراً ما تتسامح مع الإذلال طويل المدى أو الشعور بأنها تُعامل كتابع داخل منظومة هيمنة خارجية.
لهذا السبب تحديداً تفشل أحياناً المقاربات الأمريكية في فهم ردود الفعل الشعبية العربية، فحين تُقدَّم عملية التطبيع وكأنها اختبار للطاعة السياسية، تتحول في الوعي الجمعي إلى مسألة سيادة وكرامة لا مجرد قرار دبلوماسي، والإنسان في المنطقة لا يرى نفسه مجرد فرد داخل سوق سياسية، بل جزءاً من ذاكرة جماعية مثقلة بالاحتلالات والهزائم والتدخلات الأجنبية، لذلك فإن اللغة الفوقية والاستعلائية لا تنتج اقتناعاً، بل مقاومة رمزية صامتة تتراكم بمرور الزمن، والمفارقة الاخطر في المقاربة الامريكية الحالية أنها، من حيث لا تدري، تمنح إيران واحدة من أكبر هداياها الدعائية، فالولايات المتحدة تسعى إلى بناء تحالف إقليمي لمحاصرة طهران وعزلها، غير أن الطريقة التي تُدار بها هذه العملية تجعل إيران تبدو، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام، وكأنها الطرف الذي يرفض الإذعان للهيمنة الخارجية، وكلما ارتفعت نبرة التهديد الأمريكية تجاه الدول العربية لدفعها نحو التطبيع، ازدادت قدرة الخطاب الإيراني على تقديم نفسه بوصفه خطاب “ممانعة” ورفض للإملاءات الأجنبية، ولا يعني ذلك بالضرورة أن إيران تمثل نموذجاً أخلاقياً أو سياسياً مثالياً، فسياساتها الإقليمية نفسها موضع جدل وانتقاد واسع، لكن السياسة لا تُبنى فقط على الحقائق الموضوعية، بل أيضاً على الصور الرمزية والانطباعات النفسية، وفي لحظات الهيمنة الفجة، يصبح مجرد رفض الإملاء الخارجي مصدراً للشرعية الرمزية، حتى لو كان الطرف الرافض يعاني تناقضات داخلية كبيرة، وهنا تظهر أزمة إسرائيل نفسها بصورة أوضح، فجزء من العزلة النفسية والسياسية التي تعيشها إسرائيل في المنطقة لا يرتبط فقط بوجودها، بل بطريقة إدارتها لعلاقتها مع الفلسطينيين والعرب، فإسرائيل تريد اعترافاً كاملاً واندماجاً طبيعياً داخل المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تواصل سياسات توسعية واحتلالية تجعل هذا الاندماج ناقص الشرعية أخلاقياً، إنها تريد القبول دون أن تدفع كلفة العدالة التاريخية أو التواضع السياسي الضروري لأي مصالحة حقيقية،
وفي العمق، تكشف هذه اللحظة أيضاً أزمة أوسع تتعلق بالولايات المتحدة نفسها، فالخطاب الترامبي القائم على الاستعراض والضغط والتهديد يعكس إرهاق القوة الأمريكية أكثر مما يعكس ذروة هيمنتها، فالإمبراطوريات حين تشعر بتراجع قدرتها الأخلاقية تميل غالباً إلى تعويض ذلك عبر استعراض القوة العسكرية والاقتصادية، لكن الهيمنة لا تقوم على القوة الصلبة وحدها؛ إنها تحتاج أيضاً إلى شرعية رمزية تجعل الآخرين يقبلون بها طوعاً لا خوفاً فقط، لهذا يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه يعيش تناقضاً تاريخياً عميقاً: قوة عظمى ما تزال تمتلك التفوق العسكري والاقتصادي الهائل، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج القبول الأخلاقي والسياسي داخل المنطقة، وحين تفقد القوة شرعيتها الرمزية، تصبح أكثر ميلاً إلى الإكراه، وأكثر عجزاً عن بناء سلام مستدام.
إن السلام الحقيقي لا يُبنى بالخوف ولا يولد من التهديد، ولا يُفرض باعتباره امتحان ولاء سياسي، السلام الحقيقي يحتاج إلى اعتراف متبادل، وعدالة، وندية، وإحساس جماعي بأن جميع الأطراف خرجت من التسوية بقدر من الكرامة الإنسانية، أما السلام الذي يُبنى على الإذعان، فقد يوقف الحروب مؤقتاً، لكنه لا يصنع استقراراً أخلاقياً ولا ذاكرة مشتركة قادرة على الاستمرار، لهذا فإن من الاخطار التي تحتويها المقاربة الترامبية ليس فقط أنها تتجاهل جذور الصراع، بل أنها تعيد إنتاج المنطق الإمبراطوري القديم بلغة حديثة، ذلك المنطق الذي يرى أن الاستقرار يمكن صناعته بالقوة وحدها، وأن الشعوب يمكن إعادة تشكيل وعيها عبر الضغوط الاقتصادية والتحالفات الأمنية وصفقات السلاح، غير أن التاريخ يُظهر دائماً أن الكرامة ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في الشرق الأوسط، فالمنطقة التي عاشت قروناً من التدخلات الأجنبية والاستعمار والحروب لا تتفاعل فقط مع الوقائع السياسية، بل أيضاً مع الإحساس الرمزي بالسيادة والاحترام، ولهذا فإن أي مشروع سلام يتجاهل هذه الحقيقة سيظل مشروعاً ناقصاً مهما امتلك من دعم دولي أو تفوق عسكري.
في النهاية، قد تستطيع القوة فرض الصمت، لكنها لا تستطيع فرض القبول الحقيقي، وقد تنجح الدبلوماسية القسرية في إنتاج تحالفات رسمية، لكنها تعجز عن إنتاج شرعية أخلاقية مستقرة، ولهذا ربما تكون المفارقة الكبرى أن السياسات الأمريكية المصممة لمحاصرة إيران تمنحها، من حيث لا تقصد، فرصة ذهبية لتقديم نفسها بوصفها صوت الرفض في مواجهة الهيمنة، أما السلام الذي يُولد من الخوف، فغالباً ما يبقى مجرد هدنة طويلة داخل عالم لم تُحل تناقضاته بعد.
#وليد_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟