|
|
نقد السردية التقليدية لاتفاقية سايكس–بيكو: إعادة قراءة في ضوء الجغرافيا السياسية والتحولات ما بعد الإمبراطورية
وليد عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 21:12
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
الملخص
تتناول هذه الدراسة بالنقد السردية السائدة التي تُقدّم اتفاقية سايكس–بيكو (1916) بوصفها الحدث التأسيسي الحاسم في رسم خرائط الشرق الأوسط الحديث. وتجادل بأن هذا التصور ينطوي على اختزال مخلّ، إذ يغفل عن الطبيعة غير الملزمة للاتفاقية، وعن التحولات الجيوسياسية العميقة التي أعادت تشكيل المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ومن خلال مقاربة تحليلية تاريخية–سياسية تُظهر الدراسة أن الحدود السياسية في المشرق العربي لم تكن نتاجًا مباشرًا للاتفاقية؛ بل تشكّلت عبر تفاعل معقد بين المشاريع الاستعمارية والانهيارات الإمبراطورية، وصعود الفاعلين المحليين وأنماط المقاومة المختلفة. كما تسلط الضوء على تباين المسارات بين الحالة التركية؛ التي نجحت في تقويض المشروع التقسيمي، والحالة العربية التي شهدت تشكّلات سياسية مفروضة. وتخلص الدراسة إلى أن استدعاء سايكس–بيكو بوصفها تفسيرًا شاملاً لأزمات المنطقة يحجب العوامل البنيوية الأعمق المرتبطة ببنية السلطة والتدخل الخارجي، وضعف تشكّل الدولة الوطنية. المقدمة تحتل اتفاقية سايكس–بيكو موقعًا مركزيًا في الأدبيات السياسية والتاريخية العربية؛ حيث تُستدعى غالبًا بوصفها اللحظة المفصلية التي أعادت رسم خريطة المشرق العربي وفق إرادة استعمارية خارجية، غير أن هذا التصور رغم قوته الرمزية، يعاني من نزعة اختزالية تُسقِط تعقيد المسار التاريخي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، إذ يفترض ضمنيًا أن الاتفاقية شكّلت إطارًا حاسمًا ونهائيًا لترسيم الحدود متجاهلًا هشاشتها القانونية، وسياقها المرحلي والانقطاعات التي طرأت عليها بفعل تحولات دولية وإقليمية لاحقة. تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن سايكس–بيكو لم تكن لحظة تأسيس بقدر ما كانت تعبيرًا أوليًا عن نوايا استعمارية سرعان ما أُعيد تشكيلها أو تقويضها في ضوء موازين القوة المتغيرة، ومن ثم فإن فهم تشكّل الشرق الأوسط الحديث يستدعي تجاوز القراءة الاختزالية للاتفاقية، والانخراط في تحليل متعدد المستويات يدمج بين البعد الدولي والديناميات الإقليمية وأدوار الفاعلين المحليين. الإطار النظري والمنهجي تعتمد الدراسة على مقاربة متعددة التخصصات تستند إلى تداخل حقول التاريخ السياسي، والاقتصاد السياسي الدولي، ودراسات ما بعد الاستعمار، وتستفيد من مفاهيم مثل “الهندسة الاستعمارية للفضاء السياسي”، و”إنتاج الحدود عبر الصراع”، و”الدولة بوصفها نتاجًا تفاوضيًا”، وذلك لتحليل كيفية تشكّل الكيانات السياسية في مرحلة ما بعد انهيار السلطنة العثمانية. منهجيًا تتبنى الدراسة تحليلًا تاريخيًا مقارنًا يركز على تتبّع المسارات المختلفة التي اتخذتها عملية بناء الدولة في كل من تركيا والمشرق العربي، مع التركيز على التفاعل بين القرارات الدولية (المعاهدات، الاتفاقيات) والوقائع الميدانية (الحروب، الانتفاضات، الترتيبات المحلية). أولًا: سايكس–بيكو كاتفاق هشّ: بين النوايا الاستعمارية وحدود التنفيذ لم تكن اتفاقية سايكس–بيكو معاهدة دولية ملزمة بل تفاهمًا سريًا بين بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا القيصرية، لتقاسم النفوذ في أراضي الدولة العثمانية، وقد صيغت في سياق حرب لم تتضح نتائجها بعد، ما جعلها أقرب إلى تصور استراتيجي مشروط منه إلى خطة تنفيذية مكتملة، حيث تفتقر الاتفاقية إلى مقومات الإلزام القانوني: فلم تُعرض على مؤتمر دولي، ولم تُدعّم بآليات تنفيذ أو ضمانات مؤسسية، كما أن بنيتها الجغرافية كانت عامة وفضفاضة تاركةً مساحات واسعة لإعادة التفاوض، وقد أدى انهيار روسيا القيصرية عام 1917، ثم كشف نصوص الاتفاقية من قبل البلاشفة، إلى تقويض مشروعيتها السياسية، خاصة في ظل التناقض مع التزامات موازية مثل مراسلات مكماهون–حسين ووعد بلفور. بذلك يمكن النظر إلى سايكس–بيكو بوصفها تعبيرًا عن لحظة استعمارية انتقالية لا إطارًا حاكمًا طويل الأمد، أو أنها أقرب إلى تفاهم سياسي سري منها إلى معاهدة دولية ملزمة؛ إذ لم تستوفِ مقومات الإلزام القانوني من حيث العلنية والتصديق وآليات التنفيذ، فضلًا عن تعارضها مع التزامات دولية لاحقة، وهو ما دفع العديد من الباحثين إلى اعتبارها إطارًا استعماريًا لتوزيع النفوذ أكثر من كونها التزامًا قانونيًا واجب النفاذ، لهذا فإنها لم تُطبق بصيغتها الأصلية، بل عُدّلت ضمن نظام الانتداب بعد الحرب العالمية الاولى، فالخارطة الأولى التي رسمت لم تطبق بحذافيرها، وتم استبدالها لاحقاً وتعديل مناطق النفوذ، حيث كان التغيير في مؤتمر سان ريمو الذي حول مناطق النفوذ إلى "انتداب" بعد الحرب العالمية الأولى، ورسمت حدود جديدة (لبنان، سوريا، العراق، فلسطين) وهذه تختلف عن "سايكس بيكو" الأصلية. ثانيًا: الحالة التركية: تفكيك المشروع التقسيمي عبر الفعل السيادي الحالة التركية تمثل نموذجًا مهمًا لفهم كيف يمكن للفاعل المحلي أن يقلب موازين القوى، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية رغم القيود الدولية والضغوط الخارجية، ما حدث في الأناضول بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد رد فعل عسكري، بل كان مشروعًا متكاملًا جمع بين الوعي القومي، والتنظيم السياسي والبراغماتية الاستراتيجية. يمكن اعتبار معركة معركة جاليبولي (1915–1916) لحظة مفصلية في تشكّل الهوية الوطنية التركية؛ هذه المعركة لم تكن فقط انتصارًا عسكريًا ضد قوات الحلفاء، بل أسهمت في بناء سردية جماعية قائمة على الصمود والسيادة، من منظور علم الاجتماع السياسي، حيث مثلت جاليبولي ما يُعرف بـ"الحدث المؤسس"؛ أي اللحظة التي تُنتج شعورًا جمعيًا بالتمايز والقدرة على المقاومة، وهو عنصر أساسي في بناء الدول الحديثة. بعد هزيمة الدولة العثمانية جاءت معاهدة سيفر لتجسد مشروعًا تقسيميًا واضحًا، حيث سعت القوى المنتصرة إلى تفكيك الأناضول إلى كيانات إثنية ومناطق نفوذ، من زاوية التحليل الجيوسياسي، فكانت هذه المعاهدة امتدادًا لمنطق توازن القوى الاستعماري الذي تجسد أيضًا في اتفاقية سايكس بيكو، حيث يتم رسم الحدود وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق الوقائع الاجتماعية أو التاريخية. غير أن ما يميز الحالة التركية هو انتقالها السريع من حالة الانهيار الإمبراطوري إلى مشروع وطني منظم،حيث قاد مصطفى كمال أتاتورك عملية إعادة بناء شاملة اعتمدت على ركائزعدة حيث أعاد تعريف الشرعية السياسية بدلًا من الشرعية السلطانية التقليدية، وبذلك عمل على تأسيس شرعية جديدة قائمة على الإرادة الوطنية، تجسدت في إنشاء الجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة، ويعد هذا تحولا يتماشى مع مفاهيم علم السياسة الحديثة التي ترى أن الدولة القومية تقوم على تمثيل الشعب لا على الحق الإلهي أو الوراثي. كما انه دمج بين الفعل العسكري والدبلوماسي، فـحرب الاستقلال التركية لم تكن مجرد مواجهة ميدانية، بل كانت أيضًا عملية تفاوض مستمرة مع القوى الدولية، هذا يعكس ما يُعرف في العلاقات الدولية بمفهوم "القوة المركبة"، حيث يتم توظيف الأدوات الصلبة (العسكرية) والناعمة (الدبلوماسية) بشكل متكامل.اضافة الى استثماره للتناقضات الدولية واللعب على التوازنات في تلك الفترة، حيث لم تكن القوى الكبرى متجانسة بالكامل بل كانت هناك تنافسات بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، لا سيما صعود الاتحاد السوفيتي، حيث استطاعت القيادة التركية توظيف هذه التناقضات لصالحها. تُوج هذا المسار بتوقيع معاهدة لوزان التي اعترفت دوليًا بالحدود الجديدة للدولة التركية، من منظور قانوني مثلت هذه المعاهدة انتقالًا من وضع "الدولة المهزومة الخاضعة" إلى "الدولة ذات السيادة الكاملة"، كما أنها كرّست مبدأ وحدة الأراضي التركية منهيةً فعليًا مشاريع التقسيم. فالتجربة في الحالة التركية هذه إذا نظرنا إلىها من زاوية تحليلية أوسع، فإنه يمكن استخلاص أن المشاريع التقسيمية ليست حتمية بل تعتمد على توازن القوى وعلى قدرة الفاعلين المحليين على التنظيم والمقاومة،وأن بناء الدولة يتطلب تلاقي الهوية المتمثلة بـ(الوعي القومي)، والمؤسسات المتمثلة بـ(التنظيم السياسي)، والقوة المتمثلة بـ (العسكرية والدبلوماسية). وأخيرا فإن الشرعية الدولية غالبًا ما تلحق بالواقع الميداني لا العكس؛ أي أن فرض الأمر الواقع يمكن أن يتحول لاحقًا إلى اعتراف قانوني. على الرغم من ذلك فأنه من المهم تجنب المبالغة في تعميم الحالة التركية، فنجاحها ارتبط بظروف خاصة منها وجود قيادة مركزية قوية وتجانس نسبي في الأناضول مقارنة بمناطق أخرى، إضافة إلى الإرهاق الذي أصاب القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى، لذلك لا يمكن اعتبارها نموذجًا قابلًا للاستنساخ الكامل، بل تجربة يمكن الاستفادة من دروسها مع مراعاة اختلاف السياقات. بهذا المعنى فإن الحالة التركية لا تعكس فقط "تفكيك مشروع تقسيمي"، بل تقدم مثالًا على كيف يمكن للفعل السيادي المدعوم بالوعي والتنظيم أن يعيد تعريف موقع الدولة في النظام الدولي. ثالثًا: المشرق العربي: من فراغ سايكس–بيكو إلى هندسة الانتداب على النقيض من التجربة التركية شهد المشرق العربي مسارات أكثر هشاشة وتعقيدًا، فقد كانت سايكس–بيكو لحظة تاريخية انتقالية استُكملت لاحقًا عبر نظام الانتداب؛ الذي أعاد تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى الاستعمارية، وهو ما يوضح أن تشكّل المشرق العربي الحديث لم يكن نتيجة تنفيذٍ مباشر لاتفاقية اتفاقية سايكس–بيكو، كما يُشاع في السرديات التبسيطية؛ بل جاء حصيلة عملية تاريخية أكثر تعقيدًا، بدأت مع انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتطورت عبر تدخل القوى الاستعمارية التي أعادت صياغة المجال السياسي وفق مصالحها، وبهذا المعنى، لم يكن ما حدث “فراغًا” جغرافيًا أو سياسيًا بقدر ما كان لحظة انتقالية مفتوحة على صراع مشاريع متنافسة لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى المهيمنة. فمع تفكك البنية العثمانية انهارت منظومة الحكم التي كانت تؤمّن حدًا أدنى من الترابط الإداري والسياسي بين ولايات المشرق، إلا أن هذا الانهيار لم يُقابل بظهور مشروع عربي مؤسسي قادر على ملء الفراغ بسرعة وفعاليةكما حدث في الحالة التركية، رغم المحاولات المبكرة وفي مقدمتها تجربة فيصل بن الحسين في سوريا، حيث فتحت هذه الهشاشة البنيوية المجال أمام القوى الأوروبية لتدخل ليس فقط كقوة احتلال، بل كفاعل يعيد إنتاج الكيانات السياسية نفسها. في هذا السياق برز نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم كإطار قانوني يمنح الشرعية لإدارة الأقاليم الخارجة من الحكم العثماني، إلا أن هذا النظام لم يكن مجرد وصاية انتقالية بل تحوّل عمليًا إلى أداة لإعادة الهندسة السياسية، حيث أعادت كل من فرنسا وبريطانيا رسم الحدود وتشكيل الكيانات، وصياغة البنى الاجتماعية بما يتوافق مع استراتيجياتها الإقليمية، فمثلا تُظهر الحالة السورية بوضوح هذا النمط من “الهندسة عبر التفكيك”، فبعد القضاء على المشروع العربي الناشئ إثر معركة ميسلون، لم تكتفِ فرنسا بفرض سيطرتها بل عمدت إلى تقسيم البلاد إلى وحدات سياسية متعددة على أسس مناطقية وطائفية، حيث هدف هذا التقسيم إلى تقويض إمكانية نشوء مركز سياسي موحد وقوي، ما جعل الكيان السوري عرضة لاحقًا لعدم الاستقرار والانقلابات المتكررة، وهنا يتجلى بوضوح منطق إدارة التعدد عبر التفكيك بدل الدمج، وهو خيار قد يحقق استقرارًا مرحليًا إلا أنه يزرع بذور هشاشة طويلة الأمد. أما في فلسطين فقد اتخذ الانتداب البريطاني طابعًا مختلفًا، إذ تداخلت فيه الإدارة الاستعمارية مع تنفيذ مشروع استيطاني مستند إلى وعد بلفور، لم يكن الهدف مجرد حكم إقليم بل إعادة تشكيله ديموغرافيًا وسياسيًا، عبر تشجيع الهجرة المنظمة وبناء مؤسسات موازية تمهّد لقيام كيان جديد، ويُفسَّر هذا النموذج ضمن إطار “الاستعمار الاستيطاني” الذي يختلف عن الاستعمار التقليدي في كونه يسعى إلى إحلال مجتمع مكان آخر، وهو ما يفسر الطبيعة الممتدة للصراع في فلسطين. وفي لبنان، اتخذت “الهندسة السياسية” شكلًا آخر تمثل في إنشاء لبنان الكبير ككيان قائم على توازنات طائفية دقيقة، فقد جرى دمج مناطق متنوعة دينيًا ومذهبيًا ضمن إطار سياسي واحد، مع توزيع السلطة وفق منطق التمثيل الطائفي، ورغم أن هذا النموذج اقترب ظاهريًا من فكرة “الديمقراطية التوافقية”، إلا أنه كان في جوهره بناءً مفروضًا من الخارج جعله عرضة للتصدع مع أي اختبار جدي كما حدث مثلا خلال الحرب الأهلية اللبنانية. تكشف هذه الحالات الثلاث أن حدود المشرق العربي لم تكن مجرد خطوط مرسومة على الخريطة، بل كانت نتيجة عملية مركبة من “إعادة الهندسة السياسية” التي مزجت بين السيطرة الاستعمارية وإعادة تشكيل المجتمعات، فالقوى المنتدبة لم تكتفِ بتقسيم الأرض بل أعادت إنتاج البنى الاجتماعية والسياسية بما يضمن استمرارية نفوذها حتى بعد انتهاء الانتداب. وعليه، يمكن القول إن دول المشرق العربي نشأت ككيانات “وظيفية” أكثر منها دول-أمم مكتملة التكوين، إذ ارتبطت بنيتها الداخلية بتوازنات خارجية، واعتمدت في استقرارها على إدارة الانقسامات بدل تجاوزها، وقد أسهم هذا الإرث في تكريس أنماط من الهشاشة البنيوية لا تزال آثارها واضحة في الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعيشها المنطقة حتى اليوم.
رابعًا: الطائفية بوصفها أداة حكم: حالة لبنان لا يمكن فهم الطائفية في لبنان بوصفها مجرد انعكاس تلقائي لتنوع اجتماعي–ديني، بل ينبغي تحليلها كنتاج تاريخي لعملية “هندسة سياسية” بدأت في ظل الحكم العثماني المتأخر وتبلورت في مرحلة الانتداب، فقد شكّل نظام متصرفية جبل لبنان نقطة انطلاق أساسية؛ حيث أُنشئ ككيان إداري قائم على تمثيل طائفي منظم بإشراف أوروبي مباشر بعد أحداث 1860،إلا أن هذا النظام لم يهدف فقط إلى احتواء العنف، بل إلى إعادة تنظيم المجتمع ضمن توازنات قابلة للإدارة الخارجية. ومع إعلان" لبنان الكبير" تحت الانتداب الفرنسي جرى توسيع هذا النموذج ليشمل مناطق ذات أغلبية مسلمة، ما أدى إلى تركيب كيان متعدد الطوائف دون دمج حقيقي بينها، وهنا تحديدًا تحوّلت الطائفية من آلية تمثيل إلى أداة حكم، إذ تم توزيع السلطة وفق انتماءات طائفية ثابتة بدلًا من بناء مواطنة سياسية جامعة. فمن منظور علم السياسة يمكن قراءة هذا النموذج ضمن إطار “الديمقراطية التوافقية”، لكنه في الحالة اللبنانية كان مفروضًا من الخارج وقائمًا على توازنات جامدة ومعتمدًا على رعاية دولية مستمرة، وهذا ما جعله أقرب إلى ما يُعرف بـ”إدارة الانقسام” بدل تجاوزه، حيث تؤكد الوقائع التاريخية هذا التحليل فبعد الاستقلال، تم تكريس توزيع السلطة عبر “الميثاق الوطني” (1943)، الذي حدد المناصب الرئيسية وفق الانتماء الطائفي، ورغم أن هذا الترتيب ساهم في تحقيق قدر من الاستقرار، إلا أنه رسّخ بنية سياسية تعيد إنتاج الانقسام، حيث ظهرت حدود هذا النموذج بوضوح خلال الحرب الأهلية اللبنانية فانهارت آليات التوازن وتحولت الطوائف إلى وحدات صراع مسلح، والأهم من ذلك أن النظام لم يتغير جذريًا بعد الحرب، بل أُعيد إنتاجه عبر اتفاق الطائف، الذي أعاد توزيع الصلاحيات دون المساس بجوهر النظام الطائفي، وهذا يعزز فكرة أن الطائفية في لبنان ليست خللًا عرضيًا بل جزء من بنية الدولة نفسها، وهنا يمكن القول إن هذا النموذج يحقق أهدافا وظيفية عدة، منها منع تشكّل سلطة مركزية قوية قد تهدد التوازنات الداخلية أو المصالح الخارجية، اضافة الى إبقاء النظام السياسي مفتوحًا للتدخل الخارجي بحكم اعتماد توازنه على دعم دولي، ووظفة إعادة إنتاج النخب التقليدية عبر ربط الشرعية السياسية بالتمثيل الطائفي، وبذلك يصبح “الاستقرار” في لبنان استقرارًا مشروطًا وهشًا، قائمًا على إدارة دائمة للأزمات بدل حلها. خامسا: إسرائيل ولبنان: استمرارية الكيانات الدينية في سياق إقليمي متحوّل في سياق إقليمي اتجهت فيه معظم الدول العربية نحو نماذج قومية أو مركزية (كما في مصر وسوريا والعراق في مراحل مختلفة)، إلا أن حالتا إسرائيل ولبنان تبرز بوصفهما استثناءين حافظا على طابع ديني–طائفي واضح، غير أن هذا الاستثناء لا يمكن تفسيره كاستمرار طبيعي للتاريخ، بل ينبغي فهمه كنتاج لوظائف سياسية ضمن نظام إقليمي ودولي أوسع. ففي الحالة الإسرائيلية نشأت الدولة على أساس مشروع استيطاني مدعوم بوعد بلفور، وتكرّس لاحقًا بقيام دولة إسرائيل، منذ البداية تم تعريف الدولة بوصفها إطارًا قوميًّا–دينيًّا لليهود، وهو ما تجسد لاحقًا في تشريعات مثل “قانون القومية” (2018)، هذا الطابع لم يكن مجرد خيارا أيديولوجيا، بل ارتبط بعوامل بنيوية تمثلت بدعم دولي مستمر، خاصة من القوى الغربية،اضافة الى تفوق عسكري نوعي مكّن الدولة من فرض وقائع ميدانية، كما عزز بناء مؤسسات حديثة من قدرة الدولة على الاستمرار،لهذا يمكن تصنيف إسرائيل ضمن نماذج “الدولة الإثنية” (Ethnic State)، حيث تُعرّف المواطنة والهوية السياسية انطلاقًا من انتماء إثني–ديني محدد. في المقابل، يمثل لبنان نموذجًا مختلفًا لكنه يتقاطع في النتيجة، فبدل أن تكون الدولة ذات هوية دينية واحدة، تم توزيعها بين طوائف متعددة ضمن "نظام توافقي"، ومع ذلك فإن النتيجة الوظيفية متشابهة،دولة لا تقوم على مواطنة متجانسة، بل على هويات فرعية مؤسَّسة سياسيًا، كما ان استمرارية هذا النموذج في لبنان لم تكن ممكنة دون رعاية إقليمية ودولية للتوازنات الداخلية، ودون إعادة إنتاج النخب الطائفية داخل النظام، اضافة الى غياب مشروع وطني جامع قادر على تجاوز الانقسامات. وبالمقارنة بين الحالتين تكشف نقطة أساسية أن الكيانات ذات الطابع الديني–الطائفي لم تكن مجرد بقايا تاريخية، بل أدوات وظيفية داخل بنية إقليمية، ففي حين مثّلت إسرائيل نقطة ارتكاز استراتيجية للقوى الغربية في المنطقة، شكّل لبنان مساحة توازن مرنة تُدار فيها الصراعات الإقليمية بشكل غير مباشر، وبناء عليه يمكن القول إن استمرارية هذه الكيانات ترتبط بالقدرة على التكيف المؤسسي (كما في الحالة الإسرائيلية) أو التكيف عبر التوازن (كما في لبنان)،وبالقدرة على الارتباط ببنية دعم خارجية سياسية أو عسكرية،وبوظيفتها ضمن النظام الإقليمي، سواء كحاجز جيوسياسي أو كمساحة امتصاص للتوترات. وهذا ما يعزز أن هذين النموذجين يشكلان الفكرة في أن دول المشرق العربي لم يكن نتيجة مباشرة لخطوط مرسومة في اتفاقية سايكس–بيكو، بل نتاج عمليات معقدة من إعادة الهندسة السياسية، حيث استُخدمت البنى الاجتماعية—ومنها الطائفية—كأدوات حكم، كما يوضحان أن استمرار هذه البنى حتى اليوم لا يعود إلى “جمود ثقافي” أو “خصوصية دينية”، بل إلى تداخل العوامل الداخلية مع وظائف إقليمية ودولية، ما يجعل فهم أزمات المنطقة مستحيلًا دون تجاوز التفسيرات التبسيطية والعودة إلى تحليل بنية الدولة نفسها. الخاتمة تُظهر هذه الدراسة أن اتفاقية سايكس–بيكو لا يمكن فهمها بوصفها المحدد الوحيد لتشكّل الشرق الأوسط الحديث، بل كحلقة ضمن سلسلة من التحولات المعقدة، فقد أعادت الحروب والمقاومات والتسويات السياسية تشكيل الحدود بطرق تجاوزت التصورات الأولية للاتفاقية، ولهذا فإن الإصرار على مركزية سايكس–بيكو في تفسير أزمات المنطقة يحجب فهم الديناميات البنيوية الأعمق، وعلى رأسها العلاقة بين السلطة والهوية، والتفاعل بين الداخل والخارج، وأزمات بناء الدولة، ومن ثم فإن أي مقاربة نقدية للواقع الراهن تستلزم تفكيك هذه السردية، والانخراط في تحليل تاريخي أكثر تركيبًا وشمولًا.
#وليد_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لعنوان: تأملات فلسفية حول التخلي عن الأمل كحكمة متناقضة
-
التفلسف بين الحقيقة والحكمة: رحلة البحث عن المعنى
-
نحو خطاب فلسطيني عقلاني ومسؤول: مقاربة واقعية للوحدة والشراك
...
-
الإبادة والخطاب: فجوة اللغة والواقع في زمن الدمار
-
-غزة تباد وانت تحلل: رسالة الى صديقي الشعبوي العزيز-
-
“الهوية المزدوجة: التطور التاريخي والتوترات المعاصرة بين الم
...
-
غزة: مقاومة الوجود في وجه الإبادة
-
العنوان: مسلسل معاوية: تزييف الوعي عبر دراما تاريخية مُعلّبة
-
العنوان : الوحدة الفلسطينية: مفتاح الصمود أم وهم الانتصارات
...
المزيد.....
-
-بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي
...
-
-وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران
...
-
112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي
...
-
الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
-
رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
-
بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
-
تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
-
-خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد
...
-
بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات
...
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|