وليد عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 07:28
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
على امتداد ما يقارب ثمانية عقود لم تكن الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي مجرد نتاج لخطاب أيديولوجي، أو شعارات سياسية تتحدث عن “العالم الحر” و”الديمقراطية الليبرالية”، بل ارتكزت إلى بنية تاريخية معقدة من القوة المادية والمؤسساتية والرمزية، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية نجحت الولايات المتحدة في بناء ما يمكن تسميته بـ”الهندسة الكبرى للنظام العالمي”، وهي هندسة جمعت بين التفوق العسكري والهيمنة النقدية، والقدرة على إنتاج الشرعية الدولية، وإدارة شبكات التحالفات العابرة للقارات.
لقد شكّل نظام اتفاقية بريتون وودز" "Bretton Woods أحد الأعمدة الأساسية لهذه الهيمنة، حيث تحوّل الدولار الأمريكي من مجرد عملة وطنية إلى مركز الثقل المالي العالمي، وأصبح الاقتصاد الدولي يدور حوله باعتباره أداة للتبادل والاحتياط والتسعير، ولم يكن ذلك مجرد تفوق اقتصادي محض بل كان تعبيراً عن تزاوج فريد بين القوة المالية والقوة الجيوسياسية، فالدولار لم يكتسب مركزيته بسبب كفاءة الاقتصاد الأمريكي فقط، بل لأن الولايات المتحدة امتلكت أيضاً القدرة على حماية النظام الذي يمنحه هذه المركزية، وفي السياق ذاته احتضنت مدينة نيويورك المقر الرئيسي لـ الأمم المتحدة بموجب اتفاقية رسمية بين المنظمة الدولية والولايات المتحدة، الأمر الذي منح واشنطن موقعاً رمزياً باعتبارها “المرتكز السياسي” للنظام الدولي المعاصر، كذلك قامت الولايات المتحدة ببناء منظومات تحالف عسكرية واسعة في أوروبا وآسيا، من خلال حلف شمال الأطلسي وتحالفاتها الأمنية الثنائية مع اليابان وكوريا الجنوبية، وربطت أمن هذه الدول بالمظلة الاستراتيجية الأمريكية، أما في المجال البحري، فقد تحولت البحرية الأمريكية إلى ما يشبه “القوة الضابطة عالمياً” للممرات البحرية، حيث ارتبط مفهوم “حرية الملاحة” تاريخياً بالوجود العسكري الأمريكي في البحار والمحيطات، ولم يكن المقصود بحرية الملاحة مجرد مبدأ قانوني بل منظومة أمنية متكاملة تضمن تدفق التجارة العالمية والطاقة والسلع عبر المحيطات دون تهديدات كبرى، ومن هنا أصبحت القوة البحرية الأمريكية جزءاً من البنية العميقة للعولمة ذاتها.
لهذا السبب فإن مسألة إيران لا يمكن فهمها باعتبارها أزمة إقليمية محدودة أو نزاعاً عسكرياً عادياً، فالصراع المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ويتحول إلى اختبار حضاري وتاريخي لقدرة النظام الأمريكي نفسه على الاستمرار بوصفه “القوة المنظمة للنظام الدولي”، إن القضية لم تعد مرتبطة فقط بنتائج المعركة العسكرية، بل بمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على صورة القوة القادرة على إنتاج النظام والاستقرار والضمانات، فالإمبراطوريات الكبرى لا تسقط عادة في اللحظة التي تخسر فيها حرباً بعينها؛ بل تبدأ بالتآكل عندما تتوقف وعودها عن امتلاك قوة الإقناع، إن لحظة الانحدار الحقيقي تبدأ عندما يشك الحلفاء في صدقية الضمانات التي قامت عليها المنظومة بأكملها. فمثلا التصدع النقدي وتآكل الثقة بالدولار، فإن ما يُعرف بـ”نظام البترودولار” لم يكن مجرد ترتيب مالي لتسعير النفط بالدولار الأمريكي، بل كان عقداً سياسياً ـ أمنياً عميقاً بين الولايات المتحدة ودول الخليج، فقد باعت دول الخليج الطاقة ضمن منظومة مالية تتمحور حول الدولار، وأعادت تدوير فوائضها المالية داخل الأسواق والأصول الأمريكية، مقابل حصولها على حماية أمنية أمريكية شاملة.
غير أن هذا العقد بدأ يهتز بصورة غير مسبوقة؛ فالحروب والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وخاصة مع تصاعد التهديدات الإيرانية والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، دفعت العديد من دول الخليج إلى إعادة التفكير في قيمة “الضمانة الأمريكية”، إذ إن الحماية التي كانت تُقدَّم بوصفها ضمانة استراتيجية مطلقة بدأت تبدو أقل قدرة على منع المخاطر المباشرة التي تهدد البنية التحتية النفطية والأمن الإقليمي، وفي الوقت نفسه أخذت التحولات الاقتصادية العالمية تدفع باتجاه تنويع الشراكات التجارية، خصوصاً مع صعود بعض دول آسيا والصين بوصفهما مركزين متناميين للاستهلاك والطاقة والاستثمار، ومن هنا بدأت تظهر تجارب للتبادل التجاري بعملات غير الدولار، ليس بوصفها إعلاناً فورياً لانهيار العملة الأمريكية، وإنما كتعبير عن تراجع الاحتكار الرمزي للدولار.
وهنا تكمن النقطة الأكثر خطورة؛ فالدولار لن ينهار فجأة لأن أي عملة منافسة لا تزال عاجزة عن امتلاك العمق المالي والسيولة والانتشار المؤسساتي الذي يملكه الدولار، لكن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بالانهيار، بل بتراجع “الاحتكار النفسي للثقة”، فالعملات المهيمنة لا تعيش بالقوة الاقتصادية وحدها، بل بثقة العالم في النظام السياسي والعسكري الذي يحميها، وعندما تبدأ الثقة بالتراجع، تبدأ الدول تدريجياً في البحث عن بدائل، حتى وإن كانت جزئية ومحدودة في البداية.
اضافة الى التصدع الاستراتيجي وأزمة المصداقية الأمنية، إذا كانت منطقة الخليج تمثل اختباراً للنظام المالي ـ الأمني الأمريكي، فإن اليابان وكوريا الجنوبية تمثلان الاختبار الأكثر حساسية لصدقية الردع الأمريكي في آسيا، فاعتماد هاتين الدولتين على الولايات المتحدة ليس خياراً دبلوماسياً عابراً، بل ضرورة وجودية مرتبطة مباشرة بالخوف من الصين وكوريا الشمالية، ومن هنا فإن أي عجز أمريكي عن احتواء التصعيد مع إيران، أو أي فشل في حماية الحلفاء الخليجيين من تداعيات الحرب، ينعكس فوراً على حسابات طوكيو وسيؤول، إذ يصبح السؤال الاستراتيجي المطروح هناك شديد القسوة والوضوح، فإذا كانت الولايات المتحدة تبدو عاجزة عن إدارة أزمة مع قوة إقليمية مثل إيران، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على ردع قوة عظمى بحجم الصين؟ ومن هنا فإن قوة الردع لا تقوم فقط على امتلاك الأسلحة، بل على القدرة على إقناع الحلفاء بأن هذه القوة ستُستخدم فعلاً عند الضرورة، وهنا تظهر المفارقة الكبرى، قد تبقى الولايات المتحدة الأقوى عسكرياً في العالم، وربما تتفوق على مجموع خصومها مجتمعين، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح أقل قدرة على إنتاج الطمأنينة الاستراتيجية، فالقوة ليست مجرد قدرة على التدمير، بل قدرة على تثبيت النظام، واحتواء الفوضى، وإقناع الحلفاء بأن “المظلة” ستفتح لحمايتهم عندما تبدأ العاصفة، وعندما يبدأ الحلفاء ببناء استراتيجيات احتياطية تحسباً لاحتمال عدم موثوقية الحليف الأمريكي، فإن بنية التحالف قد تبقى قائمة شكلياً، لكن الإيمان الداخلي بها يبدأ بالتآكل البطيء.
واخيرا فيما يتعلق بهذا الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وايران فهناك مفارقة حول الانسحاب والاستمرار في الصراع حيث لا تبدو المشكلة الأمريكية اليوم محصورة في خيار الانسحاب أو الاستمرار في الانخراط العسكري، فالانسحاب بعد العجدز عن الوصول لتسوية سياسية واضحة يُفسَّر باعتباره هزيمة استراتيجية وتراجع عن قيادة العالم، لا سيما الاستمرار في الحروب المفتوحة دون أفق سياسي واضح، فقد يكشف فيه قدر كبير من الخطورة؛ وهو أن القوة العسكرية الامريكية الهائلة لم تعد قادرة على إنتاج نظام دولي متماسك،وفي كلا الاحتمالين تتعرض الأسطورة المركزية للهيمنة الأمريكية للاهتزاز؛ تلك الأسطورة التي قامت على فكرة أن الولايات المتحدة، مهما كانت أخطاؤها، تظل الأقدرة على إدارة النظام العالمي.
في المقابل فان المعسكر المناوئ للولايات المتحدة لم يصل الى كونه بديلا فعليا حتى الآن، فلا تزال اليابان وكوريا الجنوبية متمسكتين بتحالفهما مع الولايات المتحدة لوجود الثقة الكاملة بها، اضافة الى غياب البديل القادر على الحلول محل واشنطن، فالصين لا تزل تشكل مصدر قلق وتهديد، كما أن فكرة “الاكتفاء الأمني الإقليمي” لا تزال عاجزة عن تعويض القدرات الأمريكية في مجالات الاستخبارات، والردع النووي، واللوجستيات العسكرية، والتكامل التحالفي.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا يبقون مع الولايات المتحدة؟ بل: إلى متى يمكن أن تستمر هذه العلاقة بالشروط النفسية والسياسية القديمة نفسها؟ لقد قام النظام الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية على خمس فرضيات كبرى وهي: أن الدولار هو مرساة الاقتصاد العالمي، وأن البحار ستظل مفتوحة وآمنة تحت الحماية الأمريكية، وأن الحلفاء سيحصلون على ضمانات أمنية موثوقة،اضافة الى أن النظام الدولي، ممثلاً بـ الأمم المتحدة، يستطيع العمل ضمن بيئة مستقرة تقودها الولايات المتحدة، وأخيرا أن القوة الأمريكية، رغم تناقضاتها وأخطائها، تنتج قدراً من النظام، لكن إذا تحولت أزمة إيران إلى اللحظة التي تصبح فيها هذه الفرضيات موضع تفاوض أو شك، فإن المسألة لن تبقى مجرد أزمة شرق أوسطية، إنها تتحول إلى نقطة انعطاف تاريخية في بنية النظام الدولي ذاته،فحين يفقد الفاعل المركزي في النظام الدولي القدرة على الظهور بمظهر القادر على الإدارة، يبدأ الجميع بإعادة كتابة عقودهم السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وفي تلك اللحظة تحديداً، لا يكون العالم قد دخل فقط مرحلة أزمة عابرة، بل يكون قد بدأ الانتقال التدريجي نحو نظام دولي جديد، لم تتضح ملامحه بالكامل بعد، لكنه يقوم على حقيقة واحدة: تراجع اليقين الأمريكي الذي حكم العالم منذ عام 1945.
#وليد_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟