وليد عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 20:59
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
إنّ العالم المعاصر لا يعيش كما تخيّل بعض فلاسفة الحداثة، لحظة أفول الإله أو انطفاء الحسّ الميتافيزيقي لدى الإنسان، بل يعيش ظاهرة أكثر تركيبًا وأشدّ خطورة على البنية الأخلاقية للحضارة الإنسانية، ظاهرة إعادة إنتاج المقدّس داخل مصانع السلطة، وتحويل الإله من حقيقة متعالية إلى أداة أيديولوجية قابلة للتوظيف السياسي والإعلامي والجيوستراتيجي، فالمشكلة الحقيقية في عصرنا ليست غياب الإيمان، بل تشوّه صورة المقدّس نفسها داخل الوعي الجماعي، فالإنسان الحديث لم يتخلّ عن حاجته الوجودية إلى المعنى، لكنه بدأ يفقد ثقته بالآلهة التي تُصنع داخل الاستوديوهات السياسية وتُسوَّق عبر الإعلام، وتُستخدم لتبرير القوة والعنف والهيمنة.
لقد كان فريدريك نيتشه من أوائل من أدركوا طبيعة هذا الانهيار الرمزي حين أطلق عبارته الشهيرة "لقد مات الإله… ونحن الذين قتلناه" غير أن نيتشه لم يكن يحتفل بإلحاد ساذج، بل كان يشير إلى انهيار المرجعية الأخلاقية والميتافيزيقية التي كانت تمنح الإنسان الأوروبي معنىً وغايةً ونسقًا قيميًا مستقرًا، فـموت الإله عند نيتشه لم يكن موتًا لله كحقيقة ميتافيزيقية، بل موت الصورة الأخلاقية للمقدّس داخل الحضارة الغربية بعد أن تحوّل الدين نفسه إلى أداة سلطوية وأخلاق قطيع فاقدة للروح، ولذلك كان نيتشه يخشى العدمية أكثر مما يحتفل بالتحرر؛ لأنه أدرك أن الإنسان حين يفقد المعنى المتعالي قد يسقط في عبادة أشكال جديدة من القوة، ومن هنا تظهر أهمية مفهومه حول إرادة القوة، فالسلطة الحديثة لا تريد فقط السيطرة على الجغرافيا والاقتصاد، بل تسعى إلى احتكار تعريف الحقيقة ذاتها؛ إنها لا تحكم الناس بالقوة المادية فقط، بل بإعادة تشكيل وعيهم الأخلاقي والديني، ولذلك تعيد إنتاج صورة الله بما يخدم مصالحها، حتى يصبح المقدّس انعكاسًا لإرادة القوة لا نقيضًا لها، وهكذا بدل أن يكون الإله معيارًا أخلاقيًا يُحاسب الإمبراطوريات، يتحول إلى غطاء رمزي يمنحها الشرعية ويبرر توسعها وعنفها.
وهنا تكمن المفارقة المركزية للحضارة الحديثة فالحداثة التي وعدت بتحرير الإنسان من الأساطير القديمة أعادت إنتاج الأسطورة داخل الدولة القومية والرأسمالية والإعلام الجماهيري، فبعد موت الإله لم يختفِ المقدّس، بل جرى نقله من السماء إلى الأرض، تحوّلت الأمة إلى كيان مقدس، والسوق إلى قدر تاريخي، والدولة إلى بنية شبه لاهوتية تطالب بالولاء المطلق، ويمكن فهم الكوارث الكبرى في القرن العشرين بوصفها نتائج لتحول الأيديولوجيات السياسية إلى بدائل دينية مغلقة؛ فالنازية لم تكن مجرد مشروع سياسي، بل بنية خلاصية قائمة على أسطورة العرق المختار التي استخدمت الأساطير الجرمانية والرموز الوثنية لتأليه الأمة والقوة، وكذلك الستالينية التي رغم عدائها المعلن للدين أنشأت دينًا سياسيًا جديدً، يتمحور حول الزعيم المعصوم والحزب الذي يمتلك الحقيقة التاريخية المطلقة.
وفي هذا السياق يصبح تحليل كارل ماركس أكثر عمقًا من القراءة السطحية لعبارته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" فماركس وصف الدين أيضًا بأنه قلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح؛ أي أن الدين يمثل استجابة إنسانية لمعاناة حقيقية ولدتها بنية اجتماعية قاسية وغير عادلة، لكن المأساة تبدأ حين تتحول هذه الحاجة الروحية إلى أداة بيد السلطة؛ فالأنظمة تنتج المعاناة، ثم تحتكر تفسيرها دينيًا، ثم تطلب من الضحايا الطاعة باسم الإرادة الإلهية.، لهذا فإنّ السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر الجيوش والسجون، بل عبر إنتاج الحقيقة نفسها، وهنا تبرز مركزية مشروع ميشيل فوكو، فقد نقل فوكو فهم السلطة من مفهوم القمع المباشر إلى مفهوم أكثر تعقيدًا، وهي سلطة تشكيل الوعي والخطاب والمعرفة، ولذلك قال إن الحقيقة ليست خارج السلطة، بمعنى أن ما يبدو حقيقةً موضوعية غالبًا ما يُنتَج داخل شبكات القوة والمؤسسات والخطابات المهيمنة فتصبح السلطة قادرة على إعادة تعريف الخير والشر، والمقدّس والمدنس، والوطني والخائن، فالأنظمة الحديثة لا تفرض الطاعة فقط، بل تعيد هندسة اللغة الأخلاقية ذاتها بحيث يبدو الانحياز للقوة شكلًا من أشكال التقوى، ويبدو الاعتراض الأخلاقي نوعًا من الانحراف أو الخيانة.
وهذا ما يفسر كيف تتحول الحروب الحديثة إلى طقوس أخلاقية ضخمة، فالدول الكبرى لم تعد تبرر تدخلاتها العسكرية بمنطق المصالح المجردة، بل تغلفها بلغة خلاصية مثل: نشر الديمقراطية، حماية الحضارة، الدفاع عن الحرية، وإنقاذ العالم من الشر، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك فكرة وعقيدة " القدر المتجلي" في التاريخ الأمريكي، التي صورت التوسع غربًا بوصفه مهمة إلهية، وكذلك غزو العراق عام 2003 الذي جرى تسويقه بوصفه حربًا أخلاقية لتحرير العالم من الشر، كما تتجلى في هذا السياق فكرة والتر بنيامين حول تديين السياسة، فالفاشية بحسب بنيامين، لم تكتفِ بتسييس الدين، بل حولت السياسة نفسها إلى دين جديد؛ متمثل في الدولة، الزعيم، الأمة، والحرب، كلها أصبحت موضوعات مقدسة تحيط بها هالة تمنع مساءلتها أخلاقيًا.
إنّ أخطر ما تفعله الإمبراطوريات الحديثة ليس احتلال الأرض فقط، بل احتلال المخيلة الأخلاقية للإنسان، فهي تدرك أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر احتكار الرموز والمعاني والسرديات الكبرى، ولذلك لم يعد المقدّس يُستدعى لمحاسبة القوة، بل لتجميلها أخلاقيًا، وفي عصر الإعلام الجماهيري تصبح هذه العملية أكثر تعقيدًا، وهنا تظهر أهمية تحليل جان بودريار الذي رأى أننا نعيش في عصر المحاكاة، حيث لم تعد الصورة تمثل الواقع، بل أصبحت تحلّ محلّه وتصنعه، لقد دخل العالم مرحلة النسخ التي حلت محل الحقيقة، وبهذا المعنى فإن الإله السياسي المعاصر ليس إنكارًا مباشرًا لله، بل نسخة إعلامية تحلّ محل المقدّس الحقيقي حتى يختلط الرمز بالحقيقة والدعاية بالعقيدة، والسياسة بالخلاص الروحي لهذا اكتسبت عبارة جاك فريسكو، "أنا لا أؤمن بأي إله سمعت عنه "معناها الفلسفي العميق، فالجملة ليست برهانًا منطقيًا على الإلحاد، بل احتجاج أخلاقي على الصور المشوّهة للمقدّس التي يجري تسويقها باسم الله، وكذلك مساهمة سلافوي جيجك الذي يرى أن أخطر الأيديولوجيات ليست تلك التي تعلن نفسها صراحة، بل تلك التي تبدو طبيعية وأخلاقية وإنسانية، فالإنسان الحديث يظن غالبًا أنه تحرر من الأوهام الأيديولوجية، بينما هو يعيش داخل منظومات رمزية أكثر قدرة على التخفي، فالحروب المعاصرة لا تُقدَّم باعتبارها حروب مصالح، بل باعتبارها واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا.
أما مارتن هايدغر فقد رأى أن الحداثة التقنية اختزلت العالم كله إلى مخزون قابل للاستعمال، فالإنسان الحديث لم يعد ينظر إلى الأشياء باعتبارها كيانات تحمل معنى وجوديًا، بل باعتبارها موارد قابلة للتوظيف والاستثمار مثل الطبيعة، الإنسان، المعرفة، وحتى المقدّس نفسه، تحولت إلى أدوات داخل منظومة المنفعة، ولعلّ هذا ما يفسر ما تحدث عنه هربرت ماركوز حين وصف الإنسان المعاصر بأنه "إنسان ذو بعد واحد" فالرأسمالية الحديثة لا تنتج فقط أنماطًا اقتصادية، بل تنتج وعيًا استهلاكيًا فاقدًا للقدرة النقدية، مندمجًا نفسيًا مع السلطة ومنظوماتها الرمزية.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم أهمية مشروع جاك دريدا في تفكيك الخطابات المطلقة، فدريدا كشف كيف أن اللغة ليست بريئة أو شفافة، بل تحمل داخلها هياكل الهيمنة والإقصاء ؛ حيث إنّ السلطة لا تحكم فقط عبر المؤسسات، بل عبر الكلمات ذاتها؛ عبر تعريف ما هو "عقلاني"، وما هو "متطرف"، وما هو "مقدّس"، وما هو "مدنس" ، لكن يبقى السؤال الأعمق لماذا ينجذب البشر أصلًا إلى هذه الآلهة السياسية؟ هنا يقدم إريك فروم تفسيرًا بالغ الأهمية حين تحدث عن "الهروب من الحرية"، فالإنسان بحسب فروم لا يحتمل دائمًا عبء الحرية والقلق الوجودي، ولذلك يبحث عن سلطات مطلقة تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء والمعنى.
وهكذا تتكشف الأزمة الحقيقية للحضارة الحديثة: الحداثة لم تُلغِ المقدّس، بل أعادت إنتاجه داخل الدولة والإعلام والرأسمالية والأيديولوجيا. لقد خرج الإله من المعبد ليدخل الاستوديو، ومن المجال الروحي إلى المجال الجيوسياسي. ولذلك فإن الصراع الحقيقي في عصرنا ليس بين الإيمان والإلحاد، بل بين شكلين من المقدّس: مقدّس أخلاقي يسعى إلى العدالة والكرامة الإنسانية، ومقدّس سياسي يُستخدم لتبرير الهيمنة والعنف وإعادة إنتاج السيطرة.
وأخيرا إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حضارة ليس أن يفقد الناس إيمانهم، بل أن يصبح المقدّس نفسه فاقدًا للمصداقية الأخلاقية، فعندما تتحدث السماء بلغة الطائرات الحربية والأسواق المالية والدعاية السياسية، يصبح الشك ـ عند كثير من البشر ـ ليس تمرّدًا على الحقيقة، بل محاولة أخيرة للحفاظ على الكرامة العقلية والأخلاقية للإنسان، ولذلك فإن السؤال المركزي في القرن الحادي والعشرين لم يعد: "هل ما زال الإنسان يؤمن بالله؟» بل: «أيّ إله يُطلب من الإنسان أن يؤمن به؟"، هل هو إله العدالة والرحمة والحرية والكرامة الإنسانية؟ أم إله القوة والهيمنة والعنف المقدّس؟ ذلك هو الصراع الفلسفي الأعظم في عصرنا، ليس صراع بين الدين والحداثة، بل الصراع بين المقدّس بوصفه أفقًا للتحرر الأخلاقي، والمقدّس بوصفه جهازًا لإعادة إنتاج الإمبراطورية.
#وليد_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟