أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فوزي مهنا - الحاكم الفيلسوف الذي تحتاجه سورية المريضة اليوم















المزيد.....

الحاكم الفيلسوف الذي تحتاجه سورية المريضة اليوم


فوزي مهنا

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 04:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حينما سُئِل العقيد في الجيش الفرنسي "جاك هوغار" عن تفسير الصمود الإيراني بمواجهة الأميركيين والإسرائيليين معاً، أجاب أن: "الإيرانيون ليسوا مجرد بدو سطحيين جاؤوا من الصحراء، بل هم فرس وراءهم حضارة عريقة (ثقافة، وسعة اطلاع، ومعارف علمية) ثم أضاف شاهدنا علي لاريجاني مثلاً متخصص في الرياضيات وعلوم الحاسوب، ثم دكتوراه في الفلسفة الغربية، وله ثلاثة كتب، عن إيمانويل وكانت وغيره..".
هذا الحاكم الفيلسوف هو ما تحتاجه سورية المريضة اليوم، لأن الفيلسوف هو من ذوي "الأرواح الحرّة"، التي تعشق الحكمة وحب المعرفة والذكاء والثقة ببني البشر، وفقاً لنيتشة" بل لأنه "ينظر إلى الغد وبعد الغد"، بذلك هو من الذين "يولدون بعد الممات"، باعتباره لا يكتب لمعاصريه فقط، بل لجيل سوف يأتي، وبالتالي هو الشخص الوحيد الذي يمكنه الوصول بالشعب إلى بر الأمان، وفقاً لأفلاطون، والذي يؤكد على أن حكم الفلاسفة هو أفضل أنواع الحكم، بقوله: "يجب على الربان الحقيقي الانتباه بالضرورة إلى الفصول والسماء والنجوم والرياح وكل ما يتعلق بالمركبة، إذا كان حقا سوف يحكم السفينة".
ولاكتمال شخصية هذا الحاكم الفيلسوف، يرى أفلاطون أنه يجب أن يتم إعداده وتربيته بعناية خاصة، وتعليمه سماع الموسيقى، باعتبارها تُنّمي في نفسه الاحساس بالجمال، وتميل به للهدوء بعيداً عن العنف والتهوّر، ليس ذلك فحسب، بل يجب أن يُحفظ بعيداً عن العامة حتى لا يتخلّق بأخلاقهم..".
كلٌ ابن بيئته، مهما علا شأنه سيبقى رهن هذه البيئة التي نشأ عليها وترعرع، بذلك فإن الحاكم هو نتاج ما قرأ وما عايش، يقودنا ذلك للقول أن السلطة والسياسة لا تُمارس من فراغ، إنما يتم صياغتها داخل الأسرة وغرف القراءة، وأروقة الجامعات، والمؤثرات البصرية والنفسية الأولى، التي تُشكل شخصية هذا القائد، فمصطفى كمال أتاتورك، على سبيل المثال، لم يستطع بناء تركيا الحديثة، لولا تأثره بفكر التنوير الغربي، ونماذج التحديث الأوروبية، أما "لي كوان يو" فحينما عاد من دراسته في بريطانيا وبدأ ببناء سنغافورة من الصفر، نقل إليها "روح كيمبردج" التي درس فيها، وأخذ يُطبق معايير الإدارة، بالكفاءة والتعليم المتميز، وسيادة القانون، لذلك كان الاستثمار في الانسان أولى أولوياته، وهو ما حوّل سنغافورة من دول العالم الثالث إلى العالم الأول.
كذلك كان حال باني ماليزيا "مهاتير محمد"، والذي تأثر بالنموذج الياباني والكوري الجنوبي في تبني قيم الانضباط والعمل، أما "المهاتما غاندي"، فكان لدراسته القانون في لندن، الأثر العميق في تأثره بالثقافة الغربية، مما ساهم في صقل فكره وشخصيته وعززت لديه قيم المساواة والتسامح، وهو ما شكّل لديه فلسفة اللاعنف، تحوّل غاندي من خلالها لزعيم وطني، بذلك فإن بريطانيا لم تلهمه تبني أسلوبها الحضاري، بل أعطته الأدوات الفكرية والقانونية للنهوض بشعبه، وتحريره من استعمارها.
من جهته الملك ""حسين تعلّم الانضباط وروح التسامح خلال تواجده في كلية "ساند هيرست" العسكرية في بريطانيا، صقلت فيه مفهوم "الدولة المؤسساتية" في ظل محيط متلاطم، من التقاليد القبلية البدوية والعشائرية، استطاع من خلالها الحفاظ على استقرار الأردن على مر العقود، كان الملك حسين يذهب بنفسه إلى السجون لُيِّحرر معارضيه من ظلامها الدامس.
أما أحمد الشرع وفريقه الجهادي؟ فبمن تأثروا؟ في تصديه للبابا وصكوك الغفران التي كانت تقوم ببيعها الكنيسة الكاثوليكية، مقابل الخلاص، تأثر مارتن لوثر بمجموعة من المصادر الفكرية، اللاهوتية، والشخصيات التاريخية التي ساهمت في تشكيل رؤيته الإصلاحية، خصوصاً رسائل القديس بولس، المتضمنة أن "الخلاص يكون بالإيمان وحده، لا بتلك الصكوك".
من جهته "معاوية بن أبي سفيان" كان للنموذج الإداري البيزنطي في بلاد الشام، وخبرات الروم في التنظيم المالي والإداري، بالإضافة إلى تعزيز سياسة التسامح الديني واستخدام "أهل الذمة" في مناصب الدولة، الأثر الأساس، في بناء الدولة الأموية التي أقامها، ومثله الخليفة العباسي "المأمون" في بناء الدولة العباسية، الذي تأثر بشدة بآراء المعتزلة، في الدعوة لإعمال العقل في فهم النصوص الدينية، كذلك كان الحال مع "عبد الرحمن الداخل" (صقر قريش) الذي قرّ من بطش العباسيين، عبر الصحراء من المشرق الى المغرب، تأثره بنموذج الشام الحضاري، في بناء دولته الأموية في الأندلس، لتستمر قرابة 400 عام.
أما ستالين الذي اعتبر أن من يؤلفون الكتب هم بمثابة مهندسين للروح البشرية، فكان «دودة قراءة»، وفقاً لجيفري روبرتس" مؤلف كتاب "مكتبة ستالين" كانت الكتب تتناثر من حوله في كل مكان، حتى قُدّرت مكتبته بنحو 25 ألف كتاب.
بدورهم بعض القلة القليلة من الحكام العرب كانت لهم علاقة وطيدة مع الكتاب، فالحاكم بأمر الله، الذي تمزج المصادر التاريخية صورته كحاكم مثير للجدل، وبين شغفه بالعلم والمعرفة، لم يكن مجرد قارئ، بل كان مؤسساً لصروح العلم، لذلك قام بتأسيس "دار الحكمة"(أو دار العلم) في القاهرة عام 395هـ فاقت في تجهيزاتها مكتبات عصره، بعد أن أغدق عليها الأموال وجعلها مفتوحة للعامة والخاصة، وزودها بآلاف المجلدات في شتى العلوم، ليس ذلك فحسب إذ تذكر المراجع أن الحاكم كان يخصص أوقاتاً للقراءة والمطالعة في هذه الدار، وكان يمتلك فيها "دكة" سميت باسمه يرتادها للمطالعة والاطلاع على أمهات الكتب، كما عرف عنه تقديره الشديد للعلماء والفلاسفة، وقصة ابن الهيثم مشهورة في كتب التاريخ، فحينما قدم ابن الهيثم إلى حدود مصر، خرج الحاكم لاستقباله بنفسه في الصحراء تعظيماً لمكانته العلمية
أما الوزير "الصاحب بن عباد"، فكان يصطحب في أسفاره حِمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب، يروى أن (أمير بخارى) أرسل يطلبه للوزارة، فما كان من ابن عباد إلا الاعتذار، بـقوله أنّ لي كتباً تحتاج إلى أربعمائة جمل لنقلها"، بدوره الملك عبد العزيز آل سعود، يروي عنه أمين الريحاني أنه كان يعتمد في المطالعة اليومية على شخص اسمه العجيري ليقرأ له كتب الأدب.
والسؤال هنا، ماذا لو سؤل ذلك العقيد الفرنسي، عن الحضارة السورية التي يقودها الرئيس المؤقت أحمد الشرع اليوم؟، ماذا بوسعه القول!؟ عن التخصُّص الذي يحمله؟ أو الجامعات والأكاديميات التي تتلمذ هو وفريقه الجهادي على مقاعدها؟ أو نوع العلم الذي جاهدوا لأجل إعلاء كلمته؟ سوى أكاديميات القاعدة وداعش وجبهة النصرة؟ من سجن بوكا في العراق (2003 - 2011) إلى جبال طورا بورا في أفغانستان، إلى تنظيم القاعدة، تحت إمرة أبو مصعب الزرقاوي إلى معسكراتهم في إدلب.
بالقطع لم يتلقَّ هؤلاء الجهاديون في هذه المسيرة الحافلة بالتكفير والقتل والترويع، تدريباً على إدارة التعددية أو صياغة الدساتير، بل تشكّل وعيهم في بيئات استثنائية مليئة بالتطرف والغلو، تلك التي تحدث عنها كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر ناجي، والذي يعتمد على فكرة أساسية، هي هدم المجتمعات لإعادة بنائها على الخوف، وأن السيطرة لا تتم إلا عن طريق "الصدمة والترويع"، بل الصراع على السبي والغنيمة، تلك التي تحدّث عنها عبد الرحيم عطون، مفتي جبهة النصرة ومستشار الرئيس الشرع اليوم، بكتابه: "الغنائم وأحكامها.. وتطبيقاتها في الجهاد المعاصر"، الصادر عن مؤسسة البصيرة، 2016.
صحيح أن أبو محمد الجولاني لم يُقاتل في أفغانستان، إلا أن مستشاريه، بدءاً من أحمد زيدان إلى عطّون، ثم "المهاجرين" الذين يحيطون به (مثل قادة الحزب الإسلامي التركستاني وحراس الدين، وأبو عمشة وأبو حمزة الأسترالي )، نقلوا معهم تجربة "المجتمعات المغلقة" و"فقه الحروب الجبلية" وطبيعة تلك البيئات الدموية التي لا تؤمن بالتعددية ولا بالحدود الوطنية، ولا بحضارة الإنسان.
لذلك من الطبيعي جداً أن تتفتّق عبقرية هؤلاء لبناء أكبر جامع، بدلاً من أكبر جامعة، وبدلاً من كون الجامعة منبر للبحث العلمي، من شأنه تحرير المرأة من ربقة الاستعباد، أخذوا يُلقون بمحاضرات الوعظ التي تُحذِّر من أضرار العلمانية عليها، وتحويل دار الأوبرا من صرح ثقافي وفني إلى منبرٍ للصلاة، وبدلاً من تشكيل الأحزاب، حوّلوا البلاد لطوائف وفزعات عشائر وفصائل جهاد، قادمة من قاع الأزمنة والأيديولوجيات، وبدلاً من إحداث مراكز توزيع الخبز على السوريين الذين تبلغ نسبة الفقر بينهم أكثر من 90٪ بما يحفظ كرامة الإنسان، أخذوا يُفرِّخون مراكز حفظ القرآن!.



#فوزي_مهنا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا الاستكانة في بنية النخب الشامية
- كيف تصنع الدكاكين الدمشقية الآلهة وتُحصِّنها؟
- بين المظلومية اليهودية والمظلومية السنية السورية.. وخيانة ال ...
- من حسني الزعيم.. المجرم عديم الضمير.. إلى أحمد الشرع.. ماذا ...
- شعب يستقبل الحاكم بالورود، ثم يودعه بالأحذية
- سورية.. شعب لديه قابلية للاستعباد!!
- الأكثرية السورية.. جوع السلطة!! وخراب البلاد
- سورية.. قتلتها السلطة!
- دور الاسلام المتطرف في تبييض صورة اسرائيل السوداء


المزيد.....




- كييف تحت النار.. هجوم روسي واسع يهز العاصمة
- إطلاق نار قرب البيت الأبيض ينتهي بمقتل المهاجم
- إطلاق نار قرب البيت الأبيض وإصابة شخصين في مواجهة مع عناصر ا ...
- عاجل: إطلاق نار قرب البيت الأبيض
- استنفار أمني بعد إطلاق نار قرب البيت الأبيض
- حروب أمريكا والدرس المرعب الذي وعته كوريا الشمالية مبكرا
- قلق إسرائيلي من اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران
- تونس تدخل المنطقة الرماديّة والحلّ في وضوح الطريق للشعب
- استنفار أمني يطوق البيت الأبيض بعد إطلاق نار
- جدعون ليفي: اتفاق إيران وأمريكا فشل شخصي لنتنياهو


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فوزي مهنا - الحاكم الفيلسوف الذي تحتاجه سورية المريضة اليوم