فوزي مهنا
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 06:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بين صرخة نزار قباني الدمشقية التي تعترف بصناعة الآلهة، وتشخيص صادق جلال العظم لمتلازمة "الصلاة خلف من غَلَب"، إلى دعوة الرئيس المؤقت أحمد الشرع الطائفية "أطيعوني" هنا يبرز السؤال الوجودي: هل سقطت الحواضر السورية في فخ "صناعة الآلهة"؟ والصلاة خلف من غَلَب مرةً أخرى؟ حفاظاً على دكاكينها؟.
يقول عاشق الشام نزار قباني: "نحنُ الذين جعلنا من الحاكم إلهاً، ونحن الذين نقطع ألسنتنا قبل أن يقطعها هو"، أما العظم، فيقول في النخب المدنية الدمشقية: إنهم "يُصلون خلف من غَلَب، وأن صمتهم حيال الفظائع، مثل أحداث حماة 1982 أو تفرّد الأسد بالسلطة، كان بدافع الخوف على الدكاكين والمصالح".(1)
اليوم يتكرر نفس السيناريو الشامي التقليدي، "صناعة الآلهة والصلاة خلف السلاح المُتغلِّب"، هذا بالواقع ما تعبر عنه من جديد، النخب السنية المعتدلة في صمتها المطبق، حيال ما تقوم به السلطة السورية بقيادة الشرع وفصائله الجهادية، في هيئة تحرير الشام، من محاولات تطييف المجتمع السوري وأفغنته، وبالتالي فإن هذا الصمت ليس مجرد خوف عابر، إنما هو استراتيجية شامية تاريخية، آثرت "الدُكّان" على الدولة، والمصلحة على المبدأ، مما جعل من الاعتدال الشامي مجرد جسر مُحطّم، بين إيمان مُختطف ومواطنةٍ مُشوّهة.
بذلك ليست الأقليات وحدها من تصرخ على مستقبلها ومستقبل سورية اليوم، بل إن الإسلام السني السوري المعتدل، أي النخب في المدن الرئيسية الكبرى، في كل من (دمشق وحلب وحمص وحماه..)، التي لا تُتقن لغة التكفير والعنف، ولا منطق السلاح والقتل والتخوين، هي التي تَختّنَقُ، بعد أن ضاق بها المجال، لذلك تلوذ بصمتها، تحت وطأة تغوّل الفكر السلفي الجهادي، الذي بات يلتهم المجالين الخاص والعام، ويعمل على تحويل الدين، من ضمير وطني جامع، إلى أدوات صراع متفجِّرة.
فكر يتدثّر بعباءة الجهاد، وسلطة فصائلية هجينة، استجلبت شتاتها من جميع أصقاع الأرض، لتبني كياناً راديكالياً يتلفّع بعباءة "الجهاد" ويحتمي بقدسية الشعار، سلطة طوباوية المنزع، برغماتية الغاية، حوّلت الدين من جوهره الأخلاقي والإنساني إلى مجرد "أداة حكم" باطشة، تفرض رؤيتها القسرية على نسيج المجتمع الشامي المتنوع، وتستغل منافع السلطة ومقدّراتها، تحت غطاء من التشدد الفكري الذي يخدم بقاء الجماعة، لا رفاهية الإنسان.
لذا فإن أخطر ما تمرّ به سورية اليوم، ليس صعود هذا التطرف وحده، إنما في تجفيف المجال الذي كان بإمكانه إنقاذ سورية، مما هي فيه من ضياع، على اعتبار أن الإسلام السني الشامي المعتدل، هو الجسر الذي يصل بين الدين والدولة، بين الإيمان والمواطنة، بحيث يمكن القول "إن الأزمة الراهنة التي يشهدها الإسلام في سورية اليوم، ليست أزمة نص، بل أزمة تأويل قتالية، استطاعت فيها الأطراف المتشدّدة، تحويل الدين من فضاء للعيش المشترك، إلى خندق للمواجهة الشاملة مع العالم ومع الذات السنية نفسها".(2)
وعليه فإن ما يجري على الساحة السورية اليوم، من تدوير الفصائل الجهادية المتطرفة، بقيادة الشرع، على أنها دولة ومؤسسات، ومنحها صكوكاً شرعية أمريكية صهيونية، وفرضها على المجتمع الدولي، تنفيذا لمخططات إسرائيل الكبرى، ليس صراعاً بين الإيمان والكفر، إنما هو بالواقع عملية إسكات ممنهجة، من شأنها تجريف العقل السوري المُتمدِّن، خصوصاً العقل السني المعتدل، الذي آمن بالدولة، لا بالغنيمة، وبالفقه الإنساني لا بفقه الدم، لذلك فإن سلطة المشايخ المتطرفة اليوم، لا تستهدف الأقليات، فقط لأنها مختلفة عنها في كل شيء، إنما تعمل على خنق ذلك الصوت السني المعتدل، بصفته التهديد الأعمق لمشروع الدولة الدينية الراديكالية، التي تعمل مع قوى الخارج على تكريسها.
والحقيقة فإن الشرع، لم ينجح في اختراق جميع المنظمات الجهادية في بلاد الشام، خصوصاً القاعدة وداعش، من خلال الخيوط الاستخباراتية التي نُسِجَت من حوله، بإضعافها وتفكيكها لمصلحته، بما يحقق المصلحة الغربية فحسب، بل نجح في ضرب تلك الفصائل بعضها ببعض، واستهداف رؤوسها، بمساعدة (الدرون) الأمريكية، ليقوم بعدها بجمع ما تبقى منها تحت سلطته، عندها بدأ باستراتيجية استهداف المرجعيات الدينية الشامية وإقصائها والتضييق عليها، تماماً كما فعل بحق المجلس الإسلامي السوري، والذي يُعد المرجعية الأكبر للسنة السوريين في المنفى والداخل، حين "قام بمنعه من ممارسة أي دور في مناطق سيطرته، وتصويره كمرجعية خارجية، بينما الهدف الحقيقي من ذلك هو منع وجود أي سلطة دينية مستقلة يمكن لها منافسة سلطته".(3)
بالمقابل كانت تلك النخب والتي يمثلها المجلس المذكور، وغيره "تكتب خطابها من الفنادق والمنافي، في حين كان السلاح المتشدِّد الذي يقوده الجولاني يفرض وقائعه على الأرض، في الخنادق والمساجد". (4) وبينما جاء (الشرع) بموجب طبخة استخباراتية غربية، بصحبة مشايخه ووعّاضه (الواحد والأربعون) بعقلية راديكالية متطرفة، غريبة كلياً عن الثقافة الشامية، دون أن يستأذن هذه النخبة، ودون أن يُشركها في السلطة، رغم كل ذلك هلّلّت به وصمتت، بل اختارت المهادنة، لتتخلى، كما هي العادة عن دورها القيادي والوطني، مقابل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الصغيرة ومكانتها الاجتماعية الضيقة، تماماً كما فعلت إبان "النظام العسكري البعثي، ثم الأسدي، بالسماح بالاستفراد بالدولة، مما حولها إلى مزرعة أمنية".(5)
مثلما تلوذ بصمتها اليوم، جرّاء ما تقوم به السلطة من عملية تديين الدولة والمجتمع، أو لجهة التعيينات الحكومية الهزيلة، المبنية على المحسوبيات والمنفعة، تماماً مثلما صمتت إزاء ما ارتكبته فصائلها في كل من الساحل والسويداء، من مذابح وحرق وتهجير بحق المواطنين الآمنين، تحت راية "الله وأكبر" رغم العطوب الكبيرة التي لحقت بالإسلام وبالمسلمين، وبالوطن السوري معاً، في تخلٍ وعجزٍ فاضح عن القيام بمسؤولياتها الدينية والوطنية والأخلاقية، وهذا ما يثبت حقيقة قول أدونيس "أن الاعتدال السني التقليدي يَجد صعوبة في إدانة التطرّف، بل هو عاجز عن مواجهته، لأنهما يشتركان في "تقديس الماضي، وأن كلاهما يغرف من ذات الذاكرة النصّية، دون أية مراجعة نقدية تاريخية، وإن أتت هذه الإدانة فستكون بحقيقتها سياسية سطحية، بينما يظل الجوهر الفكري للمتطرفين غير ممسوس".(6)
وعليه فإن هذا الوعاء الديني الفكري المشترك، الذي ينهل منه كل من الفريقين، هو بالواقع السبب الجوهري في انتصار خطاب التطرف في الشام، فمن جهتهم المتطرفون يستندون إلى غلبة السلاح "من يحرر يقرر" وتواطؤ استخباراتي دولي، متخذين من "تاريخية الحروب" والنصوص الفقهية على أنها مقدسة عابرة للزمان" بينما المعتدلون يفشلون في الرد، لأنهم لا يملكون الجرأة على قول: "هذا النص كان مرتبطاً بسياق تاريخي وانتهى، وبالتالي مثل هذا العجز هو من يغذي الوصم العالمي للإسلام بالعنف".(7) .
نخلص للقول: أن أخطر ما تعاني منه سورية اليوم، هو أنها تفقد "صمام أمانها" التاريخي، المتمثل بالإسلام الشامي المعتدل، باعتباره الجسر الذي يصل بين كافة المكونات السورية وبين الوطن، وبالتالي فإن تحطيم هذا الشريان الأساس، عبر الصمت الذي تلوذ به هذه النخبة اليوم، مقابل تغوُّل السلفية الجهادية في سعيها لتطييف الدولة والمجتمع، من شأنه إخراج سورية من فضاء "الوطن المشترك" إلى فضاء "الخنادق المتقابلة"، عندها يتحول هذا الاعتدال إلى مجرد "جثة سياسية" ستعبر من خلاله كل المشاريع الخارجية والإقليمية.
الهوامش والمصادر:
(1) د. صادق جلال العظم، سوريا والكمّاشة" (Syria and the Nutcracker) دراسة كتبها الراحل في أكتوبر (تشرين الأول) 1982، ونُشرت أولاً باللغة الإنجليزية في مجلة Mainstream الهندية، ثم تُرجمت للعربية ونُشرت في كتاب ذهنية التحريم، طبعة دار المدى (دمشق/بيروت، 1997، ص254.
(2) د. رضوان السيد، "سياسات الإسلام المعاصر"، دار الكتاب العربي، بيروت، 2015، ص12.
(3) حمزة المصطفى، "تحولات الحركات الجهادية في الثورة السورية"، 2021، ص245.
(4) د. عزام التميمي، "سوريا: لغز الثورة والجهاد"، دار الحكمة، لندن، 2018، ص302.
(5) د. برهان غليون، المأساة السورية: قصة معاناة شعب وموت دولة، (ص 112-115).
(6) أدونيس (علي أحمد سعيد)، "الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب"، دار الساقي، بيروت، ط9، 2006، المجلد الرابع، ص208، 210.
(7) فراس السواح، "دين الإنسان"، دار علاء الدين، دمشق، ط4، 2002، ص290.
#فوزي_مهنا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟