فوزي مهنا
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 07:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المشكلة التاريخية الأساسية، التي تعاني منها الأكثرية في الشام، هي أنها وقفت تاريخياً ودائماً، منذ ما قبل عهد المماليك إلى العثمانيين وحتى اليوم، مع أي حاكم قادم، بغض النظر عن جنسيته، أو إمكانياته، أو خلفيته، المهم أنه ادعى الإسلام، أو امتلك القوة، إلى درجة أنهم بايعوا أيام المماليك، رجلاً كان ينقل التراب على حمار، لمجرد أنه ملك السطوة في لحظة من الفوضى، أو مثلما فعل بهم الجاسوس الإسرائيلي "إيلي كوهين" حينما اخترق كبار النخبة العسكرية والمدنية الحاكمة.
بدوره جاء حافظ أسد من أقصى اليسار، سرعان ما باتوا على يساره، لتتجاوز نسبتهم في قيادة حزب البعث كـ (قائد للدولة والمجتمع) وفقاً لحنا بطاطو، نحو 68%، دون أن يكون لهم في إدارة البلاد، أي أثر يُذكر، في حين جاء الرئيس المؤقت أحمد الشرع وحاشيته الجهادية، من أقصى اليمين المتطرف، بموجب طبخة استخباراتية غربية، دون أن يُشركهم في الحكم، رغم كل ذلك هلّلوا به، لا بل باتت أصوات بعضهم على يمينه.. وهكذا!.
لذلك لم يبالغ عبدالله القصيمي، صاحب "العرب ظاهرة صوتية" بقوله: أنهم "يرفعون شعارات الاعتدال لكن عقولهم محكومة بـإرادة القمع، وأن التطرف هو الوجه الصادق للثقافة العربية، بينما الاعتدال هو القناع الذي نرتديه أمام العالم للاستمرار في العيش"، وهو ما يؤكد عليه جورج طرابيشي بأن "التطرف هو انتصار لثقافة الموت على ثقافة الحياة"، وأن "الاعتدال السني المؤسساتي ضعيف، لأنه يخشى مواجهة النصوص التي يستغلها المتطرفون، مما يجعله شريكاً صامتاً في إنتاج البيئة الحاضنة للتشدد"، وهذا ما يعترف به صادق جلال العظم بقوله: "إن اعتذارية المفكرين المعتدلين أمام التطرف هي التي منحت الإرهابيين الشرعية الأخلاقية، باسم الدفاع عن بيضة الدين، مما أدى إلى تشويه صورة الإسلام عالمياً وجعله يبدو كدين ضد التاريخ".
وهو بالواقع ما عبّر عنه صراحةً أيضاً رضوان السيد بالقول: "إن المعركة ليست بين الإسلام والغرب، بل هي معركة المسلمين مع أنفسهم؛ من أجل استعادة دينهم من براثن التسييس القاتل والجمود القاتل على حد سواء"، أما هاشم صالح فيرى أن الاعتدال السني يعيش حالة "تنوير كاذب"؛ لأنه يرفض نقد "المقدس التاريخي" مؤكداً على أن "التطرف هو الحقيقة العارية لهذا الانسداد، وما الاعتدال سوى محاولة لتغطية الثقوب في ثوب بالٍ".
هذا العجز عن عدم قيام النخبة السنية السورية المعتدلة بوقفة شجاعة وقوية، بمواجهة ما قامت به الفصائل الجهادية الحاكمة، السنة الماضية، من إرهاب ومجازر وعنف دموي في كل من الساحل وصحنايا والسويداء، ذهب ضحيتها آلاف السوريين، كل ذلك تحت راية الإسلام، هو بالواقع ما نبّه من تداعياته الخطيرة رضوان زيادة، بقوله: "إن التأخر في الإدانة الصريحة والواضحة لعمليات الإرهاب باسم الدين، جعل المجتمع الدولي يُشكِّك في مصداقية الاعتدال السني، ويصوره كأنه حليف صامت أو عاجز فكرياً عن تفكيك أطروحات المتطرفين".
وهو ما يؤكد على أهميته أيضاً الدكتور محمد عمارة، محذِّراً من النتائج الكارثية التي ستواجه هذه الأمة بحال بقيت على صمتها، بمواجهة هذا الوحش القادم، بقوله: "إن إنقاذ الاعتدال السني يتطلب شجاعة في نقد التراث الذي استغله المتطرفون، وإعادة إرساء قواعد (فقه المقاصد) الذي غيبّوه لصالح (فقه الدماء)، وإلا فإننا سنواجه تفتتاً لا قيام للأمة بعده".
بناءً على هذا الصمت المطبق، حيال ما قامت به هذه الفصائل، ومع تواطؤ بعض الاعلام العربي، إلى جانب الاحتضان الأمريكي، هو بالواقع ما يُعجّل في تأميم الحقل الديني في سورية، ومحاصرة خطاب الاعتدال وخنقه أكثر فأكثر، ليحل محله الخطاب الراديكالي المتطرف، بإشراف عدد كبير من المشايخ الشرعيين، الذين يتبنون أيديولوجيا حركية نفعية، وفرض رؤيتهم بقوة السلاح، خصوصاً في ظل ما تقوم به مساجد اليوم، إضافةً لمراكز تحفيظ القرآن، من تخريج آلاف الأطفال وعسكرتهم عقائدياً، ليتحول هؤلاء الأطفال إلى قنابل موقوتة.
بذلك يمكن القول إن "حصار الإسلام الشامي المعتدل، من قبل الشرع والفصائل الجهادية التابعة له، لم يكن جسدياً من خلال التخويف والتخوين والملاحقات فحسب، بل كان حصاراً رمزياً أيضاً، عبر تحقير المرجعيات الشامية القديمة ووصفها بـالجمود أو المداهنة"، وهو ما تجلى في "خلق بيئة من الشك والريبة داخل المجتمعات السنية، حيث يتم تصنيف المعتدلين كمميعين للدين أو عملاء، مما أدى إلى انكماش صوت الاعتدال خوفاً من سطوة التكفير".
من الجدير بذكره هنا أن هذه المنهجية في إسكات كل صوت مخالف، إما بالرشوة الوظيفية النفعية، أو باستعمال العنف، هي نفسها التي سبق أن مارسها الشرع في ادلب، حتى بات كل من يخرج عن سياق حكومة الإنقاذ التي كان يقودها، "يُصنّف كتمرد أو بالعمالة، مما أدى لاستلاب المؤسسات الدينية التاريخية في الشمال السوري، وتحويلها إلى مجرد أبواق تبريرية لسلطة الفرد الواحد".
نتج عن ذلك تصحير البيئة الدينية الشامية، بعد أن وجد "الإسلام الشامي المعتدل، نفسه محاصراً بين فكي كماشة: قبضة الجولاني الأمنية من جهة، وفتاوى شرعية المهاجرين، الذين لا يفهمون خصوصية المجتمع السوري من جهة أخرى".
تماماً كما هو الحاصل اليوم من صدور قرارات الواحد تلوى الآخر، باستنادها لخلفية سلفية، والتي تحد من الحريات الشخصية والدينية لبقية المكونات المجتمعية بما فيها السنة المعتدلين، بحجة معارضتها للتعاليم الإسلامية، مما دعا بعض المراقبين للقول: إن مشروع الجولاني إنما هو مشروع غريب عن نسيج المجتمع السوري المعتدل، وبالتالي فإن "كل محاولاته لتقديم نفسه كـشخصية معتدلة، إنما هي مجرد مناورة لاستهلاك الإعلام الغربي، ليس إلا، بينما على أرض الواقع يقوم بسحق أي اعتدال حقيقي، من خلال محاصرته، عبر محاكاته ظاهرياً، وقيام جهازه الأمني بتصفية الشخصيات التي تمتلك قبولاً شعبياً معتدلاً، باعتبارهم يشكِّلون خطراً على شرعيته المصطنعة".
وعليه فإن هذا الغلو في الدين وهذا الاستفراد الفصائلي الجهادي في عموم الساحة السورية اليوم، من قبل السلطة المؤقتة، أدى لحرف المصطلحات السنية التقليدية السمحة، التي يتميز بها المجتمع الشامي، عن أغراضها الروحية والوطنية، وإعادة صياغتها لتصبح أدوات للتفرقة الطائفية والإقصاء، بدلاً من المشاركة والاحتواء، مما أضعف النخبة السنية المعتدلة داخلياً وخارجياً، وجعلها تبدو وكأنها غير قادرة على ضبط "بيتها الداخلي، وهو ما أحدث شرخاً في الوعي السني العام، وانتقاله من مفهوم الأمة المنفتحة، إلى مفهوم الطائفة الناجية المنغلقة".
أما الخطورة الأكبر التي تعاني منها سورية اليوم، فتكمن في تحوّل هذه النخب، لغطاء مدني لسلطة الشرع الجهادية، من شأنها تلميع صورته في المحافل الدولية، تماماً كما سبق لهذه النخب أن تحالفت مع العسكر، وفقاً لخلدون النقيب، والذي يعتبر أن "هذا التحالف لم يكن مبنياً على الشجاعة أو المبادئ، بل على الخوف والمصلحة، مما أضعف الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات الطائفية والمناطقية، لأن الحاكم عندما لا يجد معارضة وطنية صلبة، من المركز (المدن)، فإنه يُمعن في تفتيت المجتمع لضمان بقائه"، وبالتالي فإن "ضياع المبادئ عند هذه النخب، ورضاها بالفتات السياسي، إنما يفتح الباب أمام المغامرين وأصحاب الأيديولوجيات العابرة للحدود لتدمير الكيان الوطني.
نخلص من ذلك للقول: أن "البراغماتية المفرطة" التي سلكتها النخبة السنية في سورية عبر التاريخ، تحوّلت اليوم إلى عدمية سياسية قاتلة، وبالتالي فإن هذا الصمت التاريخي التي تلجأ إليه النخبة السنية المدنية، بمواجهة كل "قادم من خلف الحدود" أو "مغامر عسكري" خصوصا بمواجهة الردة البربرية المتكررة، التي تشهدها سوريا، وفقا لوصف الراحل الطيب تيزيني، والذي لطالما تم النظر إلى هذا الصمت كذكاء لضمان بقاء هذه النخبة، أصبح هذا الصمت الذي تلوذ به اليوم، هو الخنجر الذي يُفِّتت عضد الدولة.
#فوزي_مهنا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟