أمل سالم
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 12:43
المحور:
قضايا ثقافية
في بداية القرن العشرين كانت البلاد تخرج، ببطء وتعب شديدين، من ظلام تاريخي طويل إلى مشارف دولة حديثة؛ وكان من الطبيعي أن يقود هذه اللحظة رجال امتلكوا المعرفة والرؤية والقدرة على التضحية، فبدا بعضهم علامات حقيقية في السياسة والثقافة والتعليم والفنون. لكن الأزمة بدأت حين تحولت "العلامة" إلى "مقعد"، وتحولت الخبرة إلى سلطة، ثم جاء من أراد أن يجلس في المكان نفسه دون أن يمتلك شروطه الحقيقية.
هنا ظهرت فكرة "المِعلم" بمعناها السلبي؛ لا بوصفه صاحب خبرة، بل بوصفه حارسا للباب. مِعلم في السياسة، ومِعلم في الثقافة، ومِعلم في الرياضة، ومِعلم في التعليم؛ أشخاص لا يصنعون المجال بقدر ما يحتكرونه، ولا يفتحون الطريق أمام المواهب الجديدة، بل يقفون بين الناس وبين الطريق. فأصبح المرور إلى كثير من المواقع لا يحتاج إلى الكفاءة بقدر ما يحتاج إلى الرضا، ولا إلى الموهبة بقدر ما يحتاج إلى التبعية.
ومع الوقت، تشكلت طبقة كاملة تعيش على إدارة النفوذ لا على إنتاج القيمة؛ طبقة تعرف كيف تُقصي، وكيف تُصعّد أتباعها، وكيف تجعل المجال يدور حول أسمائها، حتى خُيّل للناس أن الوطن لا يتحرك إلا عبر هؤلاء. وهكذا تراجعت الفكرة الكبرى: (أن المؤسسات تُبنى بالقواعد والمعايير، لا بالأشخاص).
ولعل أخطر ما فعلته هذه الظاهرة أنها قتلت الإيمان الطبيعي لدى الإنسان المصري بأن الاجتهاد وحده يكفي. فحين يرى الشاب أن الطريق مغلق إلا عبر "المِعلم"، يفقد ثقته في العمل، ويتحول النجاح من ثمرة استحقاق إلى نتيجة علاقات ومباركات. وهنا تبدأ الهجرة الداخلية للروح؛ إذ يبقى الجسد في الوطن، بينما ينسحب الأمل منه شيئا فشيئا.
ومع ذلك، فإن مصر لم تكن يوما فقيرة في المواهب، لكنها كثيرا ما كانت فقيرة في إتاحة الفرصة العادلة لها. وكل نهضة حقيقية تبدأ حين يعود المجال العام إلى طبيعته: (منافسة مفتوحة، ومؤسسات تحكمها الكفاءة، وأسماء كبيرة تعرف أن دورها الحقيقي ليس احتكار الضوء، بل صناعة جيل جديد قادر على تجاوزه.)
#أمل_سالم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟