أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - مصطفى محمود مقلد - الولي في الزواج بين النص الفقهي والمقاصد الشرعية: جدل السلطة وحرية المرأة في الاختيار















المزيد.....

الولي في الزواج بين النص الفقهي والمقاصد الشرعية: جدل السلطة وحرية المرأة في الاختيار


مصطفى محمود مقلد
باحث قانونى - محام

(Mustafa Mahmoud Maklad)


الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 14:15
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


ولاية المرأة على نفسها ليست تمردًا على الشريعة كما يصورها البعض، ولا خروجًا عن الدين أو الأسرة، بل هي واحدة من أكثر المسائل الفقهية التي كُتب حولها جدل طويل يكشف في حقيقته سؤالًا أعمق:
هل الولاية في الزواج وُجدت باعتبارها سلطة على المرأة، أم باعتبارها وسيلة لحماية إرادتها؟

المشكلة أن كثيرًا من النقاشات الحديثة تتعامل مع “الولي” وكأنه أصل العقد ذاته، بينما القراءة الأعمق للنصوص والمقاصد تكشف أن جوهر المسألة كان دائمًا يدور حول شيء واحد: رضا المرأة واختيارها الحر.

فالنبي ﷺ لم يجعل إرادة المرأة أمرًا ثانويًا، بل قرر بوضوح:
«الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها».

وهنا تظهر دلالة شديدة الأهمية:
أن الحق الأصلي متعلق بالمرأة نفسها، لا بمن يتولى العقد عنها.

بل إن السنة نفسها شهدت واقعة ردّ النبي ﷺ لنكاح امرأة زُوِّجت بغير رضاها، رغم وجود الأب كولي، وهو ما يكشف أن الولاية ليست سلطة مطلقة تتجاوز إرادة صاحبة الشأن.

ومن هنا جاء البناء الفقهي العميق عند فقهاء الحنفية، الذين قرروا أن المرأة البالغة العاقلة تملك الولاية على نفسها في الزواج، قياسًا على حقها الكامل في التصرف في مالها وعقودها.

فالمنطق الفقهي هنا يطرح سؤالًا مهمًا:
إذا كانت الشريعة أعطت المرأة حق البيع والشراء والتصرف المالي الكامل، فكيف تُسلب أهليتها فقط عند اختيار شريك حياتها؟

كما أن القرآن نفسه حين نهى الأولياء عن “العضل” في قوله تعالى:
{فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}
فهو ضمنيًا يقرر أن حق النكاح مضاف للمرأة أصلًا، وأن دور الولي لا يجوز أن يتحول إلى أداة منع أو مصادرة للإرادة.

والأهم أن فهم الولاية تاريخيًا يختلف كثيرًا عن تحويلها إلى وصاية أبدية.
فالبيئات القديمة كانت تقوم على العصبية القبلية وغياب مؤسسات الحماية القانونية، فكان الولي يمثل غطاءً اجتماعيًا وضمانة حماية أكثر من كونه “مالكًا للقرار”.

أما في الدولة الحديثة، حيث توجد قوانين وتوثيق وقضاء وضمانات، فإن فلسفة الولاية نفسها تصبح أقرب إلى “المساندة والمشورة” لا “الإجبار والتحكم”.

لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في الخلاف الفقهي، بل في الطريقة التي يُدار بها النقاش أصلًا.

فبعض الطروحات تتعامل مع المرأة وكأنها “محل للعقد” لا طرف أصيل فيه، بينما فلسفة العقود في الشريعة والقانون تقوم أساسًا على الرضا المتبادل والأهلية الكاملة للطرفين.

ولهذا كان من اللافت أن الفقه الإسلامي نفسه لم يكن كتلة واحدة جامدة، بل عرف تنوعًا واسعًا في فهم النصوص وتحقيق المقاصد.
فالخلاف حول الولي لم يكن صراعًا بين “دين” و”تمرد”، بل خلافًا فقهيًا معتبرًا حول طبيعة الولاية وحدودها ووظيفتها.

بل إن التوسع في تحويل الولاية إلى سلطة مطلقة أفرز عبر الزمن إشكاليات خطيرة، أبرزها:

- منع الزواج تعسفًا
- استخدام الولاية كأداة ضغط اجتماعي
- تحويل حق الاختيار إلى ساحة صراع عائلي
- تغليب الاعتبارات الطبقية أو القبلية على إرادة الإنسان نفسه

ولهذا جاء مفهوم “العضل” في القرآن باعتباره سلوكًا مرفوضًا، لأن الولاية إذا تحولت إلى منعٍ دائم سقط مقصدها وتحولت من حماية إلى تقييد.

واللافت أيضًا أن كثيرًا ممن يرفضون أهلية المرأة في الزواج يقبلون أهلية الرجل الكاملة بمجرد البلوغ، رغم أن مناط التكليف الشرعي والقانوني واحد: العقل والتمييز.

وهنا يظهر سؤال منطقي لا يمكن تجاهله:
هل المشكلة فعلًا في “الأهلية”، أم في التصور الاجتماعي لفكرة استقلال قرار المرأة أصلًا؟

فالواقع أن كثيرًا من المجتمعات لا تعترض على عمل المرأة أو تعليمها أو تحملها للمسؤوليات، لكنها تتوقف فجأة عند حقها في الاختيار الشخصي، وكأن الاستقلال يصبح مقبولًا ما دام لا يمس البنية التقليدية للسلطة الاجتماعية.

كما أن اختزال مفهوم الولاية في “الإذن” فقط يغفل أن العلاقات الأسرية السوية لا تُبنى أصلًا على القهر القانوني، بل على الثقة والتفاهم والقبول المتبادل.

فالأب الحقيقي لا يحتاج إلى سلطة إجبار حتى يكون حاضرًا في حياة ابنته، والأسرة الطبيعية لا تُختزل في توقيع على عقد، بل في دور أخلاقي وإنساني أعمق من فكرة التحكم.

ورغم ذلك، فمن المهم التأكيد أن المسألة ليست محل اتفاق فقهي كامل كما قد يتصور البعض، بل من المسائل التي شهدت خلافًا معتبرًا بين المدارس الفقهية الإسلامية.

فجمهور الفقهاء ذهبوا إلى اشتراط الولي لصحة العقد استنادًا إلى حديث «لا نكاح إلا بولي»، ورأوا أن وجوده ليس مجرد إجراء شكلي، بل جزء من البنية التنظيمية للأسرة في التصور الفقهي التقليدي.

لكن في المقابل، فإن المذهب الحنفي – وهو أحد المذاهب السنية الأربعة المعتبرة – قرر أهلية المرأة البالغة العاقلة في مباشرة عقد زواجها بنفسها، وهو ما يؤكد أن المسألة ليست من القطعيات التي لا تحتمل النظر، بل من المساحات الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا.

كما أن الحديث عن “ولاية المرأة على نفسها” لا يعني إلغاء دور الأسرة أو التقليل من قيمة المشورة والخبرة الاجتماعية، فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بمنطق العناد الفردي، وإنما بالتوازن بين الحرية والمسؤولية.

فالأسرة تبقى عنصر حماية واحتواء مهم، لكن الفرق كبير بين “النصح” و”المصادرة”، وبين “المساندة” و”التحكم”.

كذلك فإن الاستناد إلى أهلية المرأة لا يعني تجاهل مفهوم “الكفاءة” الذي ناقشه الفقهاء أنفسهم، باعتباره وسيلة لحماية استقرار العلاقة ومنع الضرر الاجتماعي، لا باعتباره أداة لإهدار إرادة المرأة أو تحويلها إلى شخص ناقص الأهلية.

ولهذا فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين الدين والحرية كما يحاول البعض تصويرها، بل نقاش حول كيفية فهم النصوص في ضوء مقاصدها الكبرى:
هل المقصود حماية إرادة الإنسان… أم الحلول محلها؟

وفي النهاية، تبقى القضية أوسع من مجرد خلاف فقهي فرعي.
نحن أمام سؤال يتعلق بعلاقة الإنسان بحريته، وحدود السلطة داخل الأسرة، وكيف يمكن فهم النصوص بروحها ومقاصدها لا فقط بصورتها المجتزأة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نص عظيم… أن يتحول من وسيلة لتحقيق العدل إلى أداة لتعطيل إرادة الإنسان التي جاء أصل التشريع لحمايتها.

وقوة الفقه الإسلامي تاريخيًا لم تكن في إغلاق باب النقاش، بل في قدرته على استيعاب الاختلاف والاجتهاد وتنوع البيئات والأزمان، دون مصادرة أو تخوين أو تحويل المسائل الاجتهادية إلى معارك هوية.

فالعدل لا يتحقق بإلغاء صوت المرأة، كما أن حماية الأسرة لا تعني مصادرة حق الإنسان في الاختيار.

وإذا كانت الشريعة قد جاءت أصلًا لصيانة الكرامة الإنسانية، فإن أول ما يجب صيانته… هو إرادة الإنسان الحرة الواعية، لا تحويلها إلى مجرد توقيع ينتظر الإذن.



#مصطفى_محمود_مقلد (هاشتاغ)       Mustafa_Mahmoud_Maklad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدل المادة والمعنى: كيف تحوّل الإنسان من نتاجٍ صامتٍ لقوانين ...
- جدل المادة والمعنى: كيف أصبحت المادة وعيًا يسأل عن نفسه؟
- جدل المادة والمعنى: صمت العظام وتحوّل الرمز… هل أنجبت الضرور ...
- تسريب البيانات وانكشاف هشاشة السيادة في العصر الرقمي
- العدالة الإصلاحية في الدولة الحديثة: من منطق العقوبة إلى فلس ...
- القانون الوضعي وبشرية النص: مراجعة في فلسفة التشريع الحديث.
- ثورة الشريعة على الجمود وضمانات الدولة المدنية
- تعديلات قانون الأحوال الشخصية الجديد 2026: -الرقم الموحد للز ...
- نحو مقاربة تشريعية متكاملة لمواجهة جرائم المخدرات بين الشباب ...
- من يملك تعريف العدالة
- هل تحتاج المجتمعات الحديثة إلى منظومة قيم ثابتة؟ قراءة قانون ...


المزيد.....




- مسيرة لليمين المتطرف في لندن تثير موجة من خطاب الكراهية ضد ا ...
- الأمم المتحدة تطالب بتحقيق دولي في جرائم تعذيب واغتصاب الأسر ...
- -سياحة القنص- في سراييفو: وثائق جديدة عن -تنافس لقتل النساء- ...
- حكم صادم لسعد لمجرد بعد إدانته بالاغتصاب
- الحكم بسجن سعد لمجرد بعد إدانته باغتصاب فتاة في فرنسا
- السجن 5 سنوات للمطرب سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب
- فرنسا: السجن 5 سنوات للمغني المغربي سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب ...
- فرنسا: السجن 5 سنوات للمغني المغربي سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب ...
- -فوق السلطة-.. لماذا يثير مقترح -فسخ الزواج- الكثير من الجدل ...
- قانون الأسرة الجديد في مصر : لماذا كل هذا الجدل؟


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - مصطفى محمود مقلد - الولي في الزواج بين النص الفقهي والمقاصد الشرعية: جدل السلطة وحرية المرأة في الاختيار