أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - مصطفى محمود مقلد - من يملك تعريف العدالة














المزيد.....

من يملك تعريف العدالة


مصطفى محمود مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 21:23
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


في نقد الحياد القانوني وحدود الإنسان بوصفه مرجعا مكتفيا بذاته
لم يعد النقاش المعاصر حول القانون محصورا في كفاءته الإجرائية أو قدرته على ضبط السلوك العام بل انتقل بفعل الأزمات المتراكمة إلى سؤال أسبق من كل تشريع من يملك أصلا تعريف العدالة فالقانون مهما بلغ من الدقة والتنظيم لا ينتج نفسه بنفسه بل يصدر بالضرورة عن تصور سابق للإنسان وللحق وللضرر ولما ينبغي حمايته أو تقييده وأي محاولة لفصل القانون عن هذه الأسس أو تقديمه بوصفه أداة تقنية محايدة إنما تناقش النتائج وتتجاوز الجذور
يقدم القانون الحديث غالبا باعتباره منظومة محايدة أخلاقيا لا تنحاز لقيم بعينها ولا تتدخل في تعريف الخير والشر بل تكتفي بتنظيم التعايش بين مصالح متعارضة داخل المجتمع غير أن هذا التصور رغم جاذبيته لا يصمد أمام التحليل فكل تشريع مهما بدا تقنيا ينطوي على أحكام قيمية سابقة ما الذي يعد ضررا من الذي يعتبر ضعيفا ويستحق الحماية أي المصلحة تقدم عند التعارض وما السلوك المقبول أو المرفوض اجتماعيا حين يجرم القانون فعلا ما فهو لا ينظم فقط بل يحكم وحين يبيح فعلا آخر فهو لا يقف على الحياد بل يمنحه شرعية وعليه فإن الحياد القانوني لا يعني غياب القيم بل تبني القيم السائدة دون الاعتراف بها أو مساءلتها
ولا تنشأ أي منظومة قانونية في فراغ أخلاقي ولا يتشكل أي تشريع بمعزل عن تصور ما للإنسان فالقانون يفترض صراحة أو ضمنا إجابة عن أسئلة لا يضعها بنفسه هل الإنسان كائن أخلاقي أم نفعي هل يضبط بالثقة أم بالردع هل يفترض فيه الخير أم يحتاط لشره هذه الأسئلة لا تحسم داخل مواد القانون بل قبل القانون ومن هنا فإن وصف التشريع بأنه نتاج بشري خالص لا يحسم الإشكال لأنه يترك سؤالا أكثر إلحاحا بلا إجابة بأي معيار يحكم على هذا النتاج بأنه عادل لا مجرد نافذ
ويقال إن القانون الحديث يستمد شرعيته من الإرادة العامة أو التوافق المجتمعي أو التصويت الديمقراطي غير أن هذا التفسير يخلط بين مفهومين مختلفين القبول والعدالة فالأغلبية قادرة على فرض تعريفها للضرر وإعادة رسم الحدود الأخلاقية وتطبيع ما كان يعد ظلما في لحظة سابقة والتاريخ القانوني نفسه مليء بقوانين كانت نافذة ومدعومة بإجماع واسع ثم أدينت لاحقا بوصفها انتهاكات جسيمة والسؤال هنا ليس أخلاقيا فقط بل منطقي إذا كان القانون لا يقاس إلا بإجراءاته فبأي معيار ندين القوانين بعد سقوطها
ولا ينطلق هذا النقد من افتراض سوء نية الإنسان ولا ينفي قدرته على التشريع والتنظيم والاجتهاد بل يعترف بحدوده الواقعية فالإنسان يتغير وعيه بتغير الزمن ويتأثر بموقعه في السلطة ويخضع لمصالحه ومخاوفه ويعيد تعريف القيم بما يخدم واقعه فإذا كان كذلك فكيف يكون مرجعا نهائيا للعدالة وكيف يحاكم نفسه بنفسه دون معيار يتجاوز وعيه المتقلب الإشكال هنا ليس في وجود قانون بشري بل في ادعاء الاكتفاء به بوصفه مصدرا أخيرا للقيم
وقد يكون القانون نافذا دستوريا ومتوافقا مع الإجراءات ومدعوما بالأغلبية ومع ذلك يظل غير عادل فالشرعية تعني سلامة الإجراء أما العدالة فتعني إصابة الحق وحين تختزل العدالة في الآلية يتحول القانون من ميزان يقاس به الظلم إلى أداة تشرعن وجوده
وغالبا ما يواجه هذا الطرح باتهام جاهز مفاده أنه يفتح الباب للوصاية الأخلاقية أو الثيوقراطية غير أن هذا الفهم يقوم على خلط شائع فالاعتراف بوجود مرجعية قيمية متجاوزة لا يعني إلغاء العقل ولا تعطيل الاجتهاد ولا تسليم الدولة لسلطة دينية بل يعني ببساطة أن الإنسان ليس الحكم النهائي على نفسه وأن الاعتراف بحدوده ليس إلغاء لدوره بل شرط لمنع طغيانه
وكثير من القوانين لا تفشل في التنفيذ بل تفشل في التأسيس تفشل لأنها تنطلق من تصور سطحي للإنسان أو تفترض حيادا غير موجود أو تعالج الأعراض دون الجذور وحين يفصل القانون عن القيم تفقد العقوبة معناها وتتحول الحقوق إلى صراع قوى ويصبح العدل مفهوما متغيرا بلا ميزان
وإذا لم تكن العدالة نتاج الإجراء وحده ولا محصلة العدد ولا انعكاس القوة فإن السؤال الذي يفرض نفسه بلا مواربة هو من أين تستمد القيم إلزامها هذا السؤال ليس دينيا بالضرورة ولا أيديولوجيا بل عقلي وإنساني في جوهره وستظل أزمة القانون المعاصر قائمة ما دام يرفض الاعتراف بأن أخطر ما فيه ليس نقصه بل ادعاءه الاكتفاء بنفسه
ربما يرى بعض القراء أن هذا النقاش مجرد تحليل نظري أو مبالغة لكن كل فرضية هنا مستندة إلى تجربة وفحص منطقي وتاريخي والهدف ليس مهاجمة القوانين أو التشكيك فيها بل فهم حدودها وطرح سؤال جوهري من أين تستمد القيم إلزامها هذا السؤال لا يحسم بالتصويت أو القوة ولا بالإجراءات وحدها بل بالاعتراف بحدود الإنسان وفهم طبيعة العدالة ومن يختلف معي لا يلزم أن يقبل كل تفاصيل هذا الطرح بل يكفي أن يتوقف للحظة للتفكير في أن العدالة قد تتجاوز إرادة الأغلبية وأن القانون يحتاج إلى معايير أعمق من الحياد الظاهر كل قارئ يسعى للفهم سيجد في هذا المقال مدخلا للتأمل وإعادة النظر وليس دعوة للهيمنة على رأي أو فرض تفسير بل مساحة للتفكير المشترك والتعلم المتبادل






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تحتاج المجتمعات الحديثة إلى منظومة قيم ثابتة؟ قراءة قانون ...


المزيد.....




- الحراس تقيأوا دماً..ترامب: استخدمنا سلاحاً سرياُ بعملية اعتق ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام 3 مواطنين وتنشر أسماءهم وما أ ...
- فيديو.. الجزيرة نت ترصد أوضاع النازحين شمال سوريا بعد العاصف ...
- هل بدأت الاحتجاجات في مينيابوليس تأخذ حجما أكبر وتؤثر على سي ...
- جدار أسمنتي ونقل معتقلين.. بغداد ترفع التأهب لتأمين حدودها م ...
- مينيابوليس.. احتجاجات رافضة لملاحقة المهاجرين في أمريكا
- الأونروا: الضفة تشهد أسوأ أزمة إنسانية منذ 1967
- مفوض الأونروا: الضفة الغربية المحتلة تشهد أسوأ أزمة إنسانية ...
- مفوض الأونروا: 33 ألفا من اللاجئين لا يزالون نازحين قسرا من ...
- مخيمات ريف إدلب.. معاناة النازحين لم تنتهِ بعد


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - مصطفى محمود مقلد - من يملك تعريف العدالة