أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد الحريزي - قراءة نقدية فلسفية خيميائية لرواية -أصوات في شبك- * للروائي حميد الحريزي.















المزيد.....

قراءة نقدية فلسفية خيميائية لرواية -أصوات في شبك- * للروائي حميد الحريزي.


حميد الحريزي
اديب

(Hameed Alhorazy)


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:07
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية فلسفية خيميائية لرواية "أصوات في شبك" *
للروائي حميد الحريزي.
تقديم الباحثة الاستاذة مسعودة القاسمي (تونس)



تبدو رواية «أصوات في شبك» على الرغم من قصرها، نصاً مكثفاً يحمل بنية فكرية معقدة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية لتلامس أسئلة الفلسفة والمعرفة والتاريخ والسلطة. فهي ليست مجرد قصة عن رجل يحاول اصطياد الأصوات كما يصطاد الطيور، بل هي في جوهرها حكاية رمزية عن صراع الإنسان مع الوهم التاريخي، وعن رغبة العقل في استعادة الحقيقة الأولى التي ضاعت بين طبقات الزمن والتأويلات البشرية.
منذ العنوان يضعنا النص أمام استعارة مركزية: الأصوات والشبك. فالشبكة هنا ليست أداة صيد فحسب، بل هي رمز لآليات المعرفة الإنسانية نفسها؛ أي تلك الوسائط التي يحاول الإنسان من خلالها الإمساك بالواقع. أما الأصوات فهي أثر الإنسان الأكثر بقاءً، لأن الكلمة هي الوجود الثاني للإنسان بعد جسده. وهكذا يتشكل العنوان بوصفه مفتاحاً تأويلياً للنص كله: هل يمكن اصطياد الحقيقة من ضجيج التاريخ؟ وهل يمكن القبض على ما يبدو عابراً أو متلاشياً مثل الصوت؟
يقدم الراوي شخصية مسكون منذ البداية بوصفها شخصية غير عادية. فاسمه نفسه يحمل دلالة رمزية، إذ إن الطفل الذي كان اسمه في الأصل سعيد يتحول إلى «مسكون» بسبب فرط حركته وكثرة أسئلته. الاسم هنا لا يشير إلى مسّ شيطاني كما قد يبدو ظاهرياً، بل إلى مسّ معرفي؛ أي ذلك القلق الفكري الذي يجعل الإنسان مسكوناً بالسؤال. ومن خلال هذا التحول الاسمي يضع الكاتب القارئ أمام شخصية قلقة بطبيعتها، شخصية لا تقبل العالم كما هو بل تسعى دائماً إلى خلخلته وإعادة تفسيره.
في طفولة مسكون تظهر هواية صيد الطيور. لكن هذه الهواية لا تبقى مجرد نشاط بريء، بل تتحول تدريجياً إلى بنية رمزية عميقة. فالطائر في المخيال الإنساني غالباً ما يرمز إلى الحرية أو الروح أو الفكر. وعندما يتقن مسكون نصب الشباك للطيور فإنه يتعلم عملياً تقنية الإمساك بما هو حرّ وعابر. هذه التقنية تتحول لاحقاً إلى نموذج معرفي: فإذا كان بالإمكان اصطياد الطيور، فلماذا لا يمكن اصطياد الأصوات؟ وهنا يبدأ التحول الجوهري في مسار الرواية، حيث ينتقل الصيد من المجال الطبيعي إلى المجال المعرفي.
يُدخل الكاتب بعد ذلك فكرة علمية محورية تتمثل في قانون بقاء المادة والطاقة. هذه الفكرة تشكل الشرارة الفكرية التي تشعل خيال مسكون. فإذا كانت المادة لا تفنى ولا تُخلق من العدم، وإذا كان الصوت شكلاً من أشكال الطاقة، فإن الأصوات التي نطق بها البشر عبر التاريخ لا يمكن أن تكون قد اختفت تماماً؛ بل لا بد أنها ما زالت، بشكل ما، موجودة في الفضاء الكوني. من هنا تتولد فكرة مسكون الأساسية: إمكانية استعادة أصوات الماضي.
هذه الفكرة، على الرغم من طابعها العلمي الظاهري، تحمل بعداً فلسفياً عميقاً. فاستعادة الصوت ليست مجرد استعادة لذبذبات فيزيائية، بل هي استعادة للحقيقة الأصلية التي ضاعت بين الروايات المتناقضة للتاريخ. ومن هنا يتحول مشروع مسكون إلى محاولة جذرية لتنقية الذاكرة البشرية.
يلعب الراديو في الرواية دوراً رمزياً بالغ الأهمية. فالراديو جهاز يقوم أساساً على التقاط ترددات موجودة في الفضاء وتحويلها إلى صوت مسموع. وهذا ما يجعل مسكون يدرك أن الكون قد يكون ممتلئاً بالأصوات القديمة التي ما زالت تتردد في طبقاته الخفية. الراديو هنا ليس مجرد أداة تقنية، بل هو استعارة للعقل الإنساني نفسه: فالعقل، مثل الراديو، لا يصنع الحقيقة دائماً بل يلتقطها من محيطه.
ومع تطور الفكرة، يبدأ المشروع الحقيقي لمسكون: استعادة أصوات الشخصيات التاريخية الكبرى، من الأنبياء والفلاسفة إلى القادة والزعماء. لكن هذا المشروع، الذي يبدو في البداية فضولاً علمياً، يتحول بسرعة إلى مشروع خطير. فاستعادة الأصوات الأصلية تعني إعادة فتح التاريخ كله على احتمالات جديدة. ماذا لو تبين أن كثيراً من الأقوال المنسوبة إلى شخصيات تاريخية كبرى لم تقال أصلاً؟ ماذا لو ظهر أن كثيراً من النصوص التي قامت عليها مذاهب وأديان وأيديولوجيات ليست سوى إضافات لاحقة صنعها البشر؟
هنا تكمن القوة الفلسفية للنص. فالرواية تلمّح إلى أن التاريخ الذي نعرفه ليس بالضرورة حقيقة خالصة، بل هو بناء معقد تشكل عبر صراعات السلطة والمصالح. ولذلك يصبح مشروع مسكون تهديداً مباشراً لبنية العالم القائمة. فالسلطات السياسية والدينية، التي بنت شرعيتها على نصوص وتأويلات معينة، لا يمكن أن تسمح بانكشاف هشاشة هذه الأسس.
يصل الصراع إلى ذروته عندما تتحرك القوى المختلفة لإسكات مسكون. ويجد نفسه في النهاية داخل مصحّة عقلية محاطة بالأسوار. لكن المفارقة التي يبني عليها الكاتب هذا الجزء من الرواية أن المكان الذي يفترض أن يكون مأوى للمجانين يتحول إلى فضاء للحوار الحر بين أشخاص رفضوا الانصياع للأوهام السائدة. في هذا المكان يكتشف مسكون أن كثيرين غيره يحملون أفكاراً مشابهة، وأن الجنون الذي نُسب إليهم لم يكن سوى نتيجة رفضهم للمنطق السائد.
تبلغ الرواية ذروتها الدرامية في شخصية طوران، الذي يمثل نموذج التعصب الأعمى. الوصف الجسدي لطوران – نصف وجه ملتحٍ ونصف وجه حليق – ليس تفصيلاً عابراً، بل رمز لانقسام الوعي المتطرف بين يقين مطلق وظلام داخلي. وعندما يقتل طوران مسكون باسم الدفاع عن عقيدته، تتجسد المفارقة الكبرى في النص: الحقيقة تُقتل دائماً باسم الحقيقة نفسها.
مع ذلك لا ينتهي النص عند لحظة الموت. فموت مسكون يتحول إلى لحظة تأسيسية لأسطورة جديدة. أفكاره تستمر، وأتباعه يتكاثرون، وقبره يتحول إلى رمز للمعرفة التي لا يمكن دفنها. وهكذا تنقلب الهزيمة الظاهرة إلى انتصار رمزي، لأن الفكرة التي سعى إليها مسكون – توحيد البشر عبر كشف الحقيقة المشتركة بينهم – تصبح أكثر حضوراً بعد موته.
من الناحية السردية يعتمد النص على الراوي العليم الذي يتحرك بحرية بين الشخصيات والأحداث، مقدماً للقارئ تفاصيل داخلية عن أفكار مسكون وهواجسه. هذا الأسلوب يسمح بتكثيف البعد الفلسفي للنص، لأن الراوي لا يكتفي بسرد الوقائع بل يفتح المجال للتأمل والتفسير. كما يستخدم الكاتب تقنية الحوار بوصفها وسيلة لتطوير الفكرة المركزية، إذ تتحول النقاشات بين مسكون وأصدقائه إلى محركات فكرية تدفع السرد إلى الأمام.
ومن التقنيات اللافتة أيضاً التداخل بين الخطاب العلمي والخطاب الرمزي. فالرواية تستخدم مفاهيم فيزيائية مثل الطاقة والترددات، لكنها توظفها داخل بنية مجازية تشير إلى معنى أعمق يتعلق بالحقيقة التاريخية. كذلك يعتمد الكاتب على المفارقة السردية، حيث يتحول المجنون إلى عاقل، ويصبح المكان المخصص للعزل فضاءً للحرية الفكرية.
أما البنية الرمزية العامة للنص فتقوم على ثلاث طبقات متداخلة:
طبقة أولى تمثل البحث العلمي عن طبيعة الصوت والطاقة.
وطبقة ثانية تمثل الخيمياء المعرفية، أي محاولة تحويل التاريخ من معدن زائف إلى ذهب الحقيقة.
وطبقة ثالثة تمثل الصراع الحضاري بين العقل المتحرر والسلطة التي تخشى انكشاف الأسس التي تقوم عليها.
خلاصة القول أن الرواية تقدم تأملاً عميقاً في مصير الحقيقة في عالم تحكمه المصالح والتأويلات المتصارعة. فمسكون ليس مجرد شخصية روائية، بل هو صورة للعقل الإنساني عندما يقرر أن يواجه التاريخ بأسئلته الجذرية. ولذلك فإن موته لا يعني نهاية المشروع، بل يكشف حقيقة أعمق: أن الأفكار التي تولد من شغف المعرفة لا يمكن قتلها بسهولة، لأنها تشبه تلك الأصوات التي كان مسكون يحاول اصطيادها؛ قد تتوارى في الفضاء، لكنها لا تختفي أبداً.
• رواية (اصوات في شبك) القصيرة جدا منشورة في العدد 70 لمجلة (مدارات الثقافية) المغربية عدد أذار 2026.



#حميد_الحريزي (هاشتاغ)       Hameed_Alhorazy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الستار نورعلي: ديوان (مسامير من طين) لحميد الحريزي بين ا ...
- قول على قول عقبی حول الرواية القصيرة جدا
- الرواية القصيرة جدا والرواية القصيرة
- المؤلف الاول والمؤلف الثاني في الرواية القصيرة جدا
- الرواية القصيرة جدا - الولادة - التحولات وضرورات التجنيس
- مذكرات كلب - رواية قصيرة جدا
- قراءة في كتاب (قضايا المرأة في التدين الأجتماعي ) للدكتور ...
- تحولات الانسان بين ((نسّاي)) يوسف المحسن و ...
- التحولات في رواية (زينب) للدكتور عارف الساعدي
- رواية 63 للروائي احمد الجنديل
- رواية ((هي في الذاكرة )) للروائية زينب صالح الركابي - بقلم ا ...
- دراسة نقدية حول رواية ((للمفتاح وجوه عدة)) للروائي مهدي علي ...
- دراسة نقدية حول رواية ملعون انترياس للروائية مريم محمد
- الموروثُ الشعبيّ العِراقيّ* في ثُلاثيّة (محطات) للروائي حميد ...
- نص شعري
- رواية (( امبراطورية الثعابين )) للروائي احمد الجنديل
- عرض موجز لثلاثية محطات الروائية -للاديب حميد الحريزي
- صدور كتاب جديد للاديب حميد الحريزي (صفحات من تاريخ الفن الرو ...
- الواقع القائم وخيارات المستقبل
- دراسة لرواية ((مرحبا ايها الاسفل)) للروائي محسن ضيهود الزبيد ...


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد الحريزي - قراءة نقدية فلسفية خيميائية لرواية -أصوات في شبك- * للروائي حميد الحريزي.