أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عبد الغني سلامه - جورج أورويل يضرب من جديد















المزيد.....

جورج أورويل يضرب من جديد


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 13:20
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


تضمن منهاج التوجيهي لمادة اللغة الإنجليزية فصلا عن الرواية الشهيرة "مزرعة الحيوان" للأديب الإنجليزي جورج أورويل، ولا غرابة في ذلك، فقد أرادت وزارة التربية توجيهها لمهاجمة ونقد الاتحاد السوفييتي، والقول بأن الثورات الشيوعية والاشتراكية تنتهي بتآكلها من الداخل، ويلتهمها أصحابها.. وفي هذا جانب كبير من الصحة، فجورج أوريل أقر بأن روايته تنقد التجربة السوفييتية، لكن ما غاب عن المنهاج أن كل الثورات الشعبية على الظلم انتهت كذلك، وتحولت إلى نظم ديكتاتورية..

سأعيدكم إلى أجواء الرواية، تمهيدا لعقد مقاربة مع واقعنا الحالي، لنرى كيف استنسخت النظم والثورات العربية والعالمية نموذج مزرعة الحيوان، وطبقته حرفيا.. بدءأ من الاتحاد السوفييتي وإيران، مرورا بكل النظم العربية، وآخرها نظام "الجولاني"، وانتهاء بالأحزاب السياسية التي ادعت المعارضة، والميليشات المسلحة التي ادعت المقاومة..

كتب أورويل "مزرعة الحيوانات" سنة 1945، وروايته الثانية 1984 سنة 1949، والروايتان تستشرفان المستقبل، وتكشفان بتنبؤ واضح أنماطا من الحكم الشمولي تقوم على توظيف التكنولوجيا والتضليل الإعلامي للتسلط على الشعوب، كما لو أن الكاتب زار المستقبل واطلع عليه.
تُظهر رواية "1984" كيف يقوم النظام الاستبدادي (Big brother) بتزييف الواقع، وتغيير المعاني، وإرساء قواعد الخوف، وتحويل اللغة إلى أداة للاستلاب والسيطرة، واستخدام القهر والتنكيل لاستعباد الفرد من داخله، وتدجينه، ومصادرة إنسانيته وتفكيره وجعله جزءاً من القطيع.

أما "مزرعة الحيوان" فتكشف الوجه الحقيقي للإستبداد المختبئ خلف شعارات الثورة، وتبين كيف تتحول الثورة إلى وحش إستبدادي تلتهم نفسها ومبادئها وشعاراتها، وكيف تعيد إنتاج القهر والاستبداد بأقنعة جديدة. مع إنها وُلدت من رحم الشعب وحملت حلم التحرر والمساواة!

تدور أحداث الرواية حول مزرعة يملكها إنسان فاسد ومستبد يضهد الحيوانات (القيصر)، فيقوم الخنزير العجوز ميجر (لينين) بإلقاء خطبة تبث الأمل بين الحيوانات بأن الثورة ستخلصهم من الظلم، وستحقق لهم حلم المساواة والعدالة.. وبعد وفاته تقوم الثورة وتنجح في طرد مالك المزرعة والاستيلاء عليها، ويتولى قيادتها ثلاثة خنازير.

يتهم الخنزير نابليون (ستالين) شريكه الخنزير سنوبول (تروتسكي) بأنه متآمر فيفر من المزرعة خوفا على حياته. ثم يستخدم الكلاب للتخلص من بقية المعارضين، وينصّب نفسه حاكما مطلقا، ويؤسس نظاما ديكتاتوريا فاسدا، فيستحوذ على أرباح المزرعة، تاركا بقية الحيوانات تعاني الجوع والحياة الشاقة.

يقوم نابليون بدعوة أصحاب المزارع المجاورة (العالم الخارجي المعادي) على مأدبة لعقد اتفاق تجاري. وفي هذه الأثناء كانت الحيوانات تراقب الاجتماع من الشبابيك، دون أن تستطيع التمييز بين من هو الخنزير ومن هو الإنسان.

بالتعرف على بقية شخصيات الرواية، سنجد الخنزير الأصغر "سكويلر" يمثل الإعلام ودوره في الكذب وتبرير القمع وتجميل الواقع وتزويره وإعاد تعريف المصطلحات.. الغراب "موسى" هو المؤسسة الدينية التي تؤدي دوراً رئيسا في تثبيت الإستبداد، عن طريق تأثيرها الروحي والفكري والديني، واستغلال حاجة الناس للأمل، وحديثها الدائم عن الجنة الموعودة، لتُنسي الحيوانات الكادحة واقع بؤسها وحياتها الحاضرة القاسية، وتخدر وعيها بالأوهام فيقبلوا الإستبداد مقابل وعد بالخلاص.

الكلاب هي أجهزة القمع، تمارس دورها دون اعتراض للتخلص من المعارضة.. الأغنام، هي قطيع الجمهور الذي يمارس دوره في الهتاف والتصفيق، ورفض أي صوت ناقد أو متعقل.. الحصان بوكسر يمثل القوى العاملة، التي تكدّ بشرف وإخلاص وتثق بالقيادة ثقة مطلقة.. الحمار بنجامين، الصامت دوما، يمثل السكوت عن الظلم، والسلبية، واليأس من إمكانية التغيير.

بمقاربة أحداث الروايتين وشخصياتهما على واقعنا المعاصر، سنجد تطابقا مدهشا، ولأن المقال لا يتسع لذكر كل حالة بالتفصيل، بوسعك التخيل وعقد المقارنات.. ضع مكان "نابليون" أي زعيم معروف، وبدلا من "سكويلر" أي ناطق إعلامي أو محلل سياسي في "الجزيرة"، وبدلا من المزرعة ضع أي نظام من العالم الثالث..

بعد أن كانت الثورة تستمد شرعيتها من مقولاتها وشعاراتها ووعودها صارت تستمدها من السماء، فتحولت إلى شرعية إلهية مطلقة (الحركات الدينية)، ثم تحولت إلى سلطة ثيوقراطية، وأصبحت الطاعة ملزمة، والمخالف كافر، والنقد فتنة.. أو تستمدها من شعاراتها التي ستفسرها وفقا لمصالحها وتوجهاتها الجديدة (الثورات الوطنية). ومع مرور الوقت واصطدامها بالواقع وبعد سلسلة إخفاقات وهزائم ستبدأ بترديد مقولات النصر الإلهي الموعود، وضرورة الصبر والتضحية، والشهادة. أو بترديد الشعارات القومية القديمة..

في الواقع كل سلطة وفي خضم الثورة كانت تجّهز آلة القمع والدعاية، حيث ستبرر فشلها وهزائمها بالحديث عن العدو الخارجي (الغرب الصليبي، أو المؤامرة الكونية)، والعدو الداخلي (المرجفين والمنافقين) أو (الثورة المضادة، وأعداء الوطن)، وستستخدمان الخطر الخارجي ذريعة لإسكات كل صوت معارض أو منتقد، أو محتج.

ستحتكر السلطة السلاح والأمن فتتحول مباشرة إلى الاستبداد والقمع، ثم ستبدأ باحتكار تأويل الشعارات والمصطلحات من خلال لعبة إعادة تفسيرها: نحن وحدنا من يمتلك الحقيقة، نحن من نمثل السماء، نحن الشرعية الثورية.. تلك الشرعية ستتحول إلى أبدية وكانها شيك على بياض، وهنا سيتداخل الدين مع السلطة مع الأيديولوجيا مع الامتيازات بما يشكل مزيجا معقدا وصلبا يصعب اختراقه.

يبدأ الإعلام بشيطنة القائد الذي أطيح به وكأنّ المشكلة كانت محصورة بشخصه وليس في بنية النظام، ثم التخويف من العودة للنظام القديم، وعدم وجود بديل، وهكذا تبدأ عمليات التخدير والتأقلم والتدجين مع الواقع الجديد..

وبعد أن شعر الجميع بنشوة الانتصار، وتعلقوا بالأمل، سيُصدمون بالواقع، وأنَّ لا شيء تحسّن، وكل الوعود جرى التراجع عنها، فيخفت الأمل تدريجيا حتى يُصاب الناس بالتبلد واليأس، ويبدأ المجتمع بالتفكك.. وتنتشر مظاهر الطوابير الممتدة، وأحزمة البؤس، وتحول الناس إلى كتّيبة تقارير ومندوبين بتجسسون على بعضهم البعض في مجتمع تملؤه الريبة والانتهازية..

وهنا تزدهر لعبة الإعلام؛ فتحت وطأة هذا الواقع المرير سيكون المجتمع جاهزا لتصديق أي شعار يخفف وطأة الألم عنه، ويمنحه بعض العزاء أو خيطا من الرجاء (الغامض).. باختصار سنكون أمام وجه جديد للاستبداد، بشعارات مختلفة..

بالعودة للرواية، أراد أورويل أن يثبت لنا أن الإستبداد لم يكن قوة خارجية، بقدر ما هو بذرة كامنة في كل نظام، أو في بنية المجتمع نفسه، أو هو صفة كامنة في النفس البشرية.. وهذه البذرة تنمو وتلك الصفة تتحول إلى سلوك عادي من خلال تغييب الوعي والتلاعب بالأفكار والمسميات.

الزعيم الذي بدأ مناضلاً مخلصا لشعارات الثورة لم يأتِ من الخارج، بل من نواة الثورة نفسها، ثم تسلل الإستبداد إلى عقله أمام إغراء السلطة والقوة والامتيازات، ثم إلى محيطه والطبقة الحاكمة، ثم إلى الجماهير عبر الأفكار المشوهة، والتضليل والخوف.

الدكتاتورية لا تحتاج إلى جيوش وأجهزة أمنية، بل فقط إلى رواية جميلة، ومتحدث بارع يفرغ اللغة والأفكار من معانيها، ويحولها إلى أداة قهر ومخدرات فكرية. فشعار "كل الحيوانات متساوية" عُدّل بخفة، ليصبح: "لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها".. تلك الإضافة الطفيفة تختصر إنحراف الثورة.

كل ثورة لا تقدر قيمة الإنسان تتحول إلى وحش. وحين لا تمارس النقد والمساءلة تتحول إلى نقيض مشوه لكل ما نادت به، فالاستبداد لا يجسده الطاغية بشخصه، بل يجسده غياب المؤسسات، والقطيع الذي يتنازل عن حريته مقابل الأمان، وكل شخص يتنازل عن حقه في التفكير التعبير والاختلاف.



#عبد_الغني_سلامه (هاشتاغ)       Abdel_Ghani_Salameh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسئلة ما بعد الحرب
- أسئلة ما بعد الحرب - سمات حركات المقاومة الإسلامية
- ثمانية أسباب لتوقف الحرب على غزة
- الحروب السبعة التي أنهاها ترامب.. وترشحه لنوبل للسلام
- مدخلات ومخرجات.. لفهم أسباب الهزائم العربية
- ماذا يحدث في الغرب الإفريقي؟
- ابن عربي.. حياته وفكره
- القولبة والتنميط وثقافة القطيع
- الحرية في بلدان المشرق
- الجذر التاريخي لتفوق الغرب على الشرق
- الشيخ متولي الشعراوي، وأسباب الضياع
- المليار الثامن
- كيف نشأت المسيحية؟
- كيف يفكر العقل الذكوري؟
- الإنسان والزراعة، من طوّر الآخر؟
- الهرمسـية والغنوصية
- عشر سنوات حاسمة
- ثلاثة تلسكوبات، غيّرت وجه العِلم
- كيف نشأت الديانة اليهودية - دراسة تاريخية
- قلعة الشقيف وقلعة متسادا


المزيد.....




- بنعبد الله يترأس اجتماعاً مع فريق التقدم والاشتراكية بمجلس ا ...
- تقرير منظمة العمل الدولية يعري بنية الإفقار وقمع النقابات في ...
- تونس: تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
- العدد 649 من جريدة النهج الديمقراطي
- تجديد حبس أحمد دومة 15 يومًا
- لا للملوك، لا للحروب، لا للمليونيرات: حوار مع متظاهرة وسط ا ...
- إنتخاب شاب على رأس فرع حزب التقدم والاشتراكية بعين الشق
- كلمة الميدان: 6 أبريل: الثورة والتحديات الراهنة
- العدد 648 من جريدة النهج الديمقراطي
- «الديمقراطية»: فصول نهب الأرض والقتل والنسف والتهجير والاعتق ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عبد الغني سلامه - جورج أورويل يضرب من جديد