أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - إدريس سالم - لماذا نزور المرضى؟














المزيد.....

لماذا نزور المرضى؟


إدريس سالم
شاعر وكاتب

(Edris Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 12:46
المحور: المجتمع المدني
    


سؤال المقالة بسيط في ظاهره، لكنه صعب ومعقّد وغامض في أبعاده؛ فهو سؤال أخلاقي وفلسفي يحتمل كل الاحتمالات والتناقضات. فللوهلة الأولى، تُعتبر زيارة المرضى من أسمى السلوكيات الإنسانية والاجتماعية، تحمل في طيّاتها أبعاداً نفسية ومعنوية عميقة، كتقديم الدعم المعنوي، وتعزيز الروابط الاجتماعية، والأهم من ذلك؛ تخفيف الأعباء عن المريض وأهله.
لم تكن الزيارة يوماً مجرّد واجب اجتماعي يُؤدّى ثم يُنسى، ولا محطّة عابرة تُسجَّل في دفتر المجاملات، لأنها في أصلها فعل إنساني خالص، يذهب فيه المرء إلى الآخر ليقول له دون كلام: «لست وحدك». لكن ما يحدث اليوم، يجعلنا نتساءل بمرارة: هل نزور المرضى فعلاً، أم نزور هواتفنا أمامهم؟
يأتي بعض الزوّار، وكأنهم قرّروا مسبقاً ألا يخفّفوا عن المريض وطأة الألم، بقدر ما يضيفون إليه شعوراً بالتجاهل. يجلسون قربه وكأنهم في مقهى؛ يضحكون بصوت مرتفع، ويتنقّلون بين التطبيقات والمنشورات، ويتصرّفون كأشخاص لا يعرفون قيمة الصمت. هذا الانشغال الفاضح ليس إلا فقراً في الوعي الاجتماعي، وقساوة مغلّفة باللامبالاة؛ إنها رسالة غير منطوقة تقول للمريض: «وجودك ليس مهمّاً بما يكفي لأرفع رأسي عن الشاشة»، وما أقسى هذه الرسالة حين تأتي في لحظة الضعف.
إن هذه الزيارة، بدل أن تكون بلسماً، تتحوّل إلى عبء وفوضى أخلاقية؛ فالمريض يحتاج إلى مَن يملأ قلبه بالطمأنينة والأحاديث المثمرة، أو حتى إلى جلوس محترم يترك أثراً من الحنان. إن جوهر الزيارة يكمن في صدق الحضور لا في طول الوقت، وفي حسْن الإصغاء لا كثرة الكلام، وفي اختيار نبرة تليق بمكان يتألّم فيه إنسان. قد تكون الزيارة خمس دقائق، لكنها بوقارها تساوي ساعات من الجلوس البارد الخالي من الشعور.
إننا أمام حالة من «الغياب الحاضر»؛ حيث يتواجد الشخص بجسده، بينما ينغمس عقله في عالم افتراضي، مما يشعر المريض بالوحدة رغم الزحام. وللمرض قدسية مهيبة تفرض جَلال الهدوء، فأن تنشغل بعبث الشاشات أو الضحك التافه أمام شخص يكافح الوجع، يُعدّ استهانة صريحة بلحظاته المصيرية، وانتهاكاً صارخاً لحرمته الإنسانية في أضعف حالاتها؛ إذ إن مواساة المريض تبدأ من الشعور بأن حضوره أغلى من أيّ محتوى رقمي.
يُصنّف هذا السلوك ضمن ظاهرة «تسطيح العلاقات» و«الاغتراب السلوكي»، حيث تفرغ الزيارة من محتواها الوجداني، لتتحوّل إلى مجرّد إجراء شكلي لإسقاط الواجب، أو لقطة عابرة تُستعرض على منصّات التواصل الاجتماعي. لقد انزلقنا نحو ثقافة تجعل من وجع الآخر مجرّد «مادّة خام» لصناعة محتوى رقمي، فنرتكب جريمة قتل المعنى بدم بارد، تحت بريق الإعجابات المزيّفة، مفضّلين الصورة على الأصل.
إن الشخص الذي ينصرف إلى لهوه، يبرهن على افتقار حادّ للقدرة على قراءة مشاعر الآخرين والتماهي معها. فالمريض في عزلته الاضطرارية يبني «توقّعات عاطفية عالية»، منتظراً لحظة اللقاء ليرمّم انكساره النفسي، وعندما يصطدم ببرودة انشغالك بهاتفك، يغتال هذا السلوك انتظاره الجميل، فتصبح المسافة بينكما أبعد من حدود الغرفة، ويتحوّل الأمل في المواساة إلى خيبة مضاعفة.
لذا، علينا أن ندرك أن أسمى مراتب الحضور هي في «قوّة الصمت الواعي»؛ ذلك الصمت الذي يتخلى فيه الزائر عن ضجيج التكنولوجيا، ليكون بكامل كيانه في حضرة المتألّم. المريض لا يحتاج دائماً إلى كلمات معلّبة أو نصائح طبّية، هو يحتاج إلى «رفقة صامتة» تشعره بأن وجوده وحده يكفي ليكون محور الاهتمام؛ ففي اللحظة التي تترك فيها هاتفك وتصغي بعينيك لأناته، فإنك تمنحه اعترافاً بكرامته الإنسانية، التي يخدشها العالم الافتراضي.
ربما لا نحتاج إلى تعلّم آداب الزيارة من كتب التراث فقط، وإنما من ضمائرنا؛ فالاحترام امتحان أخلاقي، يفرض علينا أن نعرف كيف نكون بشراً حين يتألّم الآخرون. فإذا كان الهاتف أهمّ من المريض، فالأجدر ألا نزوره، لأن الزيارة التي لا تحمل رحمة، ليست زيارة، وإنما إهانة مؤدّبة.
نحن لا نزور المريض لنطمئنّ عليه فحسب، نحن نزوره لنرمّم إنسانيتنا، التي تآكلت خلف الشاشات؛ فإما أن نكون هناك بكلّ جوارحنا، أو لنعترف بأننا فقدنا القدرة على الحضور.



##إدريس_سالم (هاشتاغ)       Edris_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرة الغبار
- انزلاق خارج النهار
- مَن لا يعترف بقوميتي لن أتبنّى هُويّته
- أنوثة محاصرة بالعادات
- «حينما يزهر غصن الألم»: جماليات الألم ومعنى الوجود
- أنطولوجيا الألوهة والسقوط العدمي في «نزوة الاحتمالات والظلال ...
- الصداقة تأمّلات في الحضور والغياب
- نَوْرُوز ليس عيداً عربياً
- اللغة بين القهر والحرّية: أنطولوجيا الهُوية الكوردية
- فردانية العنوان والضمائر واللغة في قصيدة «تناغم بدائيّ بوحشي ...
- أحمد الزاويتي لموقع «سبا»: «هروب نحو القمّة» مرآة لمأزق الهُ ...
- الفنّ الأصيل في مواجهة التلوّث السمعي
- «مرثية الأشياء الصغيرة»: الحنين كهُوية وجرح جمعيّ
- حين يضحك الإنسان الشرقي في جنازته
- مازن عرفة لموقع «سبا»: رواياتي هي «سيرة حياة» الإنسان المدمّ ...
- مازن عرفة لموقع «سبا»: العنف مزروع في ذاكرة «الفرد - الجماعة ...
- «طابق عُلويّ»: الحبّ بوصفه عزلة وجودية
- سربند حبيب: أنا منفيّ داخل المنفى، والوطن أستحضره بذاكرتي ال ...
- «ترانيم التخوم»: رواية الذات المحاصرة بين المُحاكاة والعدم
- مازن عرفة لموقع «سبا»: أكتب، كي أتحرّر من الكوابيس والهلوسات ...


المزيد.....




- بعد 6 أشهر من وقف النار.. الأمم المتحدة تندد بعمليات القتل - ...
- بعد 3 أشهر من اعتقال مادورو.. المعارضة الفنزويلية تطالب بانت ...
- حجم الدمار الهائل يعرقل عمل فرق الإغاثة والإسعاف في لبنان
- الأمين العام للأمم المتحدة -أنطونيو غوتيريش- يرحب بالمحادثات ...
- رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ليورونيوز: الحروب الجارية ...
- مسيرة حاشدة في الأردن تنديدا بإغلاق الأقصى وقانون إعدام الأس ...
- برنامج الأغذية العالمي: لبنان يقترب من أزمة أمن غذائي
- أزمة إنسانية خانقة بلبنان وضغط هائل على فرق الإغاثة
- برنامج الأغذية العالمي يحذر من أزمة أمن غذائي في لبنان بسبب ...
- دماء في غزة وتشكيك في المساعدات: مقتل 5 أشخاص جراء قصف إسرائ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - إدريس سالم - لماذا نزور المرضى؟