إدريس سالم
شاعر وكاتب
(Edris Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 12:21
المحور:
حقوق الانسان
في ليالي الشتاء الطويلة، تتحوّل أبسط المهام اليومية إلى مواقف تكشف عمق الإنسان وأخلاقه، لكنها في الوقت نفسه تعرّي قيود مجتمعنا البطريركي، وعقليته الراسخة في تخلّفها. ذات مرّة، كنت في الطابق الثاني من بيتنا الصغير، أراقب أمّي المنهكة من تعب النهار، وأختي الغارقة في نوم تستعدّ به ليوم عمل جديد. كانت أمّي على وشك أن تغسل الثياب وتعلّقها على الشرفة، لكن المرض والإرهاق حالا دون ذلك، فسمعتها تهمس لأبي بأنها عاجزة عن النهوض. غَفَت بعد لحظات، وبقي صدى تعبها يرنّ في أذني، كأنه تذكير صامت بمسؤولية الإنسان تجاه مَن يحب، ومسؤولية الفرد في مجتمع يربط بين العطاء والضعف.
لم يكن أمامي سوى خيار واحد، فوضعت الغسيل في الغسّالة، وانتظرت حتى انتهى. خرجت إلى الشرفة لنشر الثياب، والساعة تقترب من الحادية عشرة ليلاً. الهواء كان قارص البرودة، والمدينة غارقة في صمت ثقيل، لا يقطعه سوى أزيز الماء ورائحة الصابون. وفي الجانب المقابل، رأيت ثلاثة شبّان يجلسون في الظلام، يدخّنون ويتهامسون. ثم اخترق صمتهم ضحك خافت وتعليقات عابثة ونظرات ماكرة، تسخر من فعل إنساني بسيط، كأنه خروج عن ناموس الرجولة الموروثة. لم ألتفت إلا للحظة، ثم عدت إلى عملي بهدوء. في تلك اللحظة، أدركت أن المسافة بيننا لا تتعلّق بطابق أو شارع، وإنما أكثر من ذلك. إنها مسافة وعي، مسافة تفصل الإنسان عن ظلّه، وتكشف عمق الهوّة بين الفكر والعادة.
يكشف هذا المشهد، بساطة الحياة اليومية، وكيف يمكن لعقلية بطريركية متجذّرة أن تحوّل المروءة إلى ضعف واستهزاء، وأن تسخر من الرحمة، وتحوّلها إلى قيد وخضوع. في هذه البنية، يُفهم الإنسان من خلال موروثات قديمة، تعيد إنتاج السلطة الذكورية على كلّ المستويات. وأولئك الثلاثة ربما هم سخروا مني شخصياً، لكنهم في الحقيقة سخروا من رجولتهم، ومن فكرة الإنسان، التي لم يدركوها بعد. كانت عقولهم أسيرة تصوّرات بدائية، لا تعترف أن الرجولة الحقيقة، تكمن في الرعاية والعطاء والحبّ.
ومع ذلك، واصلت نشر الثياب في ضوء خافت، مبتسماً في صمت، واثقاً أن الغسيل سينشف في الصباح، وأن أمّي ستستيقظ لتجد أن عبء اليوم قد خُفّف عن كاهلها. أما أولئك الشباب، فستظلّ مفاهيمهم رطبة بالجهل، لا يجفّ عنها ثقل الموروثات الاجتماعية. ومن هذا المنظور، تصبح المروءة أعمق من تصديق الآخرين، وتصبح الحرّية أوسع حين لا ننتظر من أحد أن يفهمنا.
إن هذا المشهد الصغير، الذي قد يبدو عادياً، يتحوّل إلى درس إنساني عميق، فقيمة النبل لا تُقاس بالتصفيق، والرحمة الحقيقية تبدأ حين تُمارس بلا انتظار لمكافأة، حين تصبح الحياة اليومية نفسها منصّة للحرّية والتفرّد الأخلاقي.
وفي سياق آخر ومتّصل، هناك مجتمعات تخاف من امرأة/ فتاة تفكّر، أكثر ممّا تخاف من رجل/ شابّ يسرق أو يقتل أو يغتصب، تتجلّى المأساة في أوضح صورها. هناك، يُعامَل الوعي الأنثوي كخطر وجودي، وكأن فكرة تولد في عقل امرأة يمكن أن تهزّ عروشاً من الوهم المتوارث. يُراقَب قلبها لا عقلها، وتُدَان مشاعرها قبل أن تُفهم، ويُكسر قلمها؛ لأنه يجرؤ على كتابة ما يخشاه الآخرون. يمنعونها من الحبّ بحجّة الفضيلة، ومن القراءة بحجّة الحماية، ومن الكتابة بحجّة الحياء. يكمّمون صوتها في مقالة أو قصيدة، أو صورتها في موقع أو صفحة أو جريدة، ليُبقوها ظلّاً باهتاً بلا ملامح، ثم يتغنّون بأنهم يحفظون كرامتها وأخلاقها وشرفها! ذلك المجتمع، في جوهره، يعيش القرون الوسطى في ثوب رقمي أنيق، يُجيد استخدام التكنولوجيا، لكنه يعجز عن ممارسة الوعي. يخاف من النور؛ لأنه يكشف هشاشته، ويخشى الكلمة لأنها تفضح خواءه، ويصرّ على دفن نصف عقله باسم العُرف والحياء. هو مجتمع يخاف من الحرّية؛ لأنها تذكّره بأن العبودية لم تَعُد قدراً، وباتت أقدس من الاختيار.
يعَدّ التخلّف ظاهرة فكرية، قبل أن يكون حالة مادية أو اقتصادية؛ إذ يتجذّر في البنية العميقة للوعي الجمعي، الذي يعيد إنتاج القيم القديمة داخل أطر جديدة. فالمجتمع المتخلّف يُقاس بقدرته على إنتاج إنسان حرّ ومفكّر. حين يخاف مجتمع من فكرة، أو يجرّم رأياً، أو يضع حدوداً للعقل، فإنه في جوهره يعترف بعجزه عن الحوار والمنطق. فالخوف من التفكير هو شكل من أشكال العنف الرمزي، الذي تمارسه الجماعة ضدّ الفرد المختلف، لتبقى البنية السائدة بمنأى عن النقد والمساءلة.
في هذا الإطار، تصبح المرأة معياراً أخلاقياً وثقافياً، لقياس درجة وعي المجتمع بذاته. فالذي يخاف من امرأة تفكّر وتعشق الحياة، إنما يخاف من احتمال زعزعة نظامه الرمزي، القائم على الطاعة والامتثال. يُحاصِر المرأة باسم القبيلة والعشيرة والفضيلة، ويمنعها من ممارسة فعل المعرفة والتحرّر، لأن وعيها يشكّل تهديداً لتوازن القوّة بين الجنسين. هنا يتجلّى التخلّف بوصفه آلية دفاع ضدّ التنوير؛ فكلّ محاولة لتفكيك الصمت تواجَه بالاتّهام، وكلّ تعبير عن الذات يُقرَأ كتمرّد على «الطبيعة» المفترضة للأنوثة.
ويكشف هذا السلوك عن بنية معرفية مغلقة، تربط بين الأنوثة والخطيئة، وبين الحرّية والفوضى. إن المرأة التي تكتب حلمها أو تحبّ حياتها أو تفكّر بمستقبلها، تواجَه كما لو أنها تمارس فعلاً ميتافيزيقياً، يهدّد النظام الأخلاقي القائم. أرى أن المشكلة تكمن في المرأة أيضاً؛ لأنها مستسلمة للواقع الذكوري، الذي يريدها دائماً أن تكون ضعيفة، وفي الوعي الذكوري، الذي اختزل الكينونة الإنسانية إلى ثنائية الخضوع والسيطرة. لذلك، فإنّ تحرير المرأة يبدأ بإزالة القيود القانونية أو الاجتماعية، وإعادة بناء العقل الجمعي، على أسس معرفية جديدة، تعترف بالاختلاف كقيمة وجودية، لا كاستثناء يجب قمعه.
ليس القمع في مجتمعاتنا حكراً على الرجل وحده؛ فالأمّ، في كثير من الأحيان، تتحوّل إلى ظلّ للرجل الغائب، تمارس سلطته باسم الحبّ والحماية، وتعيد إنتاج خوفه تحت لافتة العائلة والسمعة والعادات. تراقب ابنتها كما لو كانت تراقب انحراف قلب، وتمنعها من الاختيار، ظنّاً أن الخبرة تبرّر الوصاية. وكذلك الأخت، التي يُفترض أن تكون مرآة الرفقة، قد تغدو نسخة أخرى من المنظومة ذاتها، تزِن مشاعر أختها بمكيال العيب والخوف، وتقيس حريّتها بمقاسات الطاعة والتقليد. في هذه اللحظة، تفقد السلطة وجهها الذكوري الصريح، لتتجلّى كروح خفية تتوارثها القلوب، فيغدو القامع والمقموع وجهين لجرح واحد، يعيد إنتاج ألمه عبر الأجيال، حتى يصير الخضوع عادة، ويصبح الخوف فضيلة يُلقَّن باسم الأخلاق والنجاة.
إن المجتمعات، التي لا تسمح بتعدّد الأصوات، ولا تقبل النقد، تُنتج أشكالاً جديدة من العبودية الفكرية، مهما بلغت من تقدّم تكنولوجي؛ فالتكنولوجيا في غياب الوعي، تتحوّل إلى أداة لتجميل التخلّف لا لتجاوزه، وحين تُمنَع المرأة من أن تكون ذاتاً مفكّرة، يُصاب المجتمع كلّه بالشلل الإبداعي؛ إذ لا يمكن لعقل أُجبِر نصفه على الصمت أن يُنتج معرفة أو فنّاً أو تقدّماً حقيقياً. الوعي الإنساني لا يتجزّأ، وإقصاء المرأة عن الفعل الثقافي هو إقصاء للإنسان عن ذاته.
من هنا، فإن معركة التحرّر من التخلّف تبدأ بأن تكون معركة وجودية للمرأة أولاً، ومن ثم معركة الفكر ضدّ الجمود، والعقل ضدّ الخوف. فالمجتمع الذي يريد أن يكون معاصراً بحقّ، عليه أن يتجاوز موروثاته القمعية، لا أن يلبسها ثوباً رقمياً جديداً. فالتاريخ يتقدّم بإرادة المعرفة، التي تواجه المألوف، وتعيد تعريف الممكن، ولا يتقدّم بالصدفة أو الاتكالية. إن تحرير الكلمة والفكر هو الشرط الأول لأيّ نهضة إنسانية؛ لأن العقل الحرّ وحده قادر على بناء مجتمع، يرى في المرأة شريكاً في الوعي، لا كائناً يجب أن يُحجَر عليه باسم العُرف أو الفضيلة.
ومن مظاهر هذا التخلّف المتجذّر في الوعي الجمعي، تتجلّى العلاقة الملتبسة بين المجتمع وجسد المرأة. فالرجل الشرقي، في كثير من الحالات، لا يزال ينظر إلى المرأة كمرآة لرجولته، يقيس من خلالها فحولته وكرامته. يتصوّر أن عليها أن تحتفظ ببكارتها قبل الزواج، وكأن الجسد هو المعيار الوحيد للشرف، أو مقياس لبداوته ورجولته. هذه النظرة تنبع من شعور عميق بالحاجة إلى السيطرة، وإلى فرض القيود على الأنوثة؛ كي تبقى مطمئنة في حدود ما يعرفه هو، لا ما تختاره هي.
تتحوّل الحرّية الشخصية للمرأة في ظلّ هذه العقلية، إلى ميدان لقياس الفحولة، وكأن الرجولة تُقاس بمدى امتثال الآخرين لتصوّرات الرجل. لأنه في هذا العالم الضيّق، تصبح العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة قوانين مسبقة، يُسلب فيها الآخر حقّه في الاختيار، ويُثقل بعبء التقاليد والعرف.
لتتجاهل هذه العقلية، أن الإنسان لا يمكن حصره في جسد أو تقليد، وأن الكرامة والاحترام يتجاوزان أيّ معيار جسدي. ذلك أن المرأة ليست رمزاً للتحكّم في الرجولة، ولا أداة لقياس البداوة أو الفطنة الشرقية. فالحرّية الحقيقية تبدأ حين يُرفع القيود عن الأجساد والعقول، وتُعامل النساء كأشخاص متساوين، لا كرموز لقيم الآخرين. وفي هذه الحرّية، يكتشف الرجل ذاته أيضاً، بعيداً عن عقدة التفوّق والسيطرة، فيتعلّم أن الرجولة تكمن في الاحترام، والعطاء، والاعتراف بالآخر.
##إدريس_سالم (هاشتاغ)
Edris_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟