أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إدريس سالم - سيرة الغبار














المزيد.....

سيرة الغبار


إدريس سالم
شاعر وكاتب

(Edris Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


لم أفهم أبي يوماً؛
ذلك الثقب الأسود في مجرّة العائلة، الكائن الذي لم يفكَّ شيفرته أحد، يسكن في فجوة سحيقة بين الصرخة والسكوت. كان يزرع العِناد المسموم في أوردتنا، يبذر ألغاماً موقوتة، ويحقن قراراتنا المصيرية بمصل التردّد، حتى غدونا نمشي على أطراف أصابعنا في حقل من الخوف.

لم أفهم أبي يوماً؛
إنه طاووس جريح، إذا مسّه المرض، استدعى نوحَ المدينة قاطبة، وطلب من المآذن أن تبتهلَ لجسده، بينما هو يكفر بالدواء، ويشتم الهواء، ويرى في الأقراص الملوّنة أبالسة مجهرية تتربّص به. يرفض المشفى كأنه يرفض القيد، ثم يخرج ليعارك العتمة على رصيف بارد، يضرب الحائط بكفّيه، ضرباتٍ إيقاعية تهزّ أركان الوجود، لا ندري أهي طقوس انتقامٍ منّا، أم هي محاولة يائسة لهدم جدار ذاته المتصلّبة. لم يثقْ بنا يوماً، كان يرى في ألمنا لأجله مؤامرة، وفي دمعنا خلف ظهره خيانة.

لم أفهم أبي يوماً؛
مائدته كانت مسرحاً لسريالية الموت البطيء؛ يغمد الخبز في المشروبات الغازية كأنها نبيذ جنائزي، ويغمس التفّاح في السكّر ليعيد اختراع طعم جديد للغواية، يلتهم المعجّنات بشراهة انتحارية، رغم أمعائه التي استقالت من وظيفتها منذ أزل. وفي زاوية ذلك المشهد، تقف أمّي كتمثالٍ من ملح لم يُذِبْه مطرُ الظلم لخمسة عقود. كلّما دخّنت أمامي، نبضتِ الأسئلة في رأسي كمطارق:
أيّ نوع من الأحجار الكريمة أنتِ يا أمّي؟
كيف عبرْتِ نفق الكرباج الأسود حين أجبركِ – أمام عينيّ الطفوليتين – على التهام دخان أربعين سيجارة في نصف ساعة من الجحيم؟
هل كان حبّاً، أم هو انصهار الضحية في جلّادها حتى استحال الفكاك؟
أتساءل في كلّ مرّة يخرج فيها الدخان من رئتيكِ: هل هو زفير الهزيمة، أم بخار الروح التي رفضت أن تنكسر؟

لم أفهم أبي يوماً؛
كان يشنّ الحرب على كلّ ما هو أخضر؛ يزدري الجرجير والسبانخ، يطرد رائحة البابونج والنعناع من مداراته، ويعادي الماء مثل عدوّ لدود. ومع ذلك، كان يخبّئ في سراديبه العميقة حناناً متجمّداً، حناناً لا تراه العين ولا تلمسه الكلمات. لم يقل: «أحبّك يا بُني» يوماً، كانت جافّة ملامحه كصحراء، وشحيحة وعوده كسراب، حتى صرت أفتّش في جيناتي عن ملامحه متسائلاً بذهول: «أهو أبي، أم هو ظلّ غريب استوطن بيتنا؟».

لكنه، وبطريقة لا يفهمها إلا التراب، يظلّ هو الوطن الذي لا نملك حقّ الهجرة منه. يستدرجني من شتاتي إلى ترانيم الأرض، فأراه في صمود الصنوبر رغم يباسه، وفي سلام الزيتون رغم طعمه المرّ. هو الفصل الذي يجمع النقيضين؛ ريح تقتلع الأشجار، ومطر يحيي العظام الرميم، هو الأرض التي نلعن قسوتها، لكننا لا نعرف كيف نتنفّس خارج حدود غبارها. هو أبي الذي لم أفهمه يوماً، ولكنه الممرّ الإجباري الوحيد لكي أكون أنا.

أتركه الآن في سراديبه، حنوناً كقنبلةٍ لم تنفجر، وقاسياً كغيمةٍ بخلت بمطرها لتصون كبرياءها. سأقبل أن أكون امتداداً لظلّه الغريب، ونبضاً في عروقه التي خاصمتِ النقاء لتشرب الشوك؛ فلا حاجة لي لفهم البحر لكي أغرق فيه، ولا حاجة لي لفكّ شيفرة الأب لكي أحمل ملامحه. سأظلّ هكذا، أحبّ فيه ما أكره، وأكره فيه ما أحب، حتى يجمعنا التراب الذي وحده يملك سرّ المصالحة الأخيرة بين السجين وسجّانه، وبين الابن والوطن الذي لا يرحم.


مدينة مرسين
19 آذار، 2026م



##إدريس_سالم (هاشتاغ)       Edris_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انزلاق خارج النهار
- مَن لا يعترف بقوميتي لن أتبنّى هُويّته
- أنوثة محاصرة بالعادات
- «حينما يزهر غصن الألم»: جماليات الألم ومعنى الوجود
- أنطولوجيا الألوهة والسقوط العدمي في «نزوة الاحتمالات والظلال ...
- الصداقة تأمّلات في الحضور والغياب
- نَوْرُوز ليس عيداً عربياً
- اللغة بين القهر والحرّية: أنطولوجيا الهُوية الكوردية
- فردانية العنوان والضمائر واللغة في قصيدة «تناغم بدائيّ بوحشي ...
- أحمد الزاويتي لموقع «سبا»: «هروب نحو القمّة» مرآة لمأزق الهُ ...
- الفنّ الأصيل في مواجهة التلوّث السمعي
- «مرثية الأشياء الصغيرة»: الحنين كهُوية وجرح جمعيّ
- حين يضحك الإنسان الشرقي في جنازته
- مازن عرفة لموقع «سبا»: رواياتي هي «سيرة حياة» الإنسان المدمّ ...
- مازن عرفة لموقع «سبا»: العنف مزروع في ذاكرة «الفرد - الجماعة ...
- «طابق عُلويّ»: الحبّ بوصفه عزلة وجودية
- سربند حبيب: أنا منفيّ داخل المنفى، والوطن أستحضره بذاكرتي ال ...
- «ترانيم التخوم»: رواية الذات المحاصرة بين المُحاكاة والعدم
- مازن عرفة لموقع «سبا»: أكتب، كي أتحرّر من الكوابيس والهلوسات ...
- «بوح الحياة» مرآة للقلق الوجودي والتصدّع الاجتماعي


المزيد.....




- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إدريس سالم - سيرة الغبار