|
|
تفاقم التدهور الاقتصادي والمعيشي بعد الحرب والمخرج
تاج السر عثمان
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:04
المحور:
الادارة و الاقتصاد
١ أشرنا سابقا الي استمرار التدهور الاقتصادي والمعيشي والخدمي بعد الحرب وتزايد تفاقم الوضع مثل العجز الكبير في الميزان التجاري كما في إعلان بنك السودان المركزي في تقريره الاخير، عن اتساع العجز في الميزان التجاري إلى نحو 3.86 مليار دولار، مقارنة بانخفاضه في العام السابق إلى 1.7 مليار دولار فقط.مع استمرار تهريب عائدات الذهب كما أشار البنك المركزي وبحسب البيانات الرسمية، شكّل الذهب أكثر من 58% من إجمالي الصادرات السودانية، حيث بلغت قيمة صادراته 1.536 مليار دولار من أصل 14.7 طن تم تصديرها، في حين بلغ إنتاج البلاد 70 طنًا، ما يبرز حجم التهريب الذي بلغ أكثر من ٧٠٪ مما يحرم الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من المعدن النفيس.مع استمرار انخفاض قيمة الجنية السوداني وارتفاع التضخم والزيادات في الاسعار التي فاقمتها حرب ايران وتراجع الصرف على التعليم والصحة والدواء مع التدهور المستمر في خدمات المياه والكهرباء والانترنت. الخ.اضافة للجبايات التي فاقمت الأزمة كما حدث في معبر ارقين بحلفا التي رفضها أصحاب الباصات وفي سوق مدني التي رفضها التجار ودخلوا في اضرابات رفضا لها. إضافة لتراجع الإنتاج الزراعي الذي يهدد الأمن الغذائي ويضع البلاد على شفا جرف هار من المجاعة. فقد أدت الحرب إلى اضرار بالغة بالقطاع الزراعي في السودان على مدى حوالي ثلاث سنوات. جراء تراحع القدرة الإنتاجية للمشاريع والمحاصيل الزراعية بنسبة فاقت نصف الإنتاج الكلي، بحسب تقارير حكومية ودراسات متخصصة، وكذلك تعرضت البنية التحتية لخسائر جسيمة شملت أنظمة الري والمخازن والآليات، نتيجة القتال المباشر وحملات النهب التي طالت مساحات زراعية حيوية في ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض وجنوب كردفان. ٢ أوضحنا سابقا من ضمن الأسباب التي قادت للحرب الحالية الاستمرار في التبعية الاقتصادية للخارج وعدم السير في نهج التنمية المستقلة التي كانت من أهداف ثورة ديسمبر، وارتباط طرفي الحرب بالمحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب بهدف نهب ثروات البلاد. أصبح السودان أكثر تبعية بعد انقلاب 30 يونيو 1989م الإسلاموي في السودان، ورغم الشعارات الدينية التي رفعها النظام لتحقيق العدالة، الا ان سياسات النظام التي اعتمدت الخصخصة وسحب الدعم عن السلع والخدمات الأساسية، ادت إلى إفقار أغلبية الشعب السوداني حيث بلغت نسبة الفقر أكثر من ٧٠٪، وتصاعد النشاط الطفيلي وتدهور الانتاج الصناعي والزراعي والخدمي،وتزايدت الهجرة من الأرياف الي المدن وإلى خارج السودان، وتم تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي وتهريبه للخارج كما في عائدات البترول والذهب، والاستثمار في العقارات والمضاربة في الأراضي ونهب اراضي الدولة من خلال تقارير الفساد التي تزكم الأنوف.الخ، وتم نهب عائدات الذهب. ولم ينعكس استخراج البترول علي حياة المواطنين العادية، بل تم نهب عائداته من قبل الطفيليين الإسلامويين والتي تقدر بأكثر من ١٠٠ مليار دولار، ولم ينعكس البترول على الزراعة والصناعة وتوفير ودعم خدمات التعليم والصحة، بل تدهورت تلك الخدمات إلى درجة الانهيار التام، واي تنمية يمكن تحقيقها بدون تعليم وصحة؟. هذا الفشل هو إمتداد اشمل واعمق للتجارب التنموية السابقة في البلاد والتي فشلت في تجديد البلاد ووضعها على أعتاب المجتمع الصناعي الزراعي المتطور، رغم عراقة شعب السودان وحضارته القديمة التي كانت لا تقل تطورا عن الحضارات المعاصرة لها، كما تم الفشل في ترسيخ الديمقراطية والسلام ورفع مستويات المعيشة والارتقاء بخدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه والانترنت، وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للتنمية، وأصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا في العالم، ورغم إمكانياتها ومواردها الزراعية والحيوانية البترولية والمعدنية والسياحية، وما زالت مهام التنمية قائمة تنتظر الإنجاز في ظروف عالمية (العولمة) وداخلية معقدة. ٣ بعد قيام ثورة ديسمبر سارت حكومة حمدوك في سياسة التحرير الاقتصادي امتدادا لسياسة النظام البائد ، بعد أن ضرب عرض الحائط بمقررات المؤتمر الاقتصادي وهي التي قادت الي الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والضائقة المعيشية، اضافة لانفلات الأمن، وعدم المؤسسية، والانحراف عن إنجاز مهام الفترة الانتقالية، وخرق الوثيقة الدستورية “المعيبة”، حتى انقلاب 25 أكتوبر الذي قاد للحرب الحالية. ٤ من المهم بعد وقف الحرب الخروج من الحلقة الجهنمية للانقلابات العسكرية، ومن السياسات الاقتصادية التي عمقت الفقر والتخلف الاقتصادي وكرست الفوارق الطبقية. وذلك بالسير في نهج التنمية المستقلة، فماذا نقصد بالتنمية المستقلة؟ عندما نتحدث عن التنمية ننطلق من الواقع في تجلياته وتحولاته المختلفة، كما أن طرق التنمية متعددة ويتم فيها تفاعل بين الأصالة والمعاصرة، كما أنه عندما نتحدث عن تنمية مستقلة، لايعني ذلك الانعزال عن العالم، كما أن طريق التنمية الرأسمالية الذي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال كان فاشلا، وان هذا الطريق استند على النظريات الغربية حول مفاهيم التخلف والتنمية، وعجزت تلك النظريات عن تفسير التخلف وأهملت الطبيعة الخاصة للبلاد المتخلفة وتراثها وتقاليدها وظروفها الخاصة، ومن خلال النقد للفكر الاقتصادي الغربي التقليدي وفشل مفاهيمه ومقولاته حول التخلف والنمو وعجزها عن تفسير التخلف، ظهرت دعوات بديلة للتنمية المستقلة على النحو التالي: -الاعتماد على النفس في مواجهة الاعتماد فقط علي المعونات والقروض والاستثمارات. -التوجه الداخلي للتنمية في مواجهة انقسام الاقتصاد الي قسم حديث مرتبط عضويا، وقسم (تقليدي) وتسمى أحيانا تنمية متمحورة حول الذات . -الوفاء بالاحتياجات الأساسية في مواجهة اثراء الأقلية وفقر الأغلبية. -التنمية البيئية في مواجهة نهب الموارد الطبيعية حتي الاستنفاد. -وفي مواجهة النظم الديكتاتورية الشمولية، ظهرت فكرة الديمقراطية ومشاركة الجماهير باعتبارها الشرط لنجاح التنمية. -التكنولوجيا الملائمة في مواجهة الانبهار بأحدث تكنولوجيا العصر. -بناء قاعدة علمية وتكنولوجية وطنية في مواجهة التبعية الناشئة عن الاعتماد على استيراد تقنيات الانتاج. -الأصالة والهوّية الثقافية والحضارية في مواجهة الذوبان في الثقافة أو الحضارة الغربية. – الانفلات الجزئي عن الدوران في مسار او فلك النظام العالمي. -الاستقلالية بمعنى انتقال مركز صنع القرار من الخارج إلى الداخل. وعندما نتحدث عن التنمية في السودان نأخذ في الاعتبار الآتي:- أ- السودان دولة متعددة الثقافات والأديان والمناخات والأعراق، ويتميز بمستويات متباينة ومتعددة في أنماط المعيشة قوى الانتاج وعلاقات الانتاج، وهذا الوضع له انعكاسه في بنية المجتمع الفكرية والثقافية والايديولوجية ويؤثر على تطوره السياسي. تأخذ التنمية في الاعتبار هذا الواقع باعتباره مصدر غني واخصاب، وبالتالي يكون النظام السياسي والاجتماعي والثقافي متوافقا مع هذا التعدد، وأن وحدة وتكامل السودان تتم من خلال التنوع واحترام حق كل شعب في تطوير ثقافته وممارسة شعائره الدينية ومعتقداته، وأن يتم التعبير عن ذلك في دستور ديمقراطي يجسد هذا الواقع. ب- لا يمكن الحديث عن التنمية دون أخذ خصائص وموروثات شعب السودان وتقاليده ودمجها في البناء الثقافي العام، لمساهمته المتميزة في مجرى الحضارة العالمية، تلك الخصائص التي تنطلق من واقع السودان العربي- الافريقي وتعدد دياناته (الإسلام، المسيحية، وكريم المعتقدات)، دون ان يعني ذلك الانغلاق باسم الخصوصية المحلية، ولكن بهدف التطلع إلى الأمام والمستقبل. ج- اعادة بناء الاقتصاد السوداني على أساس إعطاء الأسبقية للإنتاج الصناعي والزراعي والحيواني، وتشجيع الرأسمالية المنتجة، سواء كان ذلك في قطاع الدولة أو الخاص اوالتعاوني، والقضاء على النشاط الطفيلي الضار بالحياة والمجتمع والفكر والثقافة. د- بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تكفل الحقوق والحريات الأساسية واحترام المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق وحريات الانسان، وذلك شرط هام للتنمية والسلام وتوحيد الوطن على أسس طوعية وديمقراطية. ه- لا يمكن الحديث عن التنمية دون الديمقراطية ، وإشراك أوسع قطاعات الجماهير في عملية التنمية نفسها التي تهدف الي نهضة البلاد الاقتصادية والإجتماعية والثقافية وتوفير احتياجات الإنسان الأساسية(تعليم، صحة، كهرباء، مياه.الخ)، واحداث التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة. ويبقى من المهم تصعيد العمل الجماهيري باعتباره الحاسم في وقف الحرب واستعادة مسار الثورة وقيام الحكم المدني الديمقراطي وتفكيك التمكين وإعادة ممتلكات الشعب المنهوبة وعدم الإفلات من العقاب والترتيبات الأمنية لحل كل المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش القومي المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية وقيام علاقات خارجية متوازنة مع كل دول العالم بعيدا عن الأحلاف العسكرية.
#تاج_السر_عثمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في ذكراه ال ٨٠ كيف كانت خطة الحزب الشيوعي لاسقاط ن
...
-
معا لوقف تصاعد جرائم الحرب
-
كيف قطعت الحرب النهوض الجماهيري ضد انقلاب ٢٥ أكتوب
...
-
رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
-
في ذكراه ال ٨٠ كيف كانت تجربة مشاركة الحزب الشيو
...
-
دعم مبادرة توحيد امتحانات الشهادة السودانية لضمان وحدة البلا
...
-
الذكرى ٤١ لانتفاضة مارس - أبريل ١٩
...
-
حول عودة لجنة التفكيك ودروس التجربة الماضية
-
كيف كانت ذكريات اخر العلاج الكي؟
-
الذكرى السابعة لمجزرة فض الاعتصام
-
تداعيات ونزيف حرب ايران
-
كيف كانت الهوية السودانية نتاجا لتطور تاريخي؟
-
كيف تميزت تجربة الإخوان في السودان بالإرهاب؟
-
كيف كان الصراع حول الأرض في السودان؟
-
الذكرى ١٤٣ لرحيل كارل ماركس
-
كيف بدأت حركة تحرير ونهضة المرأة السودانية في فترة الحكم الب
...
-
كيف يسهم العامل الثقافي في تحرير المراة؟
-
حول إعلان الخارجية الأمريكية تصنيف الإخوان جماعة ارهابية
-
كيف كانت انتفاضة مارس أبريل نتاجا لتراكم نضالي؟
-
آثار حرب إيران وموقعها في الصراع الدولي حول الموارد
المزيد.....
-
خارطة عقارات الإمارات تتوسع بمشاريع ملياريه ومبيعات قوية
-
التصعيد في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية العالمية
-
أسعار النفط ترتفع إلى أكثر من 116 دولاراً للبرميل
-
انكسار النموذج الاقتصادي: الإمارات تواجه خسائر مليارية بعد ش
...
-
مجلس الوزراء: ثقة العالم في الإمارات راسخة
-
كنوز الغاز الأفريقية.. هل تنقذ أوروبا من أزمتها؟
-
الحكومة العُمانية تعلن إتمام الاستحواذ على شركة طيران السلام
...
-
النفط يصعد بعد تهديدات ترامب بالسيطرة على جزيرة خرج
-
الحرب تضرب قطاع البتروكيماويات.. ما القصة؟
-
رويترز: من المتوقع عودة الإنتاج بحقل الشرارة الليبي إلى مستو
...
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|