أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد مظهر غالي - الحرب التي لم تُعلن: في تآكل المعنى وانسحاب السلطة














المزيد.....

الحرب التي لم تُعلن: في تآكل المعنى وانسحاب السلطة


أحمد مظهر غالي
باحث و كاتب , ماجيستير في علم نفس التاريخ PSYCHOHISTORY

(Ahmed Mazhar Ghaly)


الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 13:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كيف تحوّل قرار الحرب من تفويض دستوري جماعي إلى إيماءة (gesture) بلا أثر، مع هيمنة القرار الرئاسي على مسرح الأحداث ؟.

عندما تُقصف دولة في لحظة، ويُقتل زعيمها بقرار لا يمر عبر نقاش عام ولا تصويت تشريعي، فإن ما يحدث لا يكون مجرد حدث عسكري عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة السلطة نفسها: مَن يقرر الحرب، ومَن يملك حق تعريفها، ومَن يمتلك الجرأة—or ربما القدرة—على مساءلة هذا القرار؟

يبدو السؤال، للوهلة الأولى، قانونيًا بحتًا. لكن سرعان ما يتضح أنه أعمق من ذلك بكثير. فحين تنفذ الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد دولة ذات سيادة—سواء كانت إيران أو ليبيا أو غيرهما—فإننا لا نكون أمام “عملية محدودة” أو “تحرك تكتيكي”، بل أمام ما يسميه الدستور باسمه الصريح: حرب.

ومع ذلك، فإن هذا الاسم تحديدًا هو ما جرى تفريغه تدريجيًا من معناه، أو على الأقل من تبعاته السياسية والأخلاقية.

في النص الدستوري، تبدو الصورة واضحة إلى حد يكاد يكون بدهيًا: الكونغرس هو مَن يعلن الحرب، والرئيس ينفذها. لم يكن هذا التوزيع مجرد مبدأ نظري، بل كان مدعومًا بآليات مادية صارمة. ولم يكن هناك جيش دائم يمكن للرئيس أن يحركه بإرادته المنفردة، ولم تكن هناك حرب يمكن أن تستمر دون تمويل يمر عبر المؤسسة التشريعية.

كانت الحرب، بهذا المعنى، قرارًا جماعيًا، ليس فقط من حيث الشكل، بل من حيث البنية التي تجعل استمرارها ممكنًا.

لكن هذه الصورة بدأت تتآكل مع تحولات القرن العشرين، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. فمع نشوء الدولة الأمنية الحديثة، لم يعد الرئيس بحاجة إلى انتظار أحد.

الجيوش قائمة، القواعد منتشرة، والقدرة على الضرب الفوري أصبحت جزءًا من بنية الدولة نفسها. وهكذا، تحوّل ما كان يُفترض أن يكون استثناءً—أي التحرك العسكري السريع—إلى قاعدة غير معلنة، تعمل في الخلفية دون أن تُعلن نفسها كتحول جذري.

قد جاء قانون سلطات الحرب لعام 1973 كمحاولة متأخرة لإعادة ضبط هذا الاختلال. حيث كان ردًا على تجاوزات إدارة ريتشارد نيكسون، التي وسّعت حرب فيتنام سرًا عبر قصف كمبوديا ولاوس، وقد وضع القانون قيودًا تبدو، على الورق، حاسمة:

إخطار خلال 48 ساعة، مهلة 60 يومًا، وضرورة الحصول على تفويض تشريعي لاستمرار العمليات.

كان ذلك، في جوهره، محاولة لإعادة إدخال الزمن السياسي—زمن النقاش والمساءلة—إلى قرار الحرب، بدل تركه خاضعًا لإيقاع السرعة التنفيذية.

غير أن ما حدث لاحقًا لم يكن تطبيقًا للقانون بقدر ما كان سلسلة من الطرق والحيَل للالتفاف عليه، ولم يكن التجاوز دائمًا صريحًا؛ بل غالبًا ما اتخذ شكل إعادة تفسير.

في كوسوفو عام 1999، استمرت العمليات رغم انقضاء المهلة القانونية. وفي ليبيا عام 2011، ظهر تحول أكثر دلالة حيث لم تعد المشكلة في خرق القانون، بل في إعادة تعريف الواقع نفسه.

لم تعد الضربات الجوية تُعتبر “أعمالًا قتالية” بالمعنى الذي يستدعي تطبيق القانون، لأنها—كما قيل—محدودة، ومنخفضة المخاطر، ولا تتضمن انخراطًا بريًا واسعًا.

هنا، لا يجري فقط تجاوز النص، بل إعادة تشكيل اللغة التي يقوم عليها، فالحرب لم تعد حربًا، بل “مهمة”. والقصف لم يعد قتالًا، بل “عملية دقيقة”، وكأن تغيير الاسم يكفي لتغيير الطبيعة، أو على الأقل لتأجيل الاعتراف بها. لكن اللغة، مهما بلغت قدرتها على التجميل، تظل عاجزة عن محو الواقع الذي تشير إليه.

في هذه النقطة تحديدًا، تكتسب قراءة Noah Feldman أهمية خاصة، فهو لا يرى المشكلة في تجاوز الرؤساء للنصوص فحسب، بل في تحوّل أعمق وهو تراجع إرادة الكونغرس نفسه.

فلم يعد الأمر مجرد صراع بين سلطتين، بل نوع من الانسحاب الهادئ من جانب المؤسسة التي يفترض أن تمارس الرقابة، وبين الحسابات الحزبية والخوف من تحمّل المسؤولية، أصبح الاعتراض في كثير من الأحيان مجرد *gesture* (إيماءة رمزية)، أي فعل يحمل شكل الرفض دون أن يمتلك قوة التأثير الفعلي.

هنا تتكشف مفارقة دقيقة: النظام لا ينهار عبر خرق مباشر، بل عبر سلسلة من الإيماءات الرمزية التي تحافظ على شكله بينما تُفرغ مضمونه. فحين يعترض الكونغرس دون أن يفرض، ويُصدر بيانات دون أن يقيّد، فإنه يظل حاضرًا من حيث الشكل، غائبًا من حيث الفعل. بهذا المعنى، فإن ما نشهده ليس مجرد انحراف عن القاعدة، بل تشكل قاعدة جديدة. قاعدة لا تُعلن رسميًا، لكنها تُمارس باستمرار: حيث يمكن للرئيس أن يشن حربًا، طالما استطاع أن يسميها بشيء آخر، أو أن يُبقيها ضمن حدود زمنية أو تقنية تسمح بتجنب المساءلة. ومع كل سابقة جديدة، يترسخ هذا الواقع أكثر، حتى يصبح هو القاعدة التي يُقاس عليها.

مع ذلك، تظل هناك حدود لا تستطيع اللغة تجاوزها. فالحرب، مهما تغيّرت تسمياتها، تظل حدثًا يحمل في داخله إمكانية التصعيد، وخطر الرد، واحتمال الانزلاق إلى صراع أوسع لا يمكن التحكم في مساره بسهولة.

لا يمكن لأي توصيف قانوني أو لغوي أن يضمن بقاء الحرب “محدودة” إذا قررت الأطراف الأخرى توسيعها.

وفي اللحظة الراهنة، ومع الضربات على إيران، يبدو أن هذه التناقضات بلغت درجة من الوضوح يصعب تجاهلها. فحتى لو كانت العمليات قصيرة الأمد، فإن طبيعتها تكشف عن خلل أعمق في توزيع السلطة.

لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه حربًا—فهذا يكاد يكون بديهيًا—بل ما إذا كان هناك، فعليًا، إطار مؤسسي قادر على التعامل معها كحرب.

في النهاية، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان يجب على الكونغرس أن يستعيد سلطته، بل ما إذا كانت هذه السلطة لا تزال قابلة للاستعادة أصلًا. فحين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، لا يعود الخرق مجرد خرق، بل يصبح نظامًا قائمًا بذاته. وعند هذه النقطة، لا يكون فقدان التوازن الدستوري مجرد مشكلة قانونية، بل تحولًا في طبيعة النظام السياسي نفسه—تحولًا يحدث بصمت، لكنه يعيد رسم حدود السلطة بعمق، وربما على نحو يصعب التراجع عنه.



#أحمد_مظهر_غالي (هاشتاغ)       Ahmed_Mazhar_Ghaly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التوصيف والتشخيص الإكلينيكي الدقيق لحالات -المَس-
- اليهودية والإثنولوجيا: التوتر بين السردية الدينية والعلم الأ ...
- الأزمات المُدارة: قراءة سياسية في جدل قانون الإيجار القديم ف ...
- أمريكا بين الداخل والخارج: رصاص في المدارس… وتبريرٌ للمجازر
- عقدة -مازيبا- ... Le complexe de Mazeppa
- عقدة (مازيبا) ... Le complexe de Mazeppa
- فيلم -حياة الماعز- The Goat life اختبار للعلمانية بمفهومها ا ...
- عزيزي تذكر الإخواني والأصولي ليسوا في غزة فقط ..
- أسباب الانقسام السُني الشيعي من وجهة نظر التحليل النفسي
- الفلسطينية سما عبد الهادي أميرة موسيقى التيكنو Techno music ...
- براغماتية المملكة العربية السعودية إلى أين ؟ مشروعها النووي ...
- براغماتية المملكة العربية السعودية في تحقيق طموحاتها إلى أين ...
- نظنها دائرة وهو ملك من الملائكة


المزيد.....




- كيف استطاعت رئيسة وزراء اليابان كسب ودّ ترامب؟
- نيران مشتعلة وحطام متناثر.. صواريخ إيرانية تُلحق أضرارًا بسي ...
- مسؤول إسرائيلي: التوصّل لاتفاق يُنهي الحرب مع إيران -لا يبدو ...
- تصعيد متواصل في لبنان.. وماكرون يحذر إسرائيل: أي احتلال لا ي ...
- الحرب في الشرق الأوسط.. هجمات على منشآت للطاقة في إيران والخ ...
- -تأهب كامل-.. قصف صاروخي من العراق على قاعدة للجيش السوري قر ...
- هجمات إسرائيلية على منشآت الطاقة الإيرانية وطهران ترد على تل ...
- حطام مشتعل بعد تحطم طائرة نقل عسكرية كولومبية
- انفجار هز نوافذ تكساس.. مصفاة -فاليرو- تشتعل والسلطات تأمر ب ...
- ميرتس يرفض قيام بوتين بدور الوسيط بين إسرائيل وإيران


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد مظهر غالي - الحرب التي لم تُعلن: في تآكل المعنى وانسحاب السلطة