أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - زاويةُ -الطيلمون-: حيثُ يلتقي الكرمُ بالأصالةِ الليبية














المزيد.....

زاويةُ -الطيلمون-: حيثُ يلتقي الكرمُ بالأصالةِ الليبية


محمد خالد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 00:36
المحور: الادب والفن
    


في ممراتِ الذاكرة (أواخر التسعينيات)
في الركنِ الشرقيِّ من ليبيا، حيثُ يمتدُّ الأفقُ ألفَ كيلومترٍ بعيداً عن العاصمة طرابلس، تتربعُ منطقةُ "الطيلمون" كجوهرةٍ هادئةٍ في محيط مدينةِ سلوق التابعةِ لمدينة بنغازي. هناك، في تلك الأريافِ التي تعانقُ رمالَ الباديةِ وزرقةَ المتوسط، وجدتُ نفسي في أواخر التسعينياتِ أمامَ نموذجٍ حيٍّ من الكرمِ العربيِّ الذي ظننتُه قد تلاشت ملامحُه في زحمةِ العصر.
في رحاب "زاوية الطيلمون"
لم تكن الطيلمون مجردَ قريةٍ على الخارطة، بل كانت "زاويةً" للقيمِ والمروءة. وحين سألتُ عن سرِّ هذا التناغمِ الاجتماعي، قيل لي إنَّ الاسمَ مشتقٌ من "الزوايا"؛ تلك المنابرِ القديمةِ التي كانت تُعلّمُ القرآنَ الكريم، فصارت "زاوية الطيلمون" بمثابةِ الروحِ التي تُوجّهُ بوصلةَ العشائرِ هناك، من "العشيبي" و"العمّاري" إلى "الفاخوري" و"العاقوري" و"الفلاحي". وغيرها .
كانت العشيرةُ هنا سياجاً يحمي الضيفَ ويُعلي من شأنِ الجار.
رمضان: جدولٌ للمحبة

في هذه الرقعةِ الجغرافيةِ التي تبعدُ مسافاتٍ طوالاً عن مركزِ البلاد، كان رمضانُ طقساً من طقوسِ التكافل. لم يكنِ المدرسون العربُ، وخاصةً نحن "العراقيين"، غرباءَ في ديارِ "الطيلمون"؛ بل كان أهلُها يُعلّقون جداولَ دقيقةً، تُنظّمُ مَنْ مِن العائلاتِ سيحظى بشرفِ استضافةِ المعلّمِ على مائدةِ الإفطار.
كانت المائدةُ تبدأُ بالتمرِ واللبن، اتباعاً لسنةٍ وملاذٍ طبيٍّ سليم، ثم ينثالُ الحساءُ (المرق) الذي يدفئُ القلوبَ قبل البطون، يتبعهُ اللحمُ سيداً للمائدة، وتتراقصُ في الأطباقِ ألوانُ السلطاتِ والبطاطا، وتتوسطُ المائدةَ لفائفُ الطعامِ التي تتباهى بمذاقها، بينما يظلُّ "شاي الرغوة" الليبيّ هو طقسَ الختامِ الذي لا يكتملُ بدونهِ حديثُ الأمسيات.
إرثٌ محفورٌ في التراب
في أريافِ الطيلمون، لا تمرُّ المناسباتُ عابرةً؛ فذبحُ الخرفانِ عند قدومِ مولودٍ هو إعلانٌ عن فرحٍ جماعي، ومآدبُ الأعراسِ هي عرسُ القريةِ بأكملها، حيثُ يشاركُ أهلُ العروسينِ في إطعامِ الناسِ كرمًا ومودة. وفي عيدِ الأضحى، تشتعلُ البيوتُ بذبحِ الأضاحي، وتُفتحُ الأبوابُ مشرعةً لزوارِ الصباحِ الذين يتبادلون صحونَ الشوربةِ في مودةٍ لا تعرفُ المسافات.
ذكرى لا تمحوها السنون
إنَّ "الطيلمون" وسلوق، اللتين تقعان في هذا العمقِ الليبيِّ الشرقي، تحملانِ في ثناياهما تاريخاً شاهداً؛ ففي ساحةِ سلوقَ القريبةِ جداً، أعدمَ الاستعمارُ الإيطاليُّ شيخَ الشهداءِ "عمر المختار". لتبقى هذه الأرضُ -التي تبعدُ ألفَ كيلومترٍ عن العاصمة-طرابلس
شاهدةً على أنَّ التاريخَ لا يكتبُه الأقوياءُ فحسب، بل يكتبه الصامدون الذين يعرفون كيف يمنحون الضيفَ خبزاً، ويمنحون التاريخَ بطلاً.



#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترنيمة الغياب
- رسالةٌ في أفقِ النجم
- مرآة الحرف
- خريف الأماني
- بلادي.. أمنيةُ الغد
- مَزادُ الذِّمَم
- مكرُ الثعالب
- أدبُ الحوار
- في قبضةِ الزيفِ
- من شرفة الذكريات
- تراتيل الآه
- أناتُ الوطن
- زَمَنُ الحِرْبَاء
- مواكب الكرامة
- مُتّكِئُ الأوهام
- حَقائبُ الرَّحيل.. وأثرُ الوفا
- ذاكرةُ العصافيرِ المخنوقة
- مَرثيّةُ العهدِ المُرّ (عراق ٢٠٠٣)
- مَرافئُ الغُربة
- حوار القنديل


المزيد.....




- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...
- حرب إيران.. اتهامات لترمب بتجاوز القانون واعتراف البنتاغون ي ...
- فهد الكندري.. صوت من السماء يزين ليالي رمضان بالكويت
- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر
- -أمير الغناء العربي- يصارع الوعكة الأشد.. نزيف مفاجئ يدخل ها ...
- لغة الفن العابرة للحواجز والحدود من غزة إلى لندن عبر لوحات م ...
- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق
- 13 رمضان.. من عهدة الفاروق بالقدس إلى دماء -مراد الأول- بالب ...
- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - زاويةُ -الطيلمون-: حيثُ يلتقي الكرمُ بالأصالةِ الليبية