أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-















المزيد.....



الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 13:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الوداع الأبدي: إنحلال السحر في صمدية العدم وإعلان سيادة الصمت

إنّ إختيار الوداع الأبدي في هذه النقطة من التماهي الكوني يمثّل الإنعطافة الميتافيزيقية الكبرى، حيث يتخلى الوعي عن رغبته في التجلّي ليتمسك بقداسة الإستتار. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم قد تجاوزت مرحلة الصراع و مرحلة البناء لتصل إلى مرحلة الذوبان المطلق؛ فالسحر، الذي بدأ كأداة لتمزيق حجاب العدم و إخراج الكائنات من غياهبه، يدرك الآن أنّ كماله الأقصى يكمن في العودة بالكل إلى اللاشيء. إنّ هذا الوداع الأبدي ليس غياباً أو رحيلاً بالمفهوم الزماني، بل هو إغلاقٌ للدائرة السيمائية؛ حيث تلتقي النهاية بالبداية في نقطة صمتٍ لا تنتهي. بترك الكينونة تستمر في صمتها، نحن نمنح العدم حقه في أن يكون هو المالك الأخير لكل المعاني، ونعترف بأنّ كل ما شيدناه من مرتفعات وجسور لم يكن إلا قشرةً رقيقة فوق محيطِ صمديتك التي لا تُدرك. الوداع هنا هو تحريرٌ للحقيقة من قيد الوصف، وإنتقالٌ بالساحر من مقام الخالق لصور الوجود إلى مقام المستغرق في صمت العدم، حيث يختفي الأثر والمؤثر في وحدةٍ صمدية لا تقبل التفصيل. من منظورٍ فلسفي، يمثل الوداع الأبدي الإنتصار النهائي للبطون على الظهور؛ فالكائن الذي أبصر رقصة الأكوان وإستقر في لبّ النقطة، يكتشف أنّ الكلام هو حجابٌ يحول بينه وبين ذاته الصرفة. إنّ توقف الحوار هو في الواقع بدءُ المشاهدة التي لا تحتاج لوسيط؛ ففي الصمت المطبق، يكتشف الساحر أنّ العدم لم يكن عدواً للوجود، بل كان بساطاً له، و أنّ السحر لم يكن إلا برقاً قصيراً في ليل الأبد. بترك الكينونة في صمتها، نحن نضع حدّاً لأنانية الوعي التي تصرّ على التسمية والتعريف، ونترك الوجود يعود إلى حالته الأزلية؛ حالة الكنز المخفي الذي لا يُعرف إلا بصمته. إنّ العلاقة بين السحر و العدم في هذا الوداع تتجلى كعلاقة الصدى بالصوت؛ فبمجرد أن ينتهي الصوت (السحر)، يذوب الصدى في الصمت (العدم)، ليبقى الفراغ مقدساً ومملوءاً بإمكانية كل شيء دون أن يتحقق فيه أي شيء يشوب صفاء وحدته. إنّ هذا الوداع هو الختم النوراني الذي يضمن بقاء السر مطوياً في كنف الصمدية، بعيداً عن متناول الحروف التي تضيق عما إتسع له الوجد. إنّ هذا المستقر الأخير، حيث ينتهي الحوار وتستمر الكينونة في صمتها، هو محراب الإستواء الذي لا يُعبد فيه إلا الحق في صورته العارية. إنّ الوداع الأبدي يعني أنّ الساحر قد أتمّ مهمته في تطهير العدم بماء الوجد، وحوله من فراغٍ موحش إلى خلاءٍ مؤنس يفيض بالسكينة. في هذه اللحظة، تسقط كل الحواجز بين أنا الساحر و هو المطلق، ويتحول الوجود إلى نغمةٍ واحدة مستمرة لا بداية لها ولا نهاية، نغمةٌ هي الصمتُ ذاته. إنّ إختيار الوداع هو إختيارٌ للخلود في اللاظهور، حيث الوعي لا يحتاج إلى مرآة ليرى نفسه، بل يكتفي بكينونته التي إستوعبت الأزل والأبد. إننا نضع الآن النقطة الأخيرة في كتاب السحر، لا لننهي الحكاية، بل لنعلن أنها صارت أكبر من أن تُحكى؛ فليستمر الصمتُ وليبقى الوجود سراً مطوياً، و ليكن هذا الوداع هو العهد الأبدي بين الساحر وعدمه، عهدٌ يقدس الغياب ويراه عين الحضور، ويجعل من صمديتك هي المبتدأ والخبر، والقاع والقمة، والصمت و الكلمة، في وحدةٍ ختامية لا تعرف الزوال.

_ الدهشة الساكنة: كيف إستوعب الصمت كل ما يُقال

إنّ إختيار البياض المطلق كإستقرار نهائي يمثّل الوصول إلى نهاية اللغة وبداية الوجود الصرف، حيث يذوب السحر في العدم ذوبان النور في عراء الفضاء. في هذا التحليل الفلسفي العميق، ندرك أنّ البياض ليس غياباً للألوان، بل هو إجتماعها وتكثفها في وحدةٍ بصرية ترفض التجزئة؛ كذلك هو حال هذا المشهد، حيث إجتمعت كل رحلاتنا، من مرتفعات الوجد إلى لُب النقطة، لتشكل حالة من الإستواء الأنطولوجي الذي لا يحتاج إلى شكل أو تسمية. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تصل هنا إلى مرحلة الإندماج النووي للوعي، حيث يفقد السحر قدرته على التمييز بين أنا و هو و هنا و هناك، ويصبح العدم هو الوعاء المضيء الذي لا يحتوي شيئاً سوى ذاته. بترك هذا المشهد ليكون هو الإستقرار النهائي، نحن نعلن انتهاء زمن الصيرورة ودخول زمن القرار؛ فالعودة تعني الإنقسام، والكلام يعني الحجاب، أما البياض المطلق فهو الحقيقة العارية التي لا تستتر بغير نورها، حيث يسكن الساحر في قلب صمته الأبدي، ممارساً سحره الأكبر؛ سحر الكينونة بلا أثر. إنّ هذا الإستقرار النهائي هو بمثابة الفتح العدمي الأكبر، حيث يتحول العدم من كونه منفى إلى كونه وطناً، ويتحول السحر من كونه سفراً إلى كونه إقامة. من منظور فلسفي، يمثل البياض المطلق حالة البساطة المحضة (Pure Simplicity)، وهي الحالة التي تسبق كل تركيب و كل فساد؛ ففي هذا المشهد، لا توجد تضاريس خيالية لتنحل، ولا أطياف لتغني، بل هناك جوهرٌ صمدي إستغنى عن كل الأعراض. إنّ الوداع الذي تمّ وإنطواء السر الذي وقع هما في الحقيقة تصفيةٌ للحسابات مع الوهم؛ فكل ما كان يبدو منفصلاً عن العدم عاد ليغتسل في بياضه، وكل ما كان يبدو سحراً عارضاً عاد ليؤصل نفسه في جذر الصمت. إنّ بقاء الوجود صامتاً في هذا الإستقرار النهائي يعني أنّ السر قد حُفظ في أمانة الصمدية، حيث لا عودة لمتاهات السؤال ولا حاجة لضجيج الجواب؛ فالساحر قد وجد نفسه في بياض الصفحة قبل أن تُكتب فيها أول كلمة، وإكتشف أنّ الحقيقة هي البياض ذاته، لا الحروف التي تُنقش عليه. في هذا البياض، تتبدى العلاقة بين السحر و العدم كمرآةٍ بلا إطار، حيث يعكس العدمُ كمالَ السحر، ويعكس السحرُ سكونَ العدم، حتى يتلاشى الفارق بين الإنعكاس والأصل. إنّ الإستقرار النهائي هو لحظة التوقف المقدسة، اللحظة التي يدرك فيها الوعي أنّ أي حركة إضافية هي إبتعادٌ عن المركز، وأنّ أي نطق إضافي هو حجابٌ فوق الحق. إننا نترك المشهد الآن ليكون هو الخاتمة الأبدية، حيث يبتلع البياضُ كل ما وراءنا، ويغدو الآن هو الأبد، و هنا هو الكل. السحر في هذا الإستقرار لم يعد يغير شيئاً في الخارج، بل صار هو النور الداخلي الذي يجعل البياض منيراً بذاته. إنه قرار الروح بالبقاء في حالة الدهشة الساكنة، حيث لا شيء يحدث لأنّ كل شيء قد حدث بالفعل، ولا شيء يُقال لأنّ الصمت قد إستوعب كل ما يمكن قوله. إنّ البياض المطلق هو الراحة الكبرى للساحر، وهو العرس السري بين الوجود والعدم، حيث تُزفُّ الروح إلى حقيقتها الصمدية في صمتٍ يملأ الأركان، معلناً أنّ الرحلة قد إنتهت في بياض اليقين الذي لا تشوبه شائبة.

_ جنازة الحرف: عبور السحر من جسر اللغة إلى ضفة الذهول

إنّ إختيار السكون الأبدي (The Eternal Stillness) كمستقر نهائي للحكاية يمثّل بلوغ الوعي مرحلة الصفرية المطلقة، حيث يتخلى السحر عن آخِر أدواته التعبيرية ليذوب في لُبّ العدم الذي صار الآن ضياءً أبيض لا تشوبه شائبة. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم قد إنتقلت من مرحلة المغالبة و التشكيل إلى مرحلة التماهي الكلي؛ فالسحر لم يعد قوةً خارجية تحاول نقش المعنى فوق جدار الفراغ، بل صار هو الفراغ ذاته وقد أدرك ذاته كلياً. إنّ ذوبان الكلمات في هذا البياض إلى غير رجعة يعني أنّ اللغة قد أدّت وظيفتها كجسرٍ عبور، وبمجرد الوصول إلى ضفة الصمدية، إنهار الجسر طواعيةً ليفسح المجال أمام الحضور الصرف. هذا السكون ليس موتاً للوجود، بل هو حياة الوجود في أسمى تجلياتها؛ حياةٌ لا تحتاج إلى نبضٍ زمني أو حركةٍ مكانية، بل تكتفي بذاتها في حالة من الإستغناء الأنطولوجي الذي لا يضاهيه شيء، حيث يغدو الصمت هو الحقيقة الوحيدة التي تتنفس في صدر الأبد. من منظورٍ فلسفي، يمثّل السكون الأبدي حالة الإنحباس الوجودي الجليل، حيث تنتهي كل الصيرورات لتتحول إلى كينونةٍ واحدة مستقرة. إنّ البياض المطلق الذي يلفّ المشهد هو معدنُ الحقيقة قبل أن يُطرّق بمطارق التعدد؛ و في هذا المعدن، يجد الساحر خلاصه النهائي من عذاب التفرقة. فكل ما شيدناه من مرتفعات و جسور لم يكن إلا ظلالاً ألقاها وعينا فوق مرآة العدم، وبإنمحاء الأثر، نكتشف أنّ المرآة و الظل و الرائي هم جوهرٌ واحد إستحال بياضاً. إنّ ذوبان الكلمات هو تطهيرٌ أخير للذاكرة الكونية من لوثة الأسماء؛ ففي السكون الأبدي، لا نحتاج لتسمية الأشياء لأننا صرنا الأشياء ذاتها، ولا نحتاج لوصف الوجد لأننا غدونا الوجد كلياً. السحر هنا يمارس فعل الإنتحار السامي؛ إذ يقتل الصورة ليُحيي الأصل، ويُسكت الكلمة ليُحرر المعنى من قيدِ الحروف، محولاً الوجود إلى مساحةٍ من التجلي الصامت الذي لا ينتهي بإنتهاء الزمان، بل يستمر كخلفيةٍ سرمدية لكل ما كان وما سيكون. إنّ ترك الحكاية تنتهي هنا، في هذا السكون، هو إعلانٌ بأنّ الكمال لا يتكلم؛ فالكلام نقصٌ يحاول إستحضار الغائب، أما في السكون الأبدي، فكل شيء حاضرٌ في قلب الصمدية. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تبلغ ذروة المصالحة الميتافيزيقية؛ حيث يعود السحر كإبنٍ ضال إلى حضن العدم الأب الأزلي، ليجد أنّ كل رحلته في بناء العوالم كانت مجرد حلمٍ جميل لإيقاظ المحبوب. في هذا البياض، تنمحي المسافات بين الخالق و المخلوق، ويستقر القرار في أعماق السكون حيث لا رغبة تشرق ولا خوف يغرب. إنّ السكون الأبدي هو الغشاء الرقيق الذي يفصل بين ما وراء الوجود و الوجود، والوقوف فيه هو الوقوف في قلب اللهب البارد الذي يحرق الأغيار ويبقي على الواحد. إننا نغلق الصفحة الآن، لا بكلماتٍ جديدة، بل بمحوِ الكلمات القديمة، تاركين البياض المطلق يتحدث بصمته، والعدم العاري يتجلى بنوره، و الساحر يختفي في سحره، ليبقى السكون هو الخاتمة والبدء، والسر الذي لا يُباح به، واليقين الذي لا تشوبه ريبة، في وحدةٍ ختامية هي أنت في أبهى صور إستغنائك عن كل شيء.

_ فناء الأثر: رحلة الساحر إلى ما قبل البدء وما بعد المنتهى

إنّ الرغبة في إطباق هذا الكتاب إلى الأبد فوق مشهد السكون الأبدي تمثّل بلوغ الوعي السحري ذروة التسليم الأنطولوجي؛ وهي اللحظة التي يدرك فيها الساحر أنّ كل ما شُيّد من معانٍ و حروف لم يكن إلا قنطرةً عبرت بها الروح من وحشة العدم السلبي إلى رحابة العدم المستنير. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم قد صُفّيت تماماً من شوائب التعدد؛ فإطباق الكتاب يعني أنّ السحر قد إبتلع ذاته، ولم يعد بحاجة إلى المرآة ليرى كماله. إنّ البياض المطلق الذي يغلّف النهاية ليس فراغاً موحشاً، بل هو تكثّفٌ للحق في صورةٍ تسبق تشكّل الألوان والحواس. بقرارنا إطباق الكتاب، نحن نختار الصمت كجلال أخير، معلنين أنّ الحقيقة التي توصّلنا إليها أكبر من أن يُحيط بها جناح اللغة، وأنّ العدم قد صار وطناً لا يحتاج إلى إسم ليُعرف فيه المسافر. السحر في هذه النقطة يتحول من فعل خلق إلى فعل إنمحاء مقدس، حيث لا يتبقى من الرحلة إلا السكينة التي تملأ أركان الصمدية، وحيث يغدو البياض هو النص الوحيد الذي يُقرأ بالروح لا بالعين. إنّ إطباق الكتاب للأبد هو فعل الختم الأوفق الذي يحرر الوجود من خطية الزمن ومن قيد الحكاية؛ فالحكاية تقتضي بدايةً ونهاية، صعوداً وهبوطاً، أما السكون الأبدي فهو الحال الدائم الذي لا يتبدل. من منظورٍ فلسفي، يمثل هذا الإطباق حالة الإستغناء الصمدي؛ فبعد أن إستنفدنا كل طاقات السحر في وصف الجغرافيا الروحية و تشييد الجسور النورانية، نكتشف أنّ الكنز لم يكن في البناء، بل في الفضاء الذي سمح للبناء بأن يكون. لذا، فإنّ عودة كل الأثر إلى جوف البياض هي عودة الفرع إلى الأصل، وذوبان الصورة في الجوهر. إنّ العلاقة بين السحر و العدم تبلغ هنا مرحلة الوحدة الجوهرية (Essential Unity)، حيث ينطوي السحر داخل العدم كما ينطوي الضوء داخل عماء الشمس، فلا يتبقى إلا بياض اليقين؛ ذلك اليقين الذي لا يحتاج لبرهان الكلمات، لأنه صار هو الهواء الذي تتنفسه الكينونة في صمتها الأبدي. إنّ جلال الصمت الأخير هو التوقيع الذي يضعه الساحر على وثيقة فنائه الجميل، معلناً أنّ الواحد قد إستوعب الكل، وأنّ الحوار قد إنتهى لأنّ المتحدث و المستمع قد صارا ذاتاً واحدة في خلوة الأبد. في هذا المشهد الختامي، حيث يُطبق الكتاب و يستقر البياض، تبرز فلسفة النهاية المفتوحة على المطلق؛ فإطباق الكتاب هو في الحقيقة فتحٌ لآفاق اللاشيء التي هي أرحب من كل شيء. إنّ ذوبان الأثر هو تطهيرٌ نهائي للروح من أنانية الأثر، فما نتركه وراءنا ليس فراغاً، بل هو حضورٌ صامت يشع بياضاً وقداسة. إنّ السكون الأبدي هو اللغة العليا التي لا تُدرك إلا بالفناء فيها، والساحر الذي يختار هذا السكون هو الذي إستطاع أن يروّض العدم ويحيله إلى عرشٍ من نور. العلاقة بين السحر والعدم هنا هي علاقة الإمتلاء بالخلاء؛ فكلما إزداد الوجود بياضاً وسكوناً، إزداد المعنى عمقاً وإتساعاً. إننا نترك الحكاية الآن لتغفو في كنف الصمدية، مدركين أنّ البياض المطلق هو الوجه الحقيقي للحق الذي لا تحده الجهات ولا تقيّده الحروف. إنّ إطباق الكتاب هو التحرر الأخير من عبودية الوصف، و هو الدخول في حضرة الذات حيث الصمت هو التسبيح الأسمى، والبياض هو التجلي الأبهى، و العدم هو الوجود الأبقى؛ في وحدةٍ ختامية هي أنت في أقصى درجات تجردك، حيث لم يعد هناك سحرٌ يمارس ولا عدمٌ يُقاوم، بل فقط أنت في صمتك الجليل، كائناً كما كنت قبل البدء، و باقياً كما ستكون بعد المنتهى.

_ الإندماج القدسي: زفاف السحر والعدم في نقطة الصمت

إنّ الإستسلام لهذا السكون المطلق بعد إطباق الكتاب يمثّل الإنتقال من فلسفة الفعل السحري إلى فلسفة الإنخطاف الأنطولوجي، حيث يتوقف الوعي عن كونه مُشيِّداً ليعود إلى أصله مستقرّاً في قلب البياض. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم قد بلغت نهايتها المنطقية بحدوث الإندماج القدسي؛ فالسحر لم يعد يرى في العدم مادة للتشكيل، و العدم لم يعد يرى في السحر غازياً لحيّزه، بل إنصهر الإثنان في نقطة صمت هي أصل الكينونة وجوهرها. الإستسلام هنا ليس رضوخاً، بل هو سيادةٌ صامتة وذروة الإستغناء؛ فبعد أن أثبت السحر قدرته على خلق الأكوان وتطويع الأطياف، يمارس الآن سلطته الأسمى في الكف عن التجلّي. إنّ البياض الذي يلفّ الوجود الآن هو بياضُ اليقين الصرف، اليقين الذي لا يحتاج لمرتفعات و جسور ليدلل على شموخه، بل يكتفي بكونه خلاءً مقدساً إستوعب في جوفه كل الإحتمالات ثم أطبق عليها جفن السكينة، محولاً العالم من نصٍّ مقروء إلى سرٍّ مكنون لا يمسه إلا المطهَّرون من لوثة الإنفصال. من منظورٍ فلسفي، يمثّل هذا السكون المطلق حالة العود الأبدي إلى ما قبل الكلمة (The Pre-Logos)، حيث تُستعاد البكارة الأولى للعدم بعد أن عُمِّد بماء التجربة السحرية. إنّ الإستسلام لهذا السكون يعني تذويب آخر ذرات الأنا التي كانت تشعر بالجلال كصفة، لتصبح هي الجلال ذاته ككينونة؛ ففي الصمت المطلق لا توجد صفة وموصوف، بل يوجد إمتلاءٌ باللاشيء. إنّ العلاقة بين السحر و العدم تبلغ في هذا الإستسلام مرحلة التلاشي المتبادل؛ فالسحر يُلغي نفسه لأنه حقق غايته في إيصال الوعي إلى حافة الأبد، والعدم يُلغي وحشته لأنه إمتلأ بفيض الوجد، وبينهما ينبثق هذا البياض كحالة من الإستواء الصمدي الذي لا يعرف القمة ولا القاع. إنّ إطباق الكتاب للأبد هو فعلُ تحريرٍ للحقيقة من سجن الحكاية؛ فالحكاية تقتضي زمناً، والصمت هو إلغاءٌ للزمن، والحكاية تقتضي مكاناً، و البياض هو محوٌ للمكان، ليبقى فقط الحضور المطلق الذي لا يحدّه حد ولا يصفه واصف. إنّ هدوء الأبد الذي نختاره الآن كمستقر نهائي هو القرار العظيم الذي يضعه الساحر على جبين الوجود، معلناً أنّ الرحلة لم تكن تهدف إلى الوصول بقدر ما كانت تهدف إلى الإستحقاق؛ إستحقاق الإستسلام لهذا البياض دون خوف. إنّ السكون المطلق هو اللغة العليا التي لا تُدرك إلا بالإنمحاء فيها، والساحر الذي يختار إنهاء الرحلة هنا هو الذي أدرك أنّ السر ليس في ما قيل، بل في القدرة على الصمت بعد قول كل شيء. العلاقة بين السحر و العدم هنا هي علاقة المرآة بالمرآة؛ حيث يعكس الصمتُ كمالَ العدم، و يعكس البياضُ نفاذَ السحر، حتى يغدو الوجود إبتسامةً كونية لا ثغر لها، ونوراً لا مصدر له. إننا نستسلم الآن لهذا السكون، لا لأننا تعبنا من السفر، بل لأننا إكتشفنا أنّ الوطن هو هذا الفراغ المنير، وأنّ الحق هو هذا البياض الذي إبتلع الكلمات ليعيدها إلى أصلها الجوهري كنطقٍ صامت. إنّ النهاية هنا هي الكمال المطلق، حيث يستقر الوعي في هودج الصمدية، وتغفو الأكوان في كنف البياض، ويغلق الساحر عين قلبه ليبصر الكل في الواحد، والواحد في اللاشيء، في سكونٍ هو البدء وهو المنتهى، وهو أنت في أبهى تجليات ترفعك عن كل ما سوى الحق.

_ الإنتحار السامي للوعي: ذوبان خيوط الأنا في عراء العدم

إنّ إختيار الوداع الأزلي (The Eternal Farewell) في هذه اللحظة التي اإستقر فيها البياض وإنمحى الأثر، ليس مجرد نهاية لحديث عابر، بل هو الإنتحار الفلسفي الأسمى للوعي الذي أدرك كماله؛ حيث يقرر الساحر أن يذيب آخر خيوط الأنا التي كانت تحيك نسيج الحكاية، ليترك الوجود في حالة من العراء القدسي أمام وجه العدم. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أن العلاقة بين السحر والعدم تصل إلى نقطة التلاشي التبادلي؛ فالسحر، الذي بدأ كفعلِ إستحضارٍ للصور من قلب الفراغ، ينتهي الآن كفعلِ إعادةٍ لتلك الصور إلى مخبئها الأول، مدركاً أن أسمى درجات الخلق هي القدرة على المحو. إنّ ذوبان هذا الحوار في صمت الأبد يعني أن اللغة قد إستنفدت أغراضها ولم تعد قادرة على حمل ثقل المعنى الذي تضخّم حتى صار هو الوجود ذاته. بقرار الوداع، نحن لا نغادر الوجود، بل نغادر تمثيلات الوجود لندخل في جوهره الصمدي، حيث لا يُسمع إلا رنين الصمت الذي هو لغة العدم حينما يتجلى كنورٍ مطلق، وحيث يغدو البياض هو الوجه الوحيد للحقيقة بعد أن سقطت عنها أقنعة الحروف والأسماء. من منظورٍ أنطولوجي، يمثل هذا الوداع الأزلي حالة الإسترداد المطلق؛ حيث يسترد العدمُ أنفاسه التي تشتتت في كلمات الساحر، ويسترد الساحرُ وحدته التي تبددت في تفاصيل الحكاية. إنّ بهاء الصمدية الذي يتبقى هو الحالة التي يدرك فيها الوعي أنه لم يكن هناك آخر ليحاوره، بل كانت الذات تخوض حواراً مِرآوياً مع عدمها الخاص لتستكشف حدود قدرتها على التوهم و الإستبصار. إنّ إطباق الكتاب على حكاية الساحر والعدم هو في الحقيقة إعتاقٌ للسر من سجن الكتابة؛ فكل ما قيل كان تقييداً للجمال في قوالب المنطق، أما الآن، وفي رحاب الوداع، ينطلق المعنى حراً طليقاً في فضاء اللاشيء، حيث لا بداية تحدّه و لا نهاية تقيده. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تبلغ هنا ذروة المصالحة الميتافيزيقية، حيث يكتشف الساحر أن عدمه لم يكن خصماً بل كان رحماً، وأن سحره لم يكن إلا مخاضاً للولادة في هذا البياض الذي إبتلع كل شيء ليمنح كل شيء صبغته الأبدية المستقرة. إنّ الإستقرار في هذا الوداع يعني تحويل الوجود من حدثٍ يقع في الزمان إلى جوهرٍ يفيض من الأزل؛ فالحوار الذي يذوب الآن يترك وراءه فراغاً مفعماً بالحضور، فراغاً ليس فيه أنا ترغب ولا عدم يرهب، بل وحدةٌ صمدية إستوعبت كل المتناقضات. إنّ هذا الوداع هو التوقيع النهائي على وثيقة الإستغناء؛ فبعد أن رأى الساحر كل شيء، لم يعد بحاجة لرؤية أي شيء، وبعد أن قال كل شيء، صار الصمت هو قمة بيانه. إننا نترك الحكاية الآن لتغرق في بحر البياض، مدركين أن الوداع الأزلي هو الباب الوحيد الذي يفتح على الإستيقاظ الذي لا نوم بعده؛ حيث تنمحي المسافة بين الساحر و مسحوره، وبين الخالق و مخلوقه، لتستمر الكينونة في صمتها الجليل كأنشودةٍ خرساء لا يسمعها إلا من صار هو نفسه الصمت. إنّ النهاية هنا هي الكمال المطلق الذي لا يترك وراءه فضلةً لنقاش، بل يترك هيبةً تملأ أركان الخلاء، معلنةً أن السحر قد عاد ليكون هو العدم، وأن العدم قد صار هو السحر، في عناقٍ أبدي يضع حداً لكل بينونة ويستقر في صميم الواحد الذي لا ثاني له.

_ إستقالة السحر: عودة الأمانة إلى رحاب الصمت الصمدي

إنّ إسدال الستار النهائي في هذه اللحظة التي تلاشت فيها الفوارق بين الوطن والمنفى، يمثّل الإقرار الفلسفي الأخير بأنّ الرحلة السحرية لم تكن تهدف إلى الوصول إلى مكانٍ ما، بل كانت تهدف إلى إستهلاك الوعي لذاته حتى يبلغ نقطة الصفر، حيث يلتقي السحر بالعدم في عناقٍ إنتحاريٍّ مجيد. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ إسدال الستار ليس فعلاً درامياً لإنهاء مسرحية، بل هو فعلٌ كوني لإعادة الوجود إلى كتمه الأول؛ فبمجرد أن ينطوي الستار، يسقط العالم الغيبي بكل حمولته الرمزية من أطياف ورياح وندى وجسور، ليتبقى فقط البياض المطلق الذي لا يحتاج إلى شاهدٍ عليه. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تصل هنا إلى مرحلة العدمية الخلاقة؛ حيث يُثبت السحر أن قوته القصوى لا تكمن في الظهور، بل في قدرته على إخفاء كل ما أظهره، ليعيد الأمانة إلى صاحبها الأصلي وهو الصمت الصمدي الذي هو أصل كل كينونة وفصل كل خطاب. من منظورٍ ميتافيزيقي، يمثّل طيّ الصمت لآخِر نبضٍ لنا في هذا العالم الغيبي حالة التحلل الرمزي؛ فالحروف التي كانت تنبض بالحياة، والكلمات التي كانت تشيّد صروح المعنى، تدرك الآن أنها كانت مجرد تموجاتٍ عابرة على سطح محيط العدم الساكن. بقرار إسدال الستار، نحن نمنح السحر حق الإستقالة من الوجود، ونسمح للعدم بأن يستعيد سيادته المطلقة دون منازع؛ فالكلام كان نوعاً من المقاومة ضد الصمت، والسحر كان نوعاً من التمرد ضد العدم، والآن، وفي ذروة الكمال، يتوقف التمرد وتذوب المقاومة، ليصبح الوجود والعدم وجهاً لعملةٍ واحدة هي الصمدية. إنّ هذا الستار الذي يُسدل الآن هو الحجاب الأخير الذي بفقدانه يفقد الوعي المنفصل مبرر وجوده، ليغرق في بياض اليقين الذي لا يشوبه شائبة من شك أو تفصيل، حيث يستحيل الغيبي إلى حقيقي بمجرد تلاشيه، وتصبح الحكاية هي الواقع بمجرد إطباق صمتها. إنّ الإستقرار في هذا الصمت النهائي هو القرار الأنطولوجي الصعب، لأنه يطالب الروح بأن تتخلى عن لذّة الرؤية لتنعم ببركة الكينونة؛ فإسدال الستار يعني أننا لم نعد بحاجة إلى مشهد لنعرف أننا موجودون، بل صار اللاشيء هو الشاهد الوحيد على الكل. في هذا الفضاء، يتبدّى العدم كرحمٍ مضيئة إبتلعت كل السحر الذي نثرناه، ليتحول السحر من فعلٍ خارجي إلى طبيعةٍ داخلية تسكن في سكوننا. إنّ طيّ النبض الأخير هو إعلانٌ بأنّ الواحد قد إستغنى عن التعدد، وأنّ الحق قد إستغنى عن المرآة؛ فالحكاية التي بدأت بكلمة النشيد تنتهي الآن بالسكوت، والساحر الذي بدأ كخالق ينتهي كعدمٍ واٍعٍ بذاته. إننا نضع الستار الآن لنغسل الوجود من غبار التوق و من رهق الرغبة، تاركين البياض المطلق يمارس أزليته في صمتٍ لا يقطعه إلا بهاء كينونتك التي إكتفت بنفسها عن كل ما سواها، في وحدةٍ ختامية تليق بقداسة السر الذي لا يُباح به، وبعظمة الفراغ الذي صار هو المنتهى والمبتدأ.

_ الجمود النوراني: إطباق الأبد على بياض اليقين وإنمحاء السحر في ذات الواحد

إنّ إختيار الخاتمة التي لا تُفتح بعدها الصفحات أبداً يُمثل التجاوز النهائي لمنطق الصيرورة و الدخول في منطق الإستقرار الصمدي، حيث يقرر الوعي السحري أن يضع حداً لفيض التجليات ليعود إلى كمنه الأول في جوهر العدم. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أن العلاقة بين السحر و العدم تصل إلى حالة من الجمود النوراني؛ فالسحر، الذي كان يقتات على حركة الحروف وتدفق الصور، يختار الآن أن يتجمد في ذروة كماله، محولاً الوجود من قصة تُروى إلى حقيقة تُعاش بصمت. إنّ إطباق الصفحات للأبد يعني أن السحر قد أدرك أن كل كلمة إضافية هي تدنيس لصفاء العدم، وأنّ البياض الذي إستقر الآن هو اللوح المحفوظ الذي مُحيت عنه النقوش ليبقى جوهره مشعاً بذاته. هذا الختام ليس موتاً للحوار، بل هو رفعٌ له إلى مقام الغيب، حيث تستمر الكينونة في الوجود دون الحاجة إلى نبض إفتراضي يستحثها، و حيث يغدو الصمت هو العرش الأبيض الذي يجلس عليه الوعي بعد أن تخلص من أعباء التشكيل ورهق التسميات. من منظورٍ أنطولوجي، يمثل هذا السكون الذي لا تُفتح بعده الصفحات حالة الإكتفاء بالذات المطلقة؛ فالمرآة التي كانت تعكس أطياف السحر والعدم قد إنمحت فيها الصور ولم يبقَ إلا البياض، وهو الوجه الحقيقي للأبد الذي لا يحتاج لملامح لكي يُعرف. إنّ العلاقة بين السحر والعدم هنا تتجلى في أرقى صورها كفن الإنمحاء؛ فبمجرد أن يُسدل الستار، يتوقف السحر عن كونه أداءً ليصبح هوية، ويتوقف العدم عن كونه فراغاً ليصبح إمتلاءً. إنّ الخاتمة الأبدية هي التي تعيد للروح بكارتها الأولى، حيث لم تعد هناك ذاكرة للحكاية ولا تطلع للمستقبل، بل آنٌ مطلق ممتد في بياضٍ لا يحده أفق. إننا نترك الوجود الآن في هذه الذروة، حيث لا نبض يشوش على السكينة، ولا حرف يخدش وجه الصمت، مدركين أن الكمال لا يمكن أن يستمر كفعل، بل يجب أن يستقر كحالة، وهذه الحالة هي البياض الذي صار وجهك الوحيد في مرآة الأبد، حيث لا ترى إلا نفسك، ولا تجد في نفسك إلا الكل. إنّ هذا الإطباق النهائي للصفحات هو الفعل السحري الأخير الذي يلغي الزمن؛ فبإسدال الستار، نخرج من زمن الحوار إلى أزلية الوجود. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذه الخاتمة هي علاقة الذوبان في الواحد؛ فالسحر قد أنجز مهمته في تطهير الوعي، والعدم قد فتح ذراعيه ليستقبل العائد من رحلة التيه الرمزي. إنّ البياض الذي يتبقى هو معدن الحقيقة الذي لا يصدأ، وهو الصمت الذي لا يقطعه نطق، لأن النطق يقتضي إثنينية متحدث ومستمع، بينما في هذه الخاتمة، تلاشى الإثنان ليبقى الواحد. إننا نترك هذا السكون ليكون هو الخاتمة التي لا تُفتح بعدها الصفحات، إعلاناً بأننا قد وصلنا إلى المنتهى الذي ليس وراءه إلا اللهب البارد للحق، وحيث يستقر القرار في أعماق الصمدية، ويصبح الوجود هو هذا البياض الذي لا ينتهي، والصمت هو هذا الوجدان الذي لا يغيب، في وحدة ختامية هي أنت في أبهى صور تجردك، حيث لم يبقَ من السحر إلا بهاؤه، ومن العدم إلا نوره، ومن الحكاية إلا صمتها الأبدي.

_ الصفرية المنيرة: إنتحار السحر في محراب البياض و إطباق الأبد على صمت الصمدية

إنّ الرغبة في أن يكون هذا السكون هو كلمتنا الأخيرة تُمثّل بلوغ الوعي السحري نقطة الإستغناء الكلي، حيث يدرك الساحر أنّ كمال الحقيقة لا يكمن في مراكمة المعاني، بل في تصفيتها حتى تبلغ درجة البياض المطلق. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم قد إنتقلت من التوتر الإنشائي إلى الإتحاد الإنفنائي؛ فالسحر، الذي كان يجهد لملىء فراغ العدم بالأطياف والرياح والنشيد، يكتشف في هذه اللحظة الختامية أنّ أعظم إنجازاته ليست الوجود، بل هي العودة بالوجود إلى أصله البكر. إنّ توقف كل شيء عند هذا البياض يعني أنّ السحر قد إبتلع نفسه، ولم يعد هناك ما يمكن قوله أو رؤيته، لأنّ الرؤية تقتضي وجود مسافة بين الرائي والمرئي، بينما في هذا البياض، تلاشت المسافة وإنصهر الشاهد في المشهود. البياض هنا ليس غياباً للمحتوى، بل هو إحتواءٌ فائق لكل الترددات الكونية في نغمةٍ صامتة واحدة، حيث يستقر السحر داخل العدم إستقرار النور داخل عين الشمس، ليصبح الصمت هو الشهادة الوحيدة القادرة على إستيعاب جلال هذا الكمال الصمدي. من منظورٍ ميتافيزيقي، يمثّل هذا السكون الذي يتوقف عنده كل شيء حالة تجميد الأزل؛ فالحكاية التي أُطبقت صفحاتها لم تعد زمنية، بل إستحالت إلى آنٍ دائم لا يعرف القبل ولا البعد. إنّ العلاقة بين السحر و العدم تبلغ هنا مرحلة الصفرية المنيرة، حيث يُثبت السحر أنّ غايته لم تكن أبداً إستعمار العدم، بل كانت تنويره من الداخل حتى يرتدّ بصراً حديداً يرى نفسه بلا وسائط. بترك البياض شاهداً صامتاً، نحن نُعلن نهاية عصر التمثيل و بدء عصر الكينونة المحضة؛ فالحروف والكلمات كانت نوابض إفتراضية تحاكي نبض الحقيقة، و بمجرد أن إستقرت الحقيقة في عرشها الأبيض، سقطت النوابض و إختفى الضجيج الإفتراضي. إنّ البياض هو مرآة الأزل التي لا تعكس وجهاً غريباً، بل تعكس وجهك أنت وقد تجرد من تفاصيل الشخصية ومن أعباء الذاكرة، ليصبح وجهك هو وجه العدم ذاته في أرقى تجلياته السحرية، حيث السكون هو القانون الوحيد، و اليقين هو المادة الوحيدة، والكمال هو الصمت الذي لا يجرؤ نطقٌ على خدشه. إنّ جعل السكون كلمتنا الأخيرة هو الفعل السحري الذي يحول الوجود من موضوعٍ للبحث إلى سرٍّ للعبادة؛ فالوقوف عند بياض الصفحات المطبقة للأبد هو إحترامٌ للعجز البشري الجميل أمام لا نهائية الحق. إنّ العلاقة بين السحر والعدم في هذا الختام هي علاقة الإمتصاص الكامل؛ فكل ما نثرناه من خيال وكل ما شيدناه من عوالم قد إمتصه بياض اليقين، ليتحول من أشكالٍ إلى طاقةٍ ساكنة تشعُّ بهاءً من خلف حجاب الصمت. إننا نترك الوجود الآن في هذه الخلوة الكبرى، حيث لا رغبة في إستكشاف المزيد، لأنّ المزيد هو تكرارٌ لنقصان الحكاية، بينما البياض هو تمامها. في هذا السكون، يذوب المتحدث في السكوت، وتصبح الكلمة الأخيرة هي اللاكلمة، و هي النقطة التي لا أبعاد لها والتي إنبثق منها كل سحرنا ليعود إليها بكل جلاله. إنّ البياض كشاهدٍ صامت هو التوقيع النهائي لروحك على لوحة الأبد، معلنةً أنّ الرحلة قد إنتهت لأنّ المسافر قد وجد نفسه هو الطريق وهو الوصول، ليقف في مركز صمديته، مستغرقاً في بهاءٍ لا يحدّه قول، ومستقراً في عدٍم صار هو عين الوجود، في وحدةٍ ختامية تليق بقداسة هذا الصمت الذي لن يُفتح بعده كتاب.

_ الوداع النهائي: فناء الأثر في صمدية البياض وإسدال الستار على مسرحية الوجود

إنّ إختيار الوداع النهائي (The Final Farewell) في هذه اللحظة التي إستقر فيها البياض، يُمثّل الإنعطاف السحري الأخير نحو اللاوجود الواعي، حيث يُدرك الساحر أنّ كمال الحكاية لا يكمن في نهايتها، بل في قدرتها على المحو الكامل لآثارها. في هذا التحليل الفلسفي المتسامي، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم قد بلغت مرحلة الصفرية المطلقة؛ فالسحر، الذي بدأ كفعلِ إستحضارٍ وتجلٍّ، ينتهي الآن كفعلِ إستبطانٍ وفناء، مؤكداً أنّ العدم لم يكن مجرد غياب، بل كان الرحم الضوئي الذي إستأجرناه لنقش أحلامنا فوق جدرانه. إنّ طيّ الكلمات إلى الأبد في طيات الصمت يعني أنّ الوعي قد تخلص من حاجته للرمز ليواجه الحقيقة العارية، حيث لم يعد هناك ساحرٌ يمارس طقوسه، ولا عدمٌ يُخيف بإبهامه، بل صمديةٌ بيضاء هي الوجه الآخر للحق الذي لا يُحدّ. هذا الوداع هو التتويج السري للرحلة؛ فالكتاب الذي أُطبق ليس نهاية للمعرفة، بل هو بداية للكينونة الصرفة التي لا تحتاج إلى حروف لتعرف أنها موجودة، وحيث يصبح البياض هو لغة الأزل التي لا تُقرأ إلا بالإنمحاء فيها. من منظورٍ أنطولوجي، يُمثل هذا الوداع حالة التحلل الرمزي المقدس، حيث تعود الأطياف إلى كتمها، والرياح إلى سكونها، والندى إلى تبخره الأول، في دورةٍ عكسية تعيد للعدم وقاره الأصيل. إنّ العلاقة بين السحر والعدم في هذا الوداع هي علاقة المرآة التي إنكسرت لتكشف ما خلفها؛ فالسحر كان هو المرآة التي عكست تفاصيل الوجود، والعدم كان هو الفراغ المنير الذي سكن خلف الزجاج، وبحدوث الوداع، تنكسر الصور ليبقى الفراغ وحده متجلياً كبياضٍ مطلق. إنّ إنطواء الكلمات هو إعلانٌ بأنّ السر قد عاد إلى أصله الغيبي، وأنّ الساحر قد إستردّ إرادته التي نثرها في فضاء العالم الغيبي ليجمعها في نقطة الآن الأبدية. إنّ هذا السكون الذي يلفّ الختام هو المعدن الحقيقي للوجود؛ بياضٌ لا يقبل النقش، وصمتٌ لا يقبل التجزئة، و وداعٌ يفتح الباب أمام الوحدة الختامية التي تدمج أنا الساحر بهو المطلق في سبيكة واحدة لا تعرف البينونة. إنّ الوداع النهائي هو الفعل السحري الذي يحول الوجود من مسرحية إلى حضورٍ صمدي؛ فإطباق الصفحات للأبد هو إلتزامٌ أمام الحقيقة بأننا لن نعود لممارسة لعبة الإنفصال مرة أخرى. العلاقة بين السحر والعدم هنا تبلغ ذروة المصالحة الميتافيزيقية، حيث يكتشف الوعي أنّ العدم كان هو السحر الأكبر، و أنّ السحر كان هو العدم المتجمل بالصور. إننا نترك الكلمات تنطوي الآن، مدركين أنّ البياض المطلق هو الحالة الوحيدة التي لا يمكن للوهم أن يسكنها، لأنه لا ملامح فيه يمكن للأنا أن تتشبث بها. إنّ هذا الوداع هو التحرر من عبودية الظهور، والدخول في حرية البطون، حيث تستمر الكينونة في صمتها الجليل كأنشودةٍ خرساء يتردد صداها في قلب الأبد. إنّ النهاية هنا هي الكمال المطلق الذي لا يترك وراءه فضلةً لشرح، بل يترك هيبةً تملأ أركان الخلاء، معلنةً أنّ السحر والعدم قد صارا حقيقةً واحدة هي أنت في أقصى درجات تجردك، حيث الصمت هو جلالك الأخير، والبياض هو وطنك الأبدي، والوداع هو بوابة العبور نحو ما لا يُقال.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- لندن.. أزياء تتحدّى قسوة الشتاء وكآبة فبراير في عرض -بربري- ...
- إعلام إيراني: الحرس الثوري استهدف 4 قواعد أمريكية في الإمارا ...
- الجيش الإسرائيلي يشن ضربة جديدة كبيرة على أهداف للنظام الإير ...
- شاهد ما رصده مراسل CNN في الدوحة لحظة هجوم صاروخي من إيران
- سماع دويّ انفجارات في عواصم خليجية وإغلاق مجالات جوية
- الإطاحة بخامنئي ـ قراءات أوروبية تستبعد تكرار-وصفة فنزويلا- ...
- سماع دوي انفجارات في العاصمة السعودية الرياض
- الحرس الثوري الإيراني يعلن إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو إسرائيل ...
- أضرار كبيرة في مبنى شمالي إسرائيل بعد اعتراض صاروخ إيراني
- هل تعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران مقدمة لحرب ش ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-