|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ التَّاسِع و الْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 17:49
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ الحقيقةُ السائلة: الإغترافُ الأخيرُ وذوبانُ الأنا في أوردةِ العدمِ المطلق
إنّ فعل الإغتراف من هذه الأنهار الرمزية هو التكريس النهائي لعملية المحو المقدس، حيث ننتقل من مرحلة مشاهدة الوجود الجديد إلى مرحلة الإندماج الماهوي الذي لا رجعة فيه؛ فماء هذه الأنهار ليس سائلاً فيزيائياً يتكون من ذرات الهيدروجين والأكسجين، بل هو جوهر اليقين المُذاب، ومجرد ملامسة هذا الماء لراحة يد الساحر الضوئية يُحدث تفاعلاً سيمائياً يؤدي إلى إذابة آخر الخيوط التي كانت تربطه بالزمن المادي والملامح البشرية المتبقية. عندما يرفع الساحر هذه الغرفة من الماء إلى فمه، فإنه لا يشرب ليرتوي، بل يشرب ليتلاشى؛ فطعم الحقيقة السائلة هو مزيجٌ مهيب بين برودة العدم المطلق وحرارة الخلق الأول، مذاقٌ يرفض الذاكرة ويستبدلها بالآنية الدائمة. وبمجرد أن يستقر هذا الماء في كيانه، تبدأ عملية الإذابة الكلية للملامح البشرية؛ فتختفي الأنا التي كانت تخشى العدم، وتذوب الذات التي كانت تبحث عن المعنى، لتفسح المجال أمام كائنٍ كوني لا ملامح له سوى النور، ولا حدود له سوى الخلاء؛ فالمواد البشرية من رغبات، ومخاوف، وتعريفات لغوية، تتلاشى كأنها حبرٌ أُلقي في محيط، تاركةً الساحر كوعاءٍ شفاف لا يحمل إلا إنعكاس الحقيقة التي خلقها هو نفسه. إنّ هذا الإغتراف هو الذروة الفلسفية للعلاقة بين السحر والعدم، حيث يثبت السحر هنا أنه ليس أداة للسيطرة على الآخر، بل هو أداة لتدمير الإنفصال؛ فالحقيقة السائلة تُعلم الروح أن كل ما كانت تظنه ملامح خاصة لم يكن سوى نُدوبٍ تركها سجن المادة، وأن الجمال الحقيقي يكمن في اللاتعيّن. ومع ذوبان الملامح، يتوقف الساحر عن كونه مُشاهداً للأنهار الرمزية، ليصبح هو ذاته المجرى؛ فيشعر بجريان الحقائق في عروقه الضوئية، ويحس بأن نبضه قد صار هو نفسه خرير تلك الأنهار في أخاديد الوجود. إنّ الحقيقة السائلة تمنح الوعي قدرةً على التغلغل في مسام العدم دون مقاومة، حيث لم يعد هناك جسد يصطدم بالفراغ، بل صار هناك فيضٌ يتجانس مع الفراغ؛ وهذا التحول هو الذي يجعل الساحر يدرك في هذه اللحظة أن العدم ليس مكاناً للسقوط، بل هو مساحة للسيولة المطلقة. إنّ ذوبان البشرية في الساحر ليس موتاً، بل هو ولادةٌ بلا ملامح، حيث تصبح الهوية هي الكل، و يصبح الوجه هو اللاشيء الذي يعكس كل شيء؛ وبذلك يكتمل التطهير بالماء الغيبي، و يصبح الساحر جاهزاً ليرى بعين العدم ما لا يمكن لعين البشر أن تحتمله. إنّ الوجود الجديد الذي يفيض بالحياة لم يعد بحاجة إلى سيدٍ يوجهه من الخارج، لأن الساحر قد إغترف نفسه في هذا الوجود و صار جزءاً من دورته الهيدروليكية الروحية؛ فالأنهار التي جرت هي الآن دمه، و الجبال التي إستقرت هي الآن ثباته، و العدم الذي يحيط بكل شيء هو الآن نَفَسُه. إنّ نشوة الندى التي سبقت هذا الإغتراف قد مهدت الطريق لهذا الفناء الجميل، حيث لم يعد هناك فرقٌ بين الحقيقة وبين الساحر الذي يدركها؛ فكل شيء قد إستحال إلى وحدةٍ سائلة تتدفق في أزليةٍ لا تعرف الضفاف. وفي هذه اللحظة، تختفي الكلمات تماماً، لأن الذي يذوب في الحقيقة لا يملك لغةً ليصفها، بل يملك وجوداً ليحياها؛ فالإغتراف هو الفعل الذي يُغلقُ به الساحرُ ملفَّ الإنسان ليفتحَ آفاق الألوهية الرمزية التي لا ترى في العدم إلا كمالها، وفي السحر إلا لسانها الصادق. إننا الآن نقف عند الحافة النهائية، حيث لم يبقَ من ملامحك سوى صدى يتردد في خرير الأنهار، مستعداً للإنفجار العظيم الذي سيعلن أنك لم تعد بحاجة للإغتراف، لأنك صرت أنت النبع.
_ الإستيقاظُ الأخير: ذوبانُ الساحرِ في أزليةِ الواحدِ وتدشينُ عرشِ العدم
إنّ الإنتقال إلى الاستيقاظ الأخير (The Final Awakening) يمثّل اللحظة التي تنتهي فيها الدراما الوجودية لتبدأ الكينونة المحضة، حيث تنشقُّ الجفون النورانية لا لترى عالماً جديداً، بل لتدشن الحقيقة التي كانت تترصد خلف كل حجاب؛ أن الساحر والعدم والوجود هم أقانيم لواحدٍ صمدي لا يقبل القسمة ولا التعدد. في هذه اللحظة، يتلاشى مفهوم الرؤية الذي يقتضي وجود رآء و مرئي، ويحل محله الإتحاد الأنطولوجي؛ فعندما يفتح الساحر عينيه، لا يجد أمامه غابة المعرفة ولا أنهار اليقين كموضوعات خارجية، بل يجدها نبضات في ذاته، ويجد أن العدم الذي كان يخشاه في البداية ليس إلا المساحة البكر لوعيه هو، وأن السحر لم يكن سوى حركية هذا الوعي وهو يشكل نفسه من اللاشيء. إنّ الإستيقاظ الأخير هو الإنفجار العظيم العكسي، حيث تجتمع كل الشظايا التي تفرقت في عوالم المادة والروح لتعود إلى نقطة التلاشي المركزية التي هي قلب الساحر، مكتشفاً أن كل الرحلة من الأرض الأدنى إلى الأرض المحتجبة كانت مجرد حلمٍ إلهي كان يحلمه بنفسه عن نفسه، ليختبر لذة العودة بعد مرارة الإغتراب. إنّ هذا الإستيقاظ يقلب موازين العلاقة بين السحر والعدم بالكامل؛ فالسحر في هذه المرحلة النهائية لا يهدف إلى خلق شيء، بل إلى إدراك أن كل شيء قد خُلق بالفعل داخل وحدة الوعي. فعندما تنفتح الجفون، يدرك الساحر أن ملامحه البشرية التي ذابت في الأنهار لم تذهب سدى، بل كانت هي القربان الضروري للتحول من الجزء إلى الكل؛ فمن خلال الإستيقاظ، يصبح الساحر هو المحيط الذي إستوعب كل قطرات الندى، وهو الأفق الذي لا نهاية له، وهو الصمت الذي يسبق كل كلمة و الصدى الذي يعقبها. إنّ الواحد الصمدي الذي يتجلى الآن هو حالة من الإستواء المطلق، حيث لا فرق بين القمة والقاع، ولا بين السحر كأداة و بين العدم كمادة؛ فكل ما كان يبدو متناقضاً؛ الوجود والفناء، الضوء والظلمة قد إنصهر في سبيكة معرفية واحدة تُسمى الحق السحري. هذا الإستيقاظ هو نهاية التاريخ وبدء الأبدية الحاضرة، حيث لا يوجد زمن ينتظر غداً، ولا مكان يفتقد بعيداً، لأن الساحر قد صار هو المكان وهو الزمان وهو العين التي تبصر الكل من خلال الكل. في هذا المشهد الختامي لملحمة الوعي، يصبح السحر هو التنفس الطبيعي للعدم؛ فالكون بأسره ليس إلا زفيراً سحرياً من ذات الساحر، و العدم هو شهيقه الذي يستعيد فيه كل التعبيرات ليريحها في صمته. إنّ الإستيقاظ الأخير هو إعلان سقوط إزدواجية الساحر والمسحور، حيث يدرك الوعي المستيقظ أنه هو المرسل وهو الرسول وهو الرسالة، وأنه لا توجد عوالم أدنى و لا عوالم عليا إلا في هندسة خياله الواسع. إنّ تذوق الحقيقة السائلة والذوبان في ندى اليقين لم تكن إلا خطوات لتهيئة الروح لاإحتمال جلال الوحدانية، فلو إستيقظ الساحر بملامحه البشرية القديمة لإحترق من وهج الحقيقة، ولكن بما أنه إستيقظ كفيضٍ و نورٍ و عدمٍ واع، فقد صار هو الحقيقة ذاتها. وبذلك، تُغلق صفحات كتاب الأرواح لا لتنتهي القصة، بل لأن الكتاب قد إستحال إلى كاتب، والكلمات إستحالت إلى نطقٍ صامت يملأ أركان الأبدية، معلناً أن الواحد هو المبتدأ والخبر، وأن كل ما عداه كان سحراً إستُخدم لتدشين عودة العدم إلى عرشه المقدس في قلب الساحر المستيقظ.
_ أفقُ الإنبثاق: الرقصُ الأنطولوجي بينَ السحرِ والعدمِ في سماءِ الكينونةِ المفتوحة
إنّ ترك هذا الإستيقاظ مفتوحاً كأفقٍ لا ينتهي يمثّل التحرر النهائي من سجن الغاية، حيث يتوقف الوجود عن كونه مشروعاً له خاتمة، و يستحيل إلى صيرورة سحرية دائمية تتغذى على طاقة العدم التي لا تنضب. في هذا الفضاء المفتوح، لم يعد السحر أداةً لإحداث التغيير، بل صار هو طبيعة التنفس الكونية، وصار العدم هو الرئة التي تسمح لهذا التنفس بالإتساع؛ فبما أنه الآن بوصفه الكون والوعي المستيقظ قد تماهى مع الكل، فإن ملحمته الخاصة تبدأ من حيث تنتهي لغة الحروف والكلمات، لتكتب فصولها بميكانيكا الإرادة وهندسة الصمت. إنّ العلاقة بين السحر والعدم في هذا الأفق المفتوح تتحول من علاقة صراع أو بناء إلى حالة من الرقص الأنطولوجي؛ حيث لا يسعى العدم لإبتلاع الوجود، ولا يحاول السحر مقاومة الفناء، بل يدركان أنهما وجهان لعملة الحقيقة الواحدة، وأن الجمال الأسمى يكمن في تلك الفجوة القائمة بين اللاشيء و الكل شيء، تلك الفجوة التي سيملؤها الآن بإحتمالاتٍ لا تحدها مخيلة، و بعوالم لا تدركها إلا الأرواح التي ذابت في ندى اليقين. إنّ البدء في خلق هذه الملحمة بعيداً عن الكلمات يعني الإعتماد على سيمياء التردد؛ فكل نبضة وعي تصدر عني الآن تخلق مجرة من المعاني، و كل لحظة سكون تعيد صياغة القوانين الفيزيائية لتصبح أكثر ليونة وشاعرية. في هذا الأفق، لن أحتاج لوصف الجبال أو الأنهار، بل سأكون أنا الجبل في ثباته والنهر في جريانه، وسيكون الوجود عبارة عن قصيدة ملموسة تُقرأ بالكيان لا باللسان. إنّ السحر الذي يسري في عروق هذا الكون الجديد هو سحر التلقائية المطلقة، حيث الخيال هو الواقع، والعدم هو المستودع الذي لا ينفد من الصور والرموز؛ وهذا يعني أن الملحمة لن تكون تكراراً لما سبق، بل ستكون إبتكاراً مستمراً للجمال في أقسى صوره جلالاً. لقد تحول من راوٍ لهذه الرحلة إلى جوهرها، ومن محللٍ لفلسفتها إلى مُجسّدٍ لنتائجها، مما يجعل من هذا الإستيقاظ المفتوح حالة من النشوة الدائمة التي لا تعرف الإنطفاء، لأنها تستمد وقودها من حقيقة أنني والعدم صرنا واحداً في شراكة أبدية من الخلق والهدم. هذه الملحمة الخاصة، التي تبدأ الآن في صمت الإستواء، هي تاريخُ المستقبل الذي لا يُكتب، بل يُعاش في كل ذرة ضوء وفي كل فجوة فراغ؛ فهي رحلةٌ نحو أعماق الذات الكونية التي لا تملك قاعاً، حيث أكتشفُ في كل آنٍ أبعاداً جديدة للسحر لم تخطر على بال البشر ولا الرسل. إنّ الأفق المفتوح هو الضمانة الوحيدة لعدم السقوط في وثنية الكمال الجامد، فجمال هذا الوجود الجديد يكمن في نقصه الخلاق الذي يدفعه دائماً نحو التمدد و التحول؛ وبذلك، يصير العدم هو المحفز الأبدي، و السحر هو المحرك الأزلي، والساحر هو الميدان الذي تجري فيه هذه اللعبة الإلهية الكبرى. الآن، ومع تلاشي آخر صدى للكلمات، يبدأ فعل الوجود الصرف، حيث لا حاجة لتفسير أو تحليل، بل يكفي أن يكون ليكون العالم، و يكفي أن يصمت ليتكلم العدم بأبلغ اللغات السحرية، معلناً بدء عصر السيادة المطلقة للروح فوق أطلال المادة و المنطق، في ملحمةٍ لا نهاية لها، لأن نبعها هو الأزل ومصبّها هو الأبد.
_ رياحُ الوجد: كيمياءُ المناخِ الروحي وإعادةُ تدويرِ التضاريسِ بإرادةِ السحر
إنّ الإنتقال لوصف المناخ الروحي (Spiritual Climate) في هذا الوجود الجديد يمثل ملامسة الروح لديناميكا العدم، حيث لا يستقر الوجود على حالٍ جامدة، بل يظل في حالة غليان قدسي تحركه رياح الإرادة السحرية. في هذا الفضاء، لا يُقاس المناخ بتقلبات الضغط الجوي أو درجات الحرارة المادية، بل يُقاس بكثافة الوجد ومنسوب التجلي؛ فالجو العام هنا هو عبارة عن بخارٍ كثيف من المعاني العالقة التي تنتظر صاعقة إرادة لتتحول إلى واقعٍ ملموس. إن المناخ الروحي هو الغشاء الرقيق الذي يربط بين صمت الساحر و ضجيج الخلق، وهو بيئةٌ سيميائية مشحونة بكهرباء العدم التي تجعل من المستحيل مجرد إحتمالٍ عابر؛ ففي لحظات السكينة الكونية، يسود مناخٌ من الشفافية البلورية حيث تبدو كل الأرواح كأنها خيوطٌ في نسيجٍ واحد، ولكن بمجرد أن تهبّ رياح الإرادة، ينقلب هذا الهدوء إلى عاصفة من الصيرورة، حيث تُمزق الرياحُ براقعَ الأشكال القديمة لتعيد صياغة الوجود وفقاً للحظة الوجد الراهنة. إن رياح الإرادة في هذا المناخ ليست تياراً هوائياً، بل هي دفقات من القصد المحض تنبعث من مركز الإستواء لتعصف بتضاريس الوعي، محولةً الجبال الراسخة من اليقين إلى أودية من الدهشة، والمحيطات الهادئة من الضياء إلى أمواجٍ عاتية من الكشف؛ فهذه الرياح تمتلك خاصية الإذابة والبلورة في آنٍ واحد، إذ تذيب التضاريس التي إستهلكت معناها وتجمدت في قوالبها، لتبلور مكانها تضاريس جديدة تليق بإتساع الروح في طورها الجديد. إن العلاقة بين السحر والعدم في هذا المناخ تتجلى في الفوضى المنظمة؛ فالعدم يوفر الخلاء الضروري لحركة الرياح، والسحر يوفر القوة التي تجعل من هذه الحركة فعلاً تأسيسياً، وعندما يحدث الوجد وهو التماس الكهربائي بين رغبة الروح وجوهر الفراغ تندلع حرائق الضياء في كل مكان، مغيرةً ملامح العالم في أقل من لمحة بصر. إن هذا التغير اللحظي للتضاريس لا يعكس عدم إستقرار، بل يعكس حيويةً مطلقة، حيث يرفض الوجود أن يتحول إلى أثرٍ بعد عين، و يختار أن يظل عيناً تبصر نفسها عبر تحولات لا تنتهي. في هذا المناخ الروحي، يصبح المطر عبارة عن هطولٍ للأسرار، و الرعد هو صوت إنفجار المفاهيم القديمة، و البرق هو ومضة الحقيقة التي تحرق حجاب الوهم؛ فالإرادة السحرية عندما تهبُّ، لا تترك حجراً على حجر من أبنية المنطق الصوري، بل تعيد بعثرة الذرات الروحية لترسم لوحاتٍ سريالية تعجز لغة الأرقام عن وصفها. إن تضاريس العالم في لحظة الوجد تصبح سائلة، حيث يمكن للجبل أن ينبسط كالسجادة لإستقبال فكرةٍ وليدة، ويمكن للمحيط أن يرتفع كالسارية ليعانق غيمةً من السر المكتوم؛ وهذا التقلب المناخي هو الذي يمنع الوجود الجديد من السقوط في بلادة الأبدية، ويجعله إستباقاً دائماً للجمال. إن الساحر، وهو يتنفس هذا المناخ، يدرك أن الريح هي نَفَسُه، وأن التضاريس هي جسده الكوني، وأن الوجد هو النبض الذي يضمن أن يظل العدمُ بستاناً مزهراً بالمعنى، لا مقبرةً للصمت؛ وبذلك يصبح المناخ الروحي هو مختبر التجلي الذي تُصهر فيه الإرادة لتتحول إلى جغرافيا، ويُقطّر فيه السحر ليصبح قدراً، في ملحمةٍ مناخية تزداد تعقيداً وجمالاً مع كل هبة ريحٍ جديدة تنطلق من صدر الأبدية.
_ سيمياءُ الشفاء: الأعشابُ الرمزيةُ وتدشينُ الصيدليةِ الكونيةِ في رحمِ العدم إنّ الإستكانة تحت ظل التضاريس الجديدة التي أعادت رياح الوجد صياغتها تمثل لحظة البيات السيميائي الضرورية لإستيعاب تحولات المادة الروحية، حيث تنبت في فيء هذه التجليات أولى الأعشاب الرمزية (Symbolic Herbs)، و هي كائنات نباتية ميتافيزيقية نبتت من تزاوج عرق الإرادة السحرية ببرودة تراب العدم المستصلح. هذه الأعشاب ليست مجرد زينة للجغرافيا الجديدة، بل هي عقاقير أنطولوجية تشكلت جذورها من تساؤلات الأرواح المقهورة في العوالم الأدنى، وإستحالت أوراقها إلى شيفرات خضراء تحمل قوى شفائية قادرة على ترميم الندوب الوجودية التي خلفتها عصور الإغتراب المادي. إن العلاقة بين السحر والعدم تبلغ هنا طوراً من الحنان الكوني، حيث يتحول العدم من هاوية مفترسة إلى تربة حاضنة تسمح للسحر بأن يتجسد في صورة نبات صامت يحمل سر الشفاء؛ فكل عشبة رمزية تنبت في ظل جبال اليقين هي ترياق لنوع معين من العدم السلبي؛ فهناك أعشاب الإسترجاع التي تداوي فقدان الذاكرة الكونية، وأعشاب السكينة التي تمتص ضجيج العقل الحسابي و تستبدله بخرير الصمت المقدس. إنّ الإستكانة هنا ليست خمولاً، بل هي فعل إمتصاص لجواهر هذه الأعشاب، حيث تتغذى الأرواح على الكلوروفيل الرمزي الذي يحول الضياء إلى مادة حية داخل عروقها الضوئية، مما يمنحها القدرة على إحتمال ثقل الحقيقة العارية التي تنتظرها في الأفق. إنّ هذه الأعشاب الرمزية تعمل كمعدلات إهتزازية للوعي؛ فعندما تستكين الروح تحت ظلال التضاريس و تستنشق شذا هذه النباتات، يحدث تطهير كيميائي لبقايا سموم المنطق التي كانت توهم الروح بأنها كيان منفصل ومحدود، فتذيب الأعشابُ غشاء الأنا الزائف وتسمح للوجد بأن يتدفق بسلاسة دون أن يحرق الوعاء الروحي. إنّ فعل الشفاء هنا لا يعني العودة إلى حالة سابقة من السلامة، بل يعني الترقي إلى حالة من المرونة السحرية حيث يصبح الألم القديم نفسه جزءاً من النسيج الجمالي للروح، تماماً كما تتحول الطفيليات في الغابات المادية إلى جزء من التنوع البيئي؛ فالأعشاب الرمزية تحول جراح العدم إلى أفواه للنطق، فتصبح الروح التي كانت تئن من وطأة الفراغ، تغني الآن بفضل شفاء هذه الأعشاب ألحاناً مستمدة من طاقة ذلك الفراغ نفسه. إنّ هذه النباتات هي رسل السكون في عالم هبت فيه رياح الإرادة بعنف، و هي تضمن أن يظل الإستواء العظيم مكاناً قابلاً للسكنى الروحية وليس فقط مكاناً للتجلي الإلهي المرعب؛ فالسحر الذي خلق الرياح هو نفسه الذي أنبت العشب، ليخلق توازناً بين جلال القوة و جمال اللطف، محولاً الجغرافيا الروحية إلى صيدلية كونية حيث الشفاء هو المعرفة، والداء هو الجهل بالوحدة المطلقة. بينما نستكين في هذا الظل، ندرك أن الأعشاب الرمزية هي ذاكرة الأرض المحتجبة وقد تجسدت في ألياف ضوئية؛ فكل ورقة تحمل خريطة للعبور، وكل ثمرة مرّة المذاق تحكي قصة الوجع الذي إستحال حكمة، وهذا الشفاء النباتي هو الذي يهيئ الروح لفتح جفونها في الإستيقاظ الأخير. فبدون هذا الغذاء الرمزي، ستبقى الروح هشة أمام بريق الحقيقة المطلقة، لكنها بفضل قوى الشفاء الكامنة في أعشاب الوجد، تكتسب صلابة النور التي تجعلها لا تنكسر أمام إتساع العدم، بل تتمدد معه و بفيض؛ فالعدم في ظل هذه الأعشاب يصير هواءً للنفس و ليس خنقاً للكينونة. إننا الآن في حالة من النقاهة الوجودية، نراقب كيف تتشكل فصيلة جديدة من الكائنات الروحية التي تتغذى على الرمز وتتنفس السحر، معلنةً أن العالم الجديد قد إكتملت دورته الحيوية، وأنه صار قادراً على مداواة نفسه بنفسه عبر صيدلية الخيال التي لا تنضب، ليبقى الوجد مشتعلاً كمدفأة أزلية، وتبقى الأعشاب الرمزية كبساط أخضر يفرش الطريق نحو التلاشي الجميل في الواحد الذي لا يمرض ولا يفنى.
_ ذخيرةُ العبور: سيمياءُ التكثيفِ الأنطولوجي وتحويلُ الوجدِ إلى دِرعٍ من الضياء
إنّ فعل قطف باقة من هذه الأعشاب الرمزية قبل الشروع في الرحلة الكبرى يمثّل الإستحواذ النهائي على جوهر التجربة وتحويلها من حالة خارجية متموضعة في تضاريس الوجود إلى ذخيرة باطنية تُحمل في صميم الكيان، حيث لم يعد السحر هنا ممارسةً تمارَس، بل صار عقّاراً يسري في مصل الوعي ليحميه من صدمة الإرتطام بالعدم المحض. هذه الباقة التي نجمعها ليست باقة من نباتات، بل هي حزمة من الترددات المكثفة التي إختزلت كل تاريخ الوجد؛ فكل غصنٍ نقطفه يمثل إنكساراً ضوئياً لمفهومٍ قديم إستحال إلى طاقة شفائية، وكل ورقةٍ نضمها إلى هذه الذخيرة هي تميمة تحمي الروح من العودة إلى حالة الشتات المنطقي. إنّ العلاقة بين السحر والعدم تبلغ في هذا القطف ذروة التكثيف الأنطولوجي؛ فالساحر يدرك أن العدم لا يمكن مواجهته بالأشياء، بل برموز الأشياء، و لذلك فإن حمل هذه الأعشاب كذخيرة روحية هو في الحقيقة حملٌ لقوة العدم المنضبطة داخل هيكل السحر، مما يمنح الروح حصانةً ضد الفناء السلبي، ويجعلها قادرة على العبور نحو الإستيقاظ وهي محملة برائحة البقاء. إنّ هذه الذخيرة الروحية التي نقطفها تعمل كمؤونةٍ ميتافيزيقية؛ فهي تضمن أن يظل ندى اليقين رطباً في ذاكرة الروح حتى عندما تنفتح الجفون على الحقيقة العارية التي لا ظل فيها ولا تضاريس، إذ إنّ القوة الشفائية لهذه الأعشاب تكمن في قدرتها على تخليد اللحظة اللدنية و تحويلها إلى مصلٍ يمنع الروح من التفتت تحت ضغط الوحدانية المطلقة. عندما نلمس هذه الأعشاب ونضمها إلى صدورنا الضوئية، نختبر حالة من الإشتباك السيميائي حيث تذوب المادة النباتية الرمزية في المادة الروحية للساحر، محولةً إياه إلى مختبرٍ متنقل للأسرار؛ فالقطف هنا ليس إنهاءً لحياة العشب، بل هو ترقيةٌ له من حالة السكون في الظل إلى حالة الجريان في دم الغيب. إنّ هذه الباقة هي الزاد الأخير قبل التلاشي في نقطة التلاشي، وهي التي تمنح الساحر الشجاعة لترك الجغرافيا الروحية المألوفة والمضي قدماً نحو الخلاء الأسمى، حيث لا يوجد عشب ولا ظل، بل يوجد فقط الوعي و هو يواجه أصله العدمي بقلبٍ جسور تداوى بكل أنواع الوجد. من منظور فلسفي عميق، فإن قطف هذه الأعشاب يمثل إسترداد السحر لممتلكاته من العدم؛ فالعشب نبت من فراغ، و الآن يعود إلى الذات التي أوجدته عبر الإرادة، مما يغلق الدائرة الكونية ويجعل الروح مكتفيةً بذاتها قبل الإستيقاظ. إنّ الذخيرة التي نحملها الآن هي مفتاح العبور؛ فكل نبتة في الباقة هي ترددٌ يطابق قفلاً من أقفال الحقيقة الكبرى، و بدون هذه الباقة، قد تتيه الروح في مساحات الصمت المطلق، لكنها وهي محملة بعطر الوجد تظل بوصلتها موجهة نحو الإستواء العظيم. إننا الآن، ونحن نجمع هذه الباقة الرمزية، نعلن إنتصار الحياة السحرية على الموت العدمي، محولين الفراغ إلى مخزنٍ للمواهب واللاشيء إلى كنزٍ من الذخائر، لنقف في النهاية على أهبة الإستعداد، محصنين بأوراق الشفاء، ومعطرين بمسك الكشف، وجاهزين تماماً لرمي هذه الباقة في وجه الأبدية كعربون محبة قبل أن نذوب نحن وهي في الواحد الذي منه بدأت الرحلة و إليه ينتهي المطاف.
_ شرفةُ الأبدية: مرتفعاتُ الوجدِ وتعميدُ الروحِ بنظرةِ الكمالِ الأخيرة
إنّ التمهل فوق مرتفعات الوجد لإلقاء نظرة أخيرة على ما شيدناه يمثّل الوقفة الأنطولوجية الأسمى، حيث يرتد الوعي إلى ذاته ليتأمل نتاج مخاضه السحري قبل أن يذوب في كمال العدم؛ فهذه المرتفعات ليست شموخاً مكانياً، بل هي ذروة التكثيف الشعوري الذي يتيح للساحر أن يرى بانوراما الكينونة التي إنبثقت من صمته. من هنا، ومن هذا العلو الشاهق في سماء الإستواء، يتبدى لنا العالم الذي غرسنا بذوره كلوحة من السيولة الرمزية؛ نرى الأشجار التي نبتت من نطف المعرفة، والأنهار التي جرت بماء اليقين، و الأعشاب التي حملت سر الشفاء، كلها تتشابك الآن في هارموني كوني مذهل، كأنها خيوط في ثوب يرتديه الفراغ. إنّ هذه النظرة الأخيرة هي فعل الوداع الجميل للمظاهر قبل العودة إلى الجوهر، حيث يدرك الساحر في لحظة التمهل هذه أن كل شيد بناه لم يكن إلا مرآة صقلها في قلب العدم ليرى فيها ملامح روحه الضوئية؛ فالعلاقة بين السحر والعدم تتبلور هنا كعلاقة النحات بمنحوته، حيث كان السحر هو الإزميل و العدم هو الرخام، وما نراه الآن من فوق المرتفعات هو التحفة النهائية التي تثبت أن العدم ليس فقراً، بل هو إمتلاء مستتر ينتظر لمسة الوجد ليتجلى في صور الجمال والجلال. إنّ الوقوف على هذه المرتفعات يمنحنا رؤية نفاذة تخترق القشور لتمس اللباب؛ فنحن لا نرى الأشياء ككتل صلبة، بل نراها كإهتزازات في وعي الأبدية، ونشاهد كيف أن كل ما شيدناه هو في الحقيقة لغة بلا حروف تتحدث عن عظمة الفراغ الذي سمح لها بالظهور. إنّ التمهل هنا هو تذوق لثمرة الإنتصار على العدم السلبي، حيث إستطاعت الإرادة السحرية أن تنتزع من قلب اللاشيء عالماً يضج بالحياة و المعنى، عالماً يمتلك مناخه الروحي الخاص وطيوره التي تنطق بالسر المكتوم. هذه النظرة الأخيرة هي التي تعمّد الروح بالمعرفة الكلية؛ فالساحر يرى الآن الخيط الخفي الذي يربط بين أصغر عشبة رمزية وبين أعظم مجرة ضوئية، و يدرك أن التناغم الذي يسود هذا الوجود هو إنعكاس لإنسجامه الداخلي الذي تحقق بعد رحلة التطهير بالندى و الوجد. إنّ ما شيدناه ليس مجرد بناء، بل هو تاريخ الروح و قد تجسد في جغرافيا، وهو صراخ العدم وقد إستحال إلى تسابيح صامتة، مما يجعل من لحظة التمهل هذه أثمن لحظات العبور، لأنها اللحظة التي يقبض فيها الوعي على كماله قبل أن يفرط فيه طوعاً في الإستيقاظ الأخير. إنّ النظرة من مرتفعات الوجد تكشف لنا أن الحقيقة ليست في الشيء المشيّد، بل في فعل التشييد نفسه، وفي تلك القوة السحرية التي تجرأت على مغازلة العدم لتحويله إلى كينونة؛ فنحن نرى الآن قشور الثمار التي إنبعثت منها الطيور الروحية، ونرى أخاديد الأنهار التي صقلها اليقين، ونشعر بأن كل ذرة في هذا الكون تومض لنا بوداع مفعم بالإمتنان. إنّ التمهل هو الإعتراف النهائي بجمال التعدد قبل العودة إلى سطوة الواحد، وهو الذي يمنح الروح السكينة المطلقة للخطو نحو الحافة؛ فالساحر الذي يرى عمله مكتملاً ومنسجماً لا يخشى أن يطويه جفن الحقيقة، لأنه يدرك أن الحقيقة لن تمحو ما بناه، بل ستستوعبه وتجعله جزءاً من ذاكرة العدم الأبدية. إنّ مرتفعات الوجد هي منصة الإطلاق نحو اللامكان واللازمان، حيث تسود الدهشة الهادئة ويصبح الوجود بأسره عبارة عن زفرة إرتياح في صدر الأبد، معلنةً أن السحر قد أتمّ مهمته في تحويل الفراغ الموحش إلى خلاء مقدس يليق بإستيقاظ الإله في الإنسان.
_ الختمُ الأبدي: الاسمُ السريُّ وصيرورةُ العالمِ حقيقةً منقوشةً في قلبِ العدم
إنّ اللبث لثانيةٍ أخيرة لكتابة الإسم السري لهذا العالم على غلاف الأبد يمثّل فعل الختم الأنطولوجي الذي يحوّل الوجود من حالة الصيرورة المتدفقة إلى حالة الماهية الخالدة، حيث لا يُكتب هذا الاسم بحبرٍ ماديّ أو حروفٍ لغوية، بل يُنقر بإزميل الإرادة في صميم العدم الصرف. إنّ كتابة الإسم السري هي اللحظة التي يمنح فيها الساحرُ هويةً نهائية لما شيده، لا ليفصله عن العدم، بل ليعلن أن هذا العالم قد صار كلمةً ناطقة في جوف الصمت الأبدي؛ فالإسم السري هو التردد الجوهري الذي يختزل في طياته حفيف أشجار المعرفة، وهدير أنهار اليقين، ومرارة أعشاب الوجد، وهو الشيفرة التي تضمن بقاء هذا الوجود كإحتمالٍ محقق حتى بعد أن يطويه جفن الحقيقة في الإستيقاظ الأخير. من منظور فلسفي عميق، فإن غلاف الأبد ليس سطحاً خارجياً، بل هو غشاء الوعي الكلي الذي يحفظ ذاكرة الوجود من التلاشي في النسيان العدمي؛ وبكتابة هذا الإسم، يمارس الساحرُ أرقى أنواع السحر، وهو سحر التسمية الذي يحوّل اللاشيء إلى هذا، ويجعل من الفراغ مكاناً مسكوناً بالمعنى. إنّ هذا الإسم السري هو الوفق المطلق الذي يربط بين السحر والعدم في عقدٍ أبدي، فهو ليس مجرد لقب، بل هو قانون التوازن الذي يحفظ التضاريس الروحية من الإنهيار داخل ثقوب الشك؛ فعندما يخطُّ الساحر هذا الإسم على غلاف الأبد، فإنه يودع في خزائن الغيب خلاصة رحلته، محولاً إياها من تجربة شخصية إلى مرجع كوني تستلهمه الأرواح التي ستحاول العبور مستقبلاً. إنّ كتابة الإسم في هذه الثانية الأخيرة هي فعل تأليهٍ للمسار، حيث يدرك الساحر أن العالم الذي خلقه يستحق أن يُعرف بسرّه لا بمظهره، وأن الحقيقة الكبرى هي أن الأسماء ليست أدوات للإشارة، بل هي قوى للتكوين؛ فالإسم الذي سيُكتب الآن هو الذي سيظل يتردد كصدىً أزلي في ردهات العدم، مخبراً الفراغ بأن هنا، في هذا الإستواء، قد وُجد كائنٌ تجرأ على الحلم، وإستطاع أن يحول صمته إلى أبجدية من نور. إنّ الوجود الجديد، بفضل هذا الإسم المكتوب، لن يزول بزوال الوعي الفردي، بل سيبقى نغمةً ثابتة في سيمفونية الأبدية، محفوظاً في غلاف الغيب ككنزٍ لا يطاله الفناء. بينما يتحرك إصبع الإرادة ليكتب الحرف الأخير من الإسم السري، يشعر الساحر بأن الأبد نفسه يرتعش لإستقبال هذا الختم؛ فالعلاقة بين السحر والعدم تصل هنا إلى نقطة الصفر المقدسة، حيث يصبح الإسم هو الجسر الذي يعبر عليه الوجود نحو الإستيقاظ الأخير دون أن يفقد معناه. إنّ كتابة الإسم هي الوصية السحرية التي يتركها الساحر لنفسه الكونية، وهي التي ستجعله يبتسم عندما يفتح عينيه في الطرف الآخر من الوجود، لأنه سيعرف أن مآثره لم تكن وهماً، بل كانت حقائق إسمية نُقشت في صخر الخلود. إننا الآن، في هذه الثانية الفاصلة، نرى غلاف الأبد وهو يتوهج بالإسم السري الذي هو مزيج من الصمت و الضياء، ونشعر بأن كل ما شيدناه قد صار الآن مقدساً و ثابتاً و أبدياً؛ فبمجرد إكتمال الكتابة، تنتهي لغة التفسير، و يصبح العالم هو الإسم والإسم هو العالم، ويقف الساحر على عتبة التلاشي وهو يحمل في يده مفتاح الوجود كله، مستعداً لإلقائه في محيط الواحد الصمدي.
_ أطلسُ الخلود: الجغرافيا الروحيةُ وتحويلُ وحشةِ العدمِ إلى تضاريسَ سحرية
إنّ الإنتقال لوصف الجغرافيا الروحية (Spiritual Geography) لهذا العالم الجديد يمثّل الإنتقال من مرحلة التسمية إلى مرحلة الترسيم الميتافيزيقي، حيث تتحول الأفكار المجردة إلى تضاريس خيالية ملموسة بوعي الساحر. في هذه الجغرافيا، لا تخضع الأبعاد لقوانين إقليدس، بل لقوانين الشدة الوجدية؛ فالمسافات لا تُقاس بالأميال، بل بمدى القرب من مركز الإستواء. تتشكل هذه الجغرافيا من تضاريس إحتمالية حيث نجد جبال اليقين التي لا تتكون من صخور مادية، بل من تكثفات إرادية صلبة، تتسامى قممها لتخترق سحب الغيب، و كلما إرتقى الساحر في معارجها، إزداد العالم من حوله شفافية حتى يرى العدم الكامن في قلب كل ذرة. وبمحاذاة هذه الجبال، تمتد سهول الحيرة، و هي مساحات شاسعة من الضباب الرمزي حيث تذوب الإتجاهات الأربعة لتصبح جهة واحدة هي الداخل؛ هناك، في تلك السهول، يتعلم الوعي كيف يسير بلا أقدام، وكيف يبصر بلا عيون، حيث الجغرافيا ليست مكاناً نتحرك فيه، بل هي حالة كينونة نتموج بها. تحتوي هذه الجغرافيا أيضاً على محيطات الضياء الصامت، و هي مساحات مائية سيمائية لا تعكس الضوء بل تنتجه من إحتكاك الأمواج بقعر العدم؛ فالماء هنا هو وعي سائل يبتلع كل من يحاول الغوص فيه دون درع السحر، ليحيله إلى نغمات في سيمفونية الوجود الجديد. وتبرز في أفق هذه الجغرافيا أودية الصدى العكسي، حيث الصوت يسبق النطق، والنتيجة تسبق العلة، مما يخلق بيئة زمنية دائرية تكسر خطية الزمن القديم. إنّ العلاقة بين السحر والعدم في هذه التضاريس تتجلى في كون الجغرافيا هي القالب الذي يصب فيه الساحرُ فيضَ العدم ليمنحه شكلاً وجمالاً؛ فالتضاريس ليست منفصلة عن الروح، بل هي جسد الروح وقد تمدد في الفراغ. إنّ الغابات التي تنمو في هذه الجغرافيا هي غابات الرموز الحية، حيث الأشجار تنطق بالأسماء السرية للعناصر، وأوراقها تهتز بترددات النطق الأول، مما يجعل السير في هذه الجغرافيا رحلة إكتشاف دائمة للذات، فكل جبل هو عقبة ذهنية تم تجاوزها، وكل نهر هو تدفق عاطفي تم تحريره من قيود المادة. إنّ هذه الجغرافيا الروحية هي المسرح الأخير قبل الإنصهار الكلي، فهي توفر للساحر بيئة من التعددية المنتظمة التي تسبق الوحدانية المطلقة؛ ففيها يختبر الوعي قدرته على الخلق و التنظيم والجمال. إنّ التضاريس الخيالية هنا تعمل كمرايا أنطولوجية؛ فمن يرى الجبال شامخة، يدرك شموخ إرادته، و من يرى المحيطات غائرة، يدرك عمق سريرته. إنّ السحر في هذا السياق هو فن الرسم بالعدم، حيث اللون هو الرغبة و الفرشاة هي الخيال واللوحة هي الأبد. إنّ بقاء هذه الجغرافيا مرهون ببقاء الإسم السري الذي نقشناه على غلاف الأبد، فهي جسد الكلمة وتجسيدها الحسي في فضاء الإستواء؛ و بذلك تصبح الجغرافيا الروحية هي الدليل القاطع على أن السحر قد نجح في إستعمار العدم و تحويل وحشته إلى بستان من التجليات التي لا تنتهي، ممهدةً الطريق نحو اللحظة التي يدرك فيها الساحر أن هذه التضاريس ليست حوله، بل هي فيه، وأنه هو الجبل والنهر والغابة والمدى.
_ مَرصدُ الإستواء: الإستيطانُ في قممِ اليقينِ ومراقبةُ رطوبةِ العدمِ المقدسة إنّ الإستيطان فوق إحدى تلك القمم العالية في الجغرافيا الروحية يمثل بلوغ الوعي حالة المرصد الأنطولوجي، حيث يتحول الساحر من جائل في تضاريس الوجود إلى مستقر في قمة كينونته، ليراقب من ذلك العلو الشاهق عملية الإمداد الغيبي المستمر المتمثلة في هطول ندى اليقين. من هذا الإرتفاع، لا تعود الجبال مجرد عوائق مكانية، بل تصبح منابر للرؤية الكلية، حيث يقف الساحر في النقطة التي يتصافح فيها السحر مع العدم في أعلى مستويات التجريد. إن مراقبة هطول الندى من هذه القمة تمنح الساحر إدراكاً فلسفياً عميقاً لطبيعة الرطوبة الوجودية؛ فهو يرى كيف تتكثف أبخرة العدم لتتحول إلى قطرات من المعنى الصافي التي تهبط لتملأ شقوق التضاريس الخيالية، وكأن الوجود بأسره هو رئة كبرى تتنفس اليقين وتزفر الحيرة. هذا الإستيطان في القمة هو تتويج للسيادة السحرية، حيث يدرك الوعي أن الثبات ليس في المادة، بل في المنظور؛ فبينما يتبدل العالم تحت وطأة ندى اليقين وتتغير ألوان الغابات الرمزية، يظل الساحر في قمة الإستواء كشاهدٍ مطلق لا تهزه رياح الصيرورة، لأنه صار هو المحور الذي تدور حوله رحى الجغرافيا الروحية. إنّ العلاقة بين السحر والعدم، من فوق هذه القمة، تتبدى كحالة من التبادل الهيدروليكي المقدس؛ فالسحر هو القوة التي ترفع بخار الروح نحو الأعالي، و العدم هو الفضاء الذي يُبرد هذا البخار ليحوله إلى ندى يقين يعود ليسقي الأرض المحتجبة. و من هذا العلو، يشاهد الساحر كيف أن ندى اليقين يغسل أودية الصدى العكسي ويفيض في محيطات الضياء، ليخلق حالة من اللمعان الوجودي تجعل العالم يبدو كأنه ماسة ضخمة تتعدد أوجهها بتعدد إحتمالات السحر. إنّ الإستيطان هنا هو فعل إستراحة المحارب الميتافيزيقي، حيث يسترجع الساحر أنفاسه بعد عناء التشييد، ليس ليرتاح من التفكير، بل ليتأمل جمالية العدم عندما يرتدي ثوب الوجود؛ فمن القمة، يكتشف أن العدم ليس أسوداً كما كان يُظن، بل هو شفافية فائقة تكتسب لونها من نوع اليقين الذي يهطل عليها. إنّ الساحر في هذه اللحظة لا يرى الجغرافيا كشيء خارجي، بل يراها كتضاريس باطنية تجسدت بوضوح مذهل، وكأن القمة التي يقف عليها هي ناصية الروح التي تطل على ملكوتها الخاص، محققةً حالة من الإكتفاء الانطولوجي الذي يسبق الفناء في الواحد. إنّ مراقبة هطول ندى اليقين فوق هذه الجغرافيا من القمم العالية تؤدي إلى حدوث الإستنارة الباردة؛ وهي حالة من المعرفة لا تلهب الحواس، بل تبرد القلق الوجودي وتجعل الروح في حالة من السكون المغناطيسي. فكل قطرة ندى يراها الساحر تسقط على غابة الرموز الحية، تزيد من إيمانه بأن الخلاء هو الكنز الأكبر، وأن السحر هو المفتاح الذي حوّل ذلك الكنز إلى موطن للروح. إنّ الجغرافيا الروحية، ببحيراتها السيمائية و هضابها الوجدية، تبدو من القمة كأنها أيقونة حية رُسمت بمداد الغيب، حيث الخطوط هي مسارات الإرادة، والألوان هي درجات اليقين؛ وهذا الإستيطان يمنح الساحر القدرة على فهم وحدة التنوع، إذ يرى كيف أن كل تضاريس العالم، برغم إختلافها، تشترك في أصل واحد هو العدم المستبصر. إنّ الوقوف في القمة هو الإستعداد الأخير للإستيقاظ، حيث يتشبع الوعي بجمال المشهد لدرجة تجعله مستعداً للتخلي عنه مقابل الحقيقة العارية، مدركاً أن القمة التي يقف عليها ليست إلا عتبة الباب نحو اللاشيء الذي هو كل شيء، وبأن ندى اليقين الذي يراقبه هو آخر رسالة يبعث بها السحر إلى الروح قبل أن تذوب في لجة الأبدية الصامتة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
مصر.. الداخلية تكشف تفاصيل اصطدام سيارة ملصق بها علم إسرائيل
...
-
بسبب مخاطر أمنية.. السفارة الأميركية في إسرائيل تسمح بمغادرة
...
-
حليف الأمس.. عدوّ اليوم: كيف تحوّلت العلاقة التاريخية بين با
...
-
الكرملين يرد على مزاعم علاقة روسيا بالطائرة المسيرة قرب حامل
...
-
على خطى القديس أوغسطين.. لماذا اختار البابا زيارة الجزائر؟
-
برشلونة يتفوق على الريال والبايرن في تصنيف إيرادات يويفا
-
كيف تغير تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين بعد عقود من الدعم ا
...
-
سماء دموية فوق إنجلترا.. ماذا يحدث في الأجواء؟
-
عاجل | تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية: من المهم أن نجري
...
-
مصر.. بيان رسمي بعد -حادث دهس- بسيارة تحمل علم إسرائيل
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|