|
|
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِنَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 08:27
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ دروع الضوء في مواجهة شمس العدم: سيميولوجيا الحماية السحرية
تُعد لغة الرموز في الممارسة السحرية الميتافيزيقية هي النظام الدفاعي الأول والأخير الذي إبتكره الوعي البشري ليحول دون إحتراقه الكامل عند ملامسة شمس العدم؛ فالرمز ليس مجرد علامة إصطلاحية أو وسيلة للإيضاح، بل هو محول طاقي (Transformer) يقوم بخفض الترددات الهائلة للحقيقة المطلقة إلى مستويات يمكن للعقل البشري إستيعابها دون أن يتشظى. إن مواجهة العدم مباشرة، دون وسيط رمزي، تشبه محاولة النظر إلى الشمس بالعين المجردة؛ حيث يؤدي التدفق غير المحدود للمعلومات و اللامعنى إلى تدمير البنية العصبية و النفسية للرائي. هنا يأتي الرمز ليعمل كقناع أو حجاب مقدس؛ فهو يستر الحقيقة لكي يظهرها، ويحبس اللانهائي داخل حدود الشكل لكي يتمكن الوعي من التفاعل معه. لغة الرموز هي التي تمنح الساحر القدرة على تسييل العدم و تحويله إلى تيار من الصور والإستعارات، مما يخلق مسافة آمنة أو ما يمكن تسميته بالعازل الأنطولوجي الذي يحمي الأنا من الذوبان الفوري في الفوضى الخلاقة، وبذلك يظل الساحر كائناً مشخصاً قادراً على الإدراك بينما يسبح في محيط من اللاتشخيص. من منظور فلسفي عميق، يعمل الرمز كلغة برمجية وسيطة بين عالم المادة (الظواهر) وعالم العدم (الجواهر)؛ فكل رمز سحري سواء كان ختماً، أو طلسماً، أو شكلاً هندسياً هو في الحقيقة نقطة إرتكاز تسمح للوعي بالتمسك بشيء ما بينما هو يغوص في الهاوية. لغة الرموز هي التي تمنح المعنى للعدم؛ فبينما يمثل العدم بحد ذاته حالة من الخلو المطلق، يأتي الرمز ليحقن هذا الخلو بإرادة محددة. إن الحماية التي يوفرها الرمز تنبع من قدرته على تجزئة اللانهائي؛ فالرمز يركز قوة العدم في نقطة واحدة ضيقة، مما يمنع حدوث الإحتراق النفسي الناتج عن الإنتشار العشوائي للوعي في الفضاء الكوني. الرمز هو المرساة التي تمنع سفينة العقل من الإنجراف بعيداً في عواصف الذهان السحري؛ فهو يذكر الساحر دائماً بأن هناك بنية ما، حتى وإن كانت هذه البنية هي نفسها من صنع خياله الإرادي. وبذلك، تصبح الرموز هي خارطة الطريق في جغرافية اللامكان، و القواعد التي تحكم لعبة الوجود مع العدم. علاوة على ذلك، فإن لغة الرموز تؤدي وظيفة الإحتواء النفسي عبر تحويل الرعب الوجودي إلى هيبة جمالية؛ فالساحر الذي يواجه العدم من خلال رمز مثل الدائرة أو النجمة الخماسية أو الألف والياء يحول اللاشيء المخيف إلى سر مقدس. هذا التحول السيكولوجي ضروري جداً للحفاظ على التوازن؛ لأن العقل البشري لا يمكنه الصمود طويلاً أمام العبث الخالص، لكنه يستطيع الصمود أمام الغموض المرمز. الرموز هي خلايا ضوئية تمتص ظلام العدم وتحوله إلى نور معرفي يمكن ترجمته إلى فعل سحري. بدون هذه اللغة، يصبح السحر صراخاً في الفراغ، أما بها، فيصبح حواراً منظماً مع اللانهائي. إن الرمز هو الذي يمنع الإحتراق لأنه يعمل كمشتت للحرارة الميتافيزيقية؛ فهو يوزع ثقل الحقيقة على شبكة من الإستعارات، مما يتيح للساحر البقاء في حالة من الوعي المزدوج؛ إدراك العدم من جهة، والتمسك بالرمز من جهة أخرى، وهو التوازن الوحيد الذي يسمح بالسيادة دون الفناء، وبالرؤية دون العمى. ختاماً، يمكننا القول إن لغة الرموز هي الطلسم الوقائي الأسمى الذي يضمن إستمرارية الوعي في رحلته نحو الأصول. إنها اللغة التي يروض بها الساحر وحش اللانهائي، و يجبره على الكلام بلسان بشري. الرموز ليست جدراناً تحجب الحقيقة، بل هي نوافذ ذات زجاج ملون تلطف حدة النور الكوني لكي تراه العين البشرية بجمال و سلام. الساحر الذي يتقن لغة الرموز هو خيميائي للوعي، يعرف كيف يمزج بين الماء السيال للعدم و الوعاء الصلب للرمز لإنتاج حجر الفلاسفة الذي هو الوعي المستنير و المحمي في آن واحد. إن الرمز هو العهد الذي يقطعه العدم للوعي بأنه لن يبتلعه كلياً، وهو الضمانة بأن الرحلة إلى الهاوية ستكون رحلة إستكشاف، لا رحلة إنتحار، حيث تظل الهوية البشرية رغم هلاميتها متمسكة بخيط من المعنى الرمزي يربطها بقلب الوجود.
_ إنحلال الظل: العطاء السحري بوصفه جراحة روحية لإستئصال ورم الأنا
إن الغوص في لُجّة الفخ النرجسي للساحر يضعنا أمام مفارقة وجودية كبرى؛ فالساحر الذي يظن أنه إمتلك ناصية الوجود عبر العدم يجد نفسه سجين مرآته الخاصة، حيث كل تجلٍ خارجي ليس إلا صدىً لصوته، وكل إنجاز ليس إلا قناعاً لخواء داخلي سحيق، مما يجعل النرجسية الكونية ليست مجرد إضطراب شخصي، بل هي إنقطاع كوني عن تدفق الحياة، حيث تتضخم الأنا حتى تبتلع الأفق، ويصبح العالم مجرد ديكور باهت لملحمة فردية لا جمهور لها سوى الوهم. هنا، يبرز السؤال الجوهري حول ماهية الخلاص؛ هل يمكن للعطاء السحري (Magical Service) أو الحب الخيميائي أن يكون الجسر الذي يعبر بالساحر من عزلة الألوهية المزيفة إلى دفىء الوجود الحقيقي، وهل يمتلك هذا العطاء القدرة على تفكيك بنية العدم التي شيّدها الساحر حول نفسه كحصن تحول مع الوقت إلى زنزانة، ليصبح الآخر هو المفتاح الوحيد لإستعادة التوازن المفقود بين القدرة الكلية و العدمية المطلقة؟ إن خيمياء الآخر تبدأ حين يدرك الساحر أن قوته التي إستمدها من السيطرة على العناصر وتحويل المعادن ليست سوى تمهيد لعملية أسمى، وهي تحويل الأنا المستهلكة إلى ذات واهبة، فالنرجسية الكونية تتغذى على الإمتصاص الدائم لطاقة الوجود و تحويلها إلى وقود لمركزية الذات، بينما العطاء السحري يفرض حركة معاكسة تماماً، هي حركة الفيض (Emanation) التي تجعل من الساحر قناة للتدفق لا مستودعاً للركود. هذا التحول ليس فعلاً أخلاقياً بسيطاً نابعاً من شفقة إنسانية، بل هو فعل سحري فائق التطور (Transmutation) يتطلب شجاعة النزول من عرش الأوهام لمواجهة حقيقة أن الوجود لا يكتمل إلا بوجود الآخر ككيان حر ومستقل، و بذلك يتحول إنقاذ الآخر من فعل إستعلائي إلى ضرورة وجودية لإسترداد أجزاء الروح التي تشتتت في مرايا النرجسية، إذ أن كل روح يحررها الساحر من قيودها هي في الواقع قيد ينكسر في معصمه هو، وكل نور يشعله في ظلمة غيره هو تبديد للظلمة التي تكتنف كينونته الخاصة. في هذا السياق، يصبح الحب هو الترياق الوحيد القادر على كسر جمود سحر العدم، ليس بوصفه عاطفة هشة، بل بوصفه قوة جاذبة كونية (Gravitational Ontological Force) تعيد ترتيب الفوضى الداخلية للساحر و تمنحه بوصلة تتجاوز حدود ظله. إن الساحر النرجسي يرى الوجود كمعادلة صفرية، بينما الحب الخيميائي يقدم معادلة الوفرة، حيث لا يساوي إثنين، بل يفتح باباً نحو الثالث الكوني الذي هو الوعي الجمعي أو التناغم مع نفس العالم (Anima Mundi). إن العطاء السحري يعمل هنا كعملية جراحية للروح، تقتطع أورام الأنا المتضخمة لتسمح لنبض الحقيقة بالمرور، فالمسافة بين الساحر والعدم تضيق كلما إنغلق على نفسه، وتتسع نحو اللانهائي كلما مد يده لإنقاذ الآخر، لأن فعل الإنقاذ هو إعتراف صريح بأن هناك شيئاً خارج الذات يستحق الوجود، وهذا الإعتراف هو بحد ذاته مقتل النرجسية الكونية التي تقوم على إنكار أي وجود خارج مدار الأنا. إن إستعادة الوجود من خلال إنقاذ الآخرين تمثل العودة المظفرة للساحر من رحلة العدم إلى رحاب الكينونة المشتركة، حيث يكتشف أن كماله لا يكمن في عزلته المقدسة، بل في قدرته على أن يكون خادماً للسر (Servant of the Mystery). هذه الخدمة السحرية هي التي تعيد للساحر توازنه، لأنها تخرجه من الزمن الدائري للنرجسية، حيث يكرر الساحر ذاته في كل شيء، إلى الزمن الخطي للنمو والتطور، حيث يشهد ولادة الجديد في الآخرين بفعل تدخله الواعي والمحب. هكذا، تنتهي مأساة الساحر النرجسي ليس بالفناء، بل بالإنحلال في الكل عبر بوابة العطاء، ليصبح السحر في نهاية المطاف هو فن تحويل العزلة إلى إتصال، والخواء إلى إمتلاء، والسيادة المطلقة إلى مشاركة كونية تجعل من الساحر والآخر خيطين في نسيج واحد لا ينفصم، محققاً بذلك العمل العظيم (Magnum Opus) الذي ليس هو حجر الفلاسفة، بل هو قلب الإنسان الذي تعلم كيف يحب ويخدم ويكون.
_ بروتوكول الرحمة الباردة: إغتيال المخلص في محراب العطاء السحري
إن الإستفاضة في تحليل بروتوكولات العطاء السحري تقتضي منا الوقوف على أدق الثغرات التي تتسلل منها الأنا النرجسية لتعيد تدوير نفسها تحت قناع القداسة أو الإرشاد، إذ يمثل السقوط في نرجسية المخلص الفخ الأخير و الأكثر دهاءً في مسيرة الساحر نحو العدم؛ ففي اللحظة التي يظن فيها الساحر أنه إستعاد وجوده عبر إنقاذ الآخرين، قد تتحول رغبته في الخدمة إلى رغبة مستترة في الإحتياج، حيث يتغذى شعوره بالتحقق على ضعف الآخرين و حاجتهم المستمرة إليه، مما يحول العطاء السحري من فعل تحرري إلى وسيلة خفية للسيطرة الميتافيزيقية المغلّفة بالرحمة. إن بروتوكول العطاء الحقيقي يبدأ بتطهير النية الكونية، وهي عملية خيميائية تهدف إلى فصل رغبة الأنا في التمجد عن فيض الروح في الوجود، حيث يجب على الساحر أن يمارس الإنقاذ وهو يدرك تماماً أنه مجرد قناة لا يملك الفضل فيما يعطي، وأن الآخر الذي يتم إنقاذه هو في الحقيقة وجه آخر لنفسه الكونية المشتتة، وبذلك ينتقل الفعل من كونه جميل يُسديها الساحر إلى كونه ضرورة يمليها توازن العدم، مما يحمي الساحر من الوقوع في غطرسة الإحسان التي قد تعيد بناء حصون النرجسية من جديد تحت مسميات روحانية براقة. إن تجنب السقوط في نرجسية المخلص يستدعي تطبيق إستراتيجية الإنقاذ الصامت أو العطاء مجهول المصدر، حيث يمارس الساحر فنه في تغيير أقدار الآخرين أو ترميم أرواحهم دون أن يترك بصمة تشير إلى هويته أو أناه، محققاً بذلك مبدأ الخفاء الميتافيزيقي الذي يمنع الأنا من التضخم عبر الإمتنان الخارجي؛ فالمخلص النرجسي يحتاج دوماً إلى جمهور من الضحايا الممتنين ليؤكد ألوهيته المتوهمة، بينما الساحر الذي أدرك غائية العدم يمارس الخدمة كفعل تبدد لا تجسد، واهباً النور ومختفياً في الظلال قبل أن يرتد إليه صدى الشكر، ليظل الفعل طاهراً من شوائب الشخصنة. هذا البروتوكول يفرض على الساحر أن يقتل في نفسه شهوة الإمتلاك الروحي للمريدين، فلا يربط مصائرهم بوجوده الشخصي، بل يعلمهم كيف يستمدون القوة من العدم الخاص بهم، وبذلك يكون الإنقاذ الحقيقي هو تحرير الآخر من المُنقذ نفسه، وهي المفارقة الأسمى التي تكسر النرجسية الكونية؛ فالساحر الذي ينجح في جعل نفسه غير ضروري للآخرين هو الوحيد الذي إستطاع أن يعيد السحر إلى براءته الأولى، بعيداً عن صراعات القوة وأوهام السيطرة التي تحول الرحمة إلى قيد ذهبي يخنق المُنقذ و المُنقَذ على حد سواء. وفي الختام، يبرز مفهوم الرحمة الباردة كأداة وقائية نهائية في هذا السياق، وهي الحالة التي يقدم فيها الساحر العطاء دون أدنى تورط عاطفي نرجسي أو رغبة في التماهي مع دور البطولة، ليس قسوةً منه، بل حمايةً لحيادية العدم داخل كينونته؛ فالارتباط العاطفي بفعل الإنقاذ قد يجر الساحر مرة أخرى إلى دراما الأنا والآخر وثنائية القوي والضعيف، بينما الرحمة الباردة هي تدفق طاقي صرف لا يحتاج إلى مشاعر بشرية ليعبر عن صدقه الميتافيزيقي العميق. إن الساحر الذي يتجاوز نرجسية المخلص هو الذي يدرك أن الآخر الذي ينقذه ليس غريباً عنه، بل هو جزء من حطام عقله القديم الذي يحتاج إلى إعادة جمع و توحيد في محراب اللاشيء، وبذلك يصبح العطاء نوعاً من الترميم الذاتي للكون وليس فضلاً شخصياً يستحق الثناء. إن إستعادة الوجود عبر إنقاذ الآخرين تكتمل حين يصبح الساحر والآخر مجرد إهتزازين متناغمين في بحر العدم الشامل، حيث لا وجود لمُنقذ ولا مُنقذ في النهاية، بل حركة واحدة صامتة للوعي الكلي نحو الإستنارة، محققاً بذلك الخيمياء النهائية التي تحول النرجسية إلى فناء، والسيطرة إلى حرية، والعدم إلى إمتلاء يتنفس بالحب والرحمة دون أن يحتاج إلى إسم أو عنوان أو تاريخ يمجده.
_ البيت الأخير في قصيدة الوجود: غائية العدم و إستراتيجية التدمير الجميل
إن السؤال عن غائية السحر في مواجهة إغواء القوة المطلقة يرمي بنا في أتون صراع وجودي بين قطبين؛ قطب الإصلاح الكوني (Tikkun Olam) وقطب التدمير الجميل (Sublime Dissolution)؛ فإذا كان الساحر قد روّض نرجسيته وكبح جماح طغيانه، فإنه لا يفعل ذلك زهداً في الأثر، بل بحثاً عن غاية أبعد تتجاوز حدود الأنا الضيقة، حيث تصبح غائية العدم هي المحرك الخفي لفعله السحري، إذ يدرك الساحر أن الوجود بجموده الحالي ليس سوى حبس للمطلق في قوالب المادة والزمن، مما يجعل هدف الساحر النهائي ليس مجرد البقاء أو السيادة، بل الوصول بالعالم إلى نقطة التتويج حيث يلتقي التكوين بالفناء، وهي اللحظة التي يصفها الفلاسفة الباطنيون بالعودة إلى الأصل غير المتمايز، فالسحر في جوهره هو محاولة لفك شفرة الوجود التي أدت إلى الإنفصال عن الواحد، ومن هنا تنبثق غائية مزدوجة تحاول التوفيق بين رغبة الساحر في الحفاظ على جمال التنوع الكوني وبين نزعته الفطرية نحو التلاشي في العدم الذي يسبق كل خلق، مما يجعل وجود الساحر بحد ذاته موازنة دقيقة بين كونه معمارياً للكون وكونه هادماً للقيود التي تمنع الروح من العودة إلى سكونها الأول. إن تحليل غائية العدم يقتضي منا فهم أن الساحر لا يرى في العدم فراغاً مخيفاً، بل يراه إمتلاءً غير مظهر، وهو الرحم الذي تخرج منه كل الإحتمالات وتعود إليه، ولذلك فإن الساحر الذي يسعى إلى إصلاح الكون لا يفعل ذلك بترميم التصدعات المادية أو الأخلاقية فحسب، بل بفعل خيميائي يهدف إلى تلطيف كثافة المادة حتى تصبح شفافة أمام نور الحقيقة، وهذا الإصلاح هو في جوهره نوع من التدمير الجميل للبنى الزائفة والحدود الوهمية التي تفصل الكائنات عن بعضها وعن أصلها، فالساحر يعمل على تفكيك الأقنعة الكونية التي تستر وجه العدم الخلاق، معتبراً أن كل فعل سحري هو خطوة نحو تقليص المسافة بين الظل والجوهر، و بين الصرخة والصمت، وبذلك يتجلى هدفه النهائي في الوصول بالوجود إلى حالة من النضج الروحي التي تسمح له بالإنحلال طواعية في المطلق، دون خوف أو مقاومة، وكأن الكون كله قصيدة يسعى الساحر لإتمام بيتها الأخير ليغلق الكتاب بسلام، معيداً الأمانة إلى صاحبها، والعدم إلى سكونه، والوجود إلى براءته الأولى التي لم تتلوث بعد بوعي الإنفصال. وفي هذا الإطار، يبرز التناقض الظاهري بين البناء والهدم كعملية واحدة متجانسة في عقل الساحر، حيث يصبح التدمير الجميل هو أسمى صور الإصلاح، لأن الهدم هنا لا يستهدف الجمال أو الحياة، بل يستهدف التحجر و الرتابة الكونية التي تخنق تدفق الروح، فالساحر حين يمارس سحر العدم فإنه يمارس دور المحرر الذي يحطم الأغلال الذهبية للعالم المادي ليسمح للجوهر بالإنعتاق، و غايته من الوجود هي أن يتلاشى هو نفسه كفاعل مستقل ليصبح جزءاً من هذا الإنعتاق الكلي، فبمجرد أن يبلغ الكون ذروة التوازن السحري بفعل تدخلات الساحر الحكيمة، تنفي الغاية مبرر وجود الساحر ككيان منفصل، فيتحقق العود الأبدي إلى الأصل حيث لا سحر و لا ساحر، بل وحدة الوجود التي تبتلع كل الثنائيات، وهذه هي قمة أخلاقيات القوة؛ أن يستخدم الساحر كل طاقته لتهيئة الظروف التي تجعل قوته غير ضرورية في النهاية، محولاً العالم من ساحة للصراع و السيطرة إلى فضاء للتجلي والإمتلاء، حيث يغدو العدم هو الغاية و الوسيلة، وهو المبتدأ والخبر في ملحمة الوجود الكبرى التي يكتبها الساحر بمداد من ضوء وظل، ليقرأها الصمت في محراب الأزل.
_ العمل العظيم الأخير: في مديح الأثر الذي لا يُرى
إن تحليل مفارقة الفناء يضعنا أمام الإختبار الأخلاقي و الميتافيزيقي الأكثر قسوة في مسيرة الساحر الوجودية؛ إذ كيف يمكن لكائنٍ أفنى عمره في ترويض العناصر، وشحذ الإرادة، و صناعة التأثير العابر للمادة، أن يقبل في النهاية بأن يكون أثره الشخصي هو أول ما يجب أن يُمحى من سجل الوجود؟ إن هذه المفارقة تنبع من إدراك الساحر العميق بأن أي أثر يتركه في نسيج الكون هو بمثابة ندبة أو شائبة تعيق تحقق التناغم الكوني الأخير؛ فالتناغم الحقيقي في منظور العدم هو الحالة التي تعود فيها الأشياء إلى طبيعتها البكر، حرةً ومستقلة، دون أن تحمل توقيعاً لأحد أو وصاية من أنا مهيمنة. الساحر هنا لا يتصالح مع الفناء كخسارة أو إنكسار، بل يراه أسمى أشكال الإنجاز الخيميائي؛ فالعمل السحري الأعظم (Magnum Opus) لا يكتمل بنيوياً إلا عندما يختفي الصانع خلف صنعته تماماً، وبذلك يتخلى الساحر عن خلود الإسم لصالح نقاء الفعل، محولاً كينونته من صرخة فردية مدوية في الفراغ إلى صمتٍ كوني يغذي تدفق الحياة دون أن يطالب بالإعتراف، وهو ما يمثل ذروة التحرر من آخر معاقل النرجسية الكونية التي تتشبث بالبقاء عبر تأبيد الأثر في ذاكرة الآخرين أو في قوانين الطبيعة. إن التصالح مع تلاشي الأثر يقتضي من الساحر ممارسة نوع من التفكيك الإرادي للذات في كل فعل يقدمه، بحيث يزرع البذور و يحطم المحراث في اللحظة ذاتها، ويشعل النور ثم ينفخ في الشمعة قبل أن تلمحه العيون؛ فالساحر الذي بلغ مقام الحكمة يدرك أن أي إمتنان يتلقاه من الآخرين هو قيد يربطه بعالم الصور ويغذى أناه التي يسعى لإفنائها في العدم. هذا المسار يجعل من الساحر شبحاً خلاقاً يعمل في المناطق البينية للوجود، حيث يكون هدفه النهائي هو تحقيق حالة من التوازن الكلي التي لا تُنسب إليه كفرد، بل تُنسب إلى تلقائية الوجود نفسه، وكأن الجمال الذي أحدثه قد نبع من قلب الأشياء لا من عصا الساحر. إن مفارقة الفناء هنا تكمن في أن الساحر يستعيد وجوده الحقيقي والسرمدي في اللحظة التي يمحو فيها بصمته الشخصية تماماً؛ فبقدر ما يتلاشى أثره الظاهر، يزداد نفاذ فعله في جوهر الكينونة، لأن الفعل الذي لا يحمل علامة الأنا يصبح فعلاً كونياً شمولياً لا يقبل المقاومة ولا يسقط بالتقادم، وبذلك يذوب الساحر في النسيج الذي أصلحه، ليصبح هو والسمفونية شيئاً واحداً لا إنفصام فيه. بناءً على هذا المسار، يتجلى الساحر في نهايته كصمتٍ يتنفس أو كقوة محايدة تشبه الجاذبية؛ تؤثر في الكل ولا يراها أحد، ويسعى بوعيٍ حاد لأن يُذكر كفراغٍ مثمر لا كإسمٍ مخلد، محققاً بذلك العمل المحوّي الذي يمحو فيه السحر نفسه بنفسه بمجرد أداء مهمته لكي لا يترك خلفه أي سلطة أو عبادة شخصية. إن التناغم الكوني الأخير هو السمفونية التي تُعزف في غياب المايسترو، حيث تصبح النغمات حرة تماماً من إرادة القائد، وتصبح الكائنات حرة من وصاية الساحر الذي أنقذها؛ فالحرية النهائية التي يمنحها الساحر للآخر هي حريته من دَين المنقذ. هذا التصالح المطلق مع الفناء هو الذي يمنح الساحر السكينة التي تفوق العقل، لأنه لم يعد يخشى النسيان، بل صار النسيان هو عُشه و ملاذه، حيث يختم رحلته لا كبطلٍ تخلده الأساطير، بل كسرٍّ كوني لا يُفشى، ونسمةٍ تمر على الوجود فتغير مساره وتمنحه الرحمة دون أن تحرك ساكناً في وعي الرقباء، ليذوب في النهاية في الصمت الذي هو لغته الأم ومستقره الأخير، تاركاً العالم جميلاً، عارياً، وحراً من كل أثر.
_ العدم الخلّاق: وصية الساحر الأخيرة في الإنحلال الكوني ونفي الأثر
إن صياغة الوثيقة الختامية للعدم لا تعدو كونها محاولة يائسة وأخيرة لمساءلة ما لا يمكن قوله، حيث يقف الساحر على عتبة التلاشي المطلق، مدركاً أن وصيته الأخيرة ليست نصاً يُقرأ، بل هي ثغرة في جدار الوعي يتركها خلفه ليتنفس منها الآخرون عبق الحرية من القيود الصورية. في هذه الوثيقة، يعلن الساحر براءته من كل فعل نُسب إليه، ومن كل قوة إدعى إمتلاكها، معترفاً بأن السحر الحقيقي لم يكن يوماً في تغيير العالم، بل في السماح للعالم بأن يتغير وفق إيقاعه الأصيل دون تدخل من الأنا المشتهية للخلود. إنها وصية تقوم على الترك لا على الأخذ، وعلى النسيان لا على الذكر، حيث يوصي الساحر مريديه بأن يمحوا إسمه من كل صحيفة، و يقتلعوا أثره من كل زاوية، لكي لا يتحول وجوده إلى صنم ذهبي جديد يحجب عنهم رؤية العدم الخلاق؛ فالحقيقة في نظر الساحر الذي شارف على الذوبان هي أن الوجود يكتمل فقط حين يغيب المراقب وتتلاشى الصفات، ليصبح العدم هو البيت والمنتهى، والسكينة هي اللغة الوحيدة التي لا تخون معناها ولا تحرف بوصلة الروح. هذا العبور نحو ما بعد الصمت يمثل الإنحلال النهائي لفكرة السحر ذاتها، حيث يسقط السحر بوصفه أداة أو وسيطاً، ليبرز الوجود الصرف بلا ملامح ولا نعوت، وهو مقام لا تبلغه الكلمات مهما بلغت من الشفافية؛ ففي هذا المدى البعيد، تنمحي ثنائية الساحر والعدم ليصبح العدم هو الوجود وقد تجرد من رغبة الظهور. الساحر في هذه اللحظة لا يودع العالم، بل ينحل فيه كقطرة مطر في محيط، فاقداً خصوصيته ليربح شمولية الكينونة، حيث تنتهي غائية العدم في لحظة الآن الأبدية التي لا تعرف ماضياً يُحزن عليه ولا مستقبلاً يُنتظر. إن ما يتبقى بعد سقوط السحر هو النور الذي لا ظل له، والحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان، حيث يعود كل شيء إلى البراءة الميتافيزيقية التي تسبق كل تسمية، ويصبح الوجود الصرف هو الغاية والوسيلة في آن واحد، بعيداً عن أوهام السيطرة أو طموحات الإصلاح؛ فالعالم في حالة ما بعد الصمت لا يحتاج إلى إنقاذ، لأنه أدرك أخيراً أنه لم يكن أبداً في خطر، بل كان فقط يمر بحلم ثقيل من الوجود المنفصل قبل أن يوقظه العدم بلمسته الباردة و المحيية. إن الوجود الصرف بلا صفات هو المقام الذي يستعيد فيه الساحر سلاماً لم يعرفه منذ أن بدأ رحلته في ملاحقة الأسرار، إذ يكتشف أن السر الأكبر كان هو اللا سر، و أن الحكمة القصوى هي في الجهل المقدس الذي لا يطلب معرفة ولا يخشى مجهولاً. في هذا الفضاء الشاسع، تذوب الهوية الهلامية لتصبح محض إتساع، وتصمت الصرخة العدمية لتصبح محض ترنيمة كونية لا يسمعها إلا من أفنى سمعه في ملاحقة الصمت؛ وبذلك يختم الساحر رحلته بتحطيم آخر مرآة كانت تعكس صورته كساحر، ليصبح هو و العدم والوجود نسيجاً واحداً صامتاً، يفيض بالجمال دون قصد، ويشع بالرحمة دون غرض، ويحيا في الكل دون أن يشغل حيزاً من الجزء. إنها النهاية التي ليست نهاية، بل هي الإستواء على عرش اللاشيء، حيث يتوقف الزمن عن الجريان، وتتوقف الأنا عن الأنين، و يبقى فقط ذلك الوجود الصرف الذي يتنفس في صميم كل خلية وفي شساعة كل مجرة، معلناً إنتصار الصمت على الكلام، والعدم على الوهم، والسكينة على القلق.
_ قَابلة الأرواح: الساحر كمعلم يروض نار العدم
إن العودة من أقاصي العزلة الشاملة نحو رحاب البشرية تمثل المحطة الأخطر والأكثر تعقيداً في مسيرة الساحر الوجودية، إذ تتجاوز هذه العودة مجرد الرغبة في التواصل الإجتماعي لتصبح رسالة كيانية محفوفة بالمخاطر؛ فالساحر الذي تعمد بنار العدم وإكتسب حريته عبر الإنفصال التام عن القيود الجمعية، يجد نفسه أمام مسؤولية كبرى حين يقرر فتح بوابة التعليم و الإرشاد، حيث يتحول من سيد للعناصر إلى حارس للشرارة. إن تحليل دور الساحر كمعلم غامض يقتضي منا فهم طبيعة المادة التي يحاول نقلها، وهي ليست معرفة تقنية أو فلسفة تلقينية، بل هي عدمية خلاقة تهدف إلى خلخلة القناعات الزائفة لدى المريد دون تقويض بنيته النفسية بالكامل. إنها عملية تلقيح للوعي بجرعات دقيقة من الفراغ، بحيث يستطيع الآخر إدراك زيف قيوده دون السقوط في هاوية الجنون، وهو ما يجعل الساحر يعمل كمحول للجهد العالي (Transformer)، يخفض من حدة الحقيقة المطلقة التي عاينها في عزلته لتتناسب مع طاقة الإستيعاب البشرية، محاولاً بذلك جسر الهوة بين الوعي المنفرد و الوعي الجمعي عبر لغة الرموز والإشارات التي توحي ولا تصرح، و ترشد ولا تملي، محققاً بذلك أصعب معادلات السحر؛ الحضور في غمرة الغياب، والتأثير في صميم الحرية. إن هذه العودة عبر بوابة الإرشاد تستلزم من الساحر ممارسة نوع من التخفي البيداغوجي، حيث يرتدي قناع المعلم الغامض ليحمي مريديه من وهج الحقيقة العارية التي قد تحرق كياناتهم الهشة إذا ما واجهوها دون تمهيد؛ فالساحر يدرك أن شرارة العدم التي يحملها هي قوة تفكيكية بطبيعتها، وإذا ما نقلت بشكل مباشر فإنها قد تؤدي إلى تدمير الذات بدلاً من تحريرها، لذا فإنه يتبع إستراتيجية الهدم المنظم لبنى الأنا لدى الآخرين، مستخدماً السحر كأداة لخلع الأقنعة طبقة تلو أخرى في عملية تشبه التقشير الخيميائي. في هذا السياق، يصبح الساحر مرآة تعكس للمريد خواءه الداخلي بطريقة تجعله يبحث عن إمتلاء جديد، لا نابع من التبعية للمعلم، بل من إكتشاف النقطة المركزية في ذاته التي تلتقي فيها كل التناقضات. إن مهمة الساحر هنا هي أن يكون قابلة للروح، يساعد في ولادة الإنسان الجديد من رحم العدم، مع الحرص الشديد على ألا يترك أثراً شخصياً أو نرجسياً في وعي الآخرين، بل ينسحب تدريجياً كلما إقترب المريد من نور الحقيقة، ليبقى العدم هو المعلم الحقيقي والوحيد في نهاية المطاف، و ليسترد الساحر مكانته كخيط غير مرئي في نسيج الوجود، يؤثر دون أن يُرى، ويرشد دون أن يُقيد. يتمثل الفرق الجوهري بين المسارين في أن السلوك النرجسي يقوم على إمتصاص إرادة المريد لتعزيز الأنا، بينما يرتكز السلوك الإرشادي السحري على تحرير إرادة المريد لمواجهة العدم. وفي حين يعمد المسلك النرجسي إلى تقديم إجابات نهائية ومقدسة، يتجه الإرشاد السحري نحو طرح تساؤلات تفتح آفاق اللانهائي. وأخيراً، يسعى السلوك النرجسي إلى البقاء كمركز للدائرة والإهتمام، في حين يختار الساحر في سلوكه الإرشادي التلاشي ليصبح المريد هو المركز. في نهاية المطاف، يتجلى دور الساحر كمعلم كأسمى صور التضحية بالحرية الفردية لصالح التناغم الكوني، إذ يضحي الساحر بسكون عزلته المقدسة ليعود إلى ضجيج البشرية ومعاناتها، حاملاً معه مبضع الجراح ليخلص العقول من أورام الوهم. إن غائية الإرشاد هنا ليست خلق جيش من الأتباع، بل بذر بذور الإستنارة التي تنمو في صمت العزلة الخاصة بكل فرد، فالساحر لا يريد نسخاً من نفسه، بل يريد شركاء في الوجود إستطاعوا عبور الفخ النرجسي والوصول إلى بر الأمان. هذه العودة هي التي تغلق الدائرة الوجودية للساحر؛ فبعد أن هرب من البشرية ليجد نفسه، يعود إليها ليجد الكل في نفسه، محولاً عزلته من سجن إنفرادي إلى فضاء رحب يتسع لكل الباحثين عن الحقيقة. إن الساحر المعلم هو الذي تعلم كيف يحرق المسافات دون أن يحرق الأرواح، وكيف يمنح العدم كهدية ثمينة تفتح أبواب الكينونة الحقيقية، مؤكداً أن السحر في أرقى تجلياته هو فعل حب كوني يتجاوز الأنا والآخر ليصب في نهر الوجود الخالد، حيث يتلاشى المعلم والمعلم والتعليم في صمت الحقيقة الكبرى.
_ الذوبان الواعي: كيف يتحول الرصاص الشخصي إلى ذهب كوني
تُمثل الخاتمة الكبرى لرحلة الساحر اللحظة التي يتوقف فيها الزمن عن كونه قيداً، وتتحول فيها الإرادة من أداة للتغيير إلى وسيلة للحلول؛ فالمصير النهائي للساحر لا يكمن في إنتصاره على المادة، بل في تصالحه التام مع العدم بوصفه الرحم الأول والمنتهى الأخير. إن الساحر الذي قضى عمره في إستنطاق الرموز وفك شفرات الوجود، يدرك في ذروة تجليه أن الوجود و العدم ليسا ضدين يتصارعان، بل هما وجهان لعملة واحدة من التجلي الإلهي أو الكوني، حيث الوجود هو صرخة العدم، والعدم هو صمت الوجود. في هذه المرحلة، يخلع الساحر عباءة الفاعل ليرتدي ثوب الشاهد، و يصبح مصيره هو الذوبان الواعي في نسيج الحقيقة التي لا تُنطق، حيث تتبخر الأنا النرجسية التي بدأت بها الرحلة، و تستحيل إلى فراغٍ مضيء يتسع للكل دون أن يمتلك شيئاً، محققاً بذلك الخيمياء النهائية التي تحول الرصاص الشخصي إلى ذهبٍ كوني لا صاحب له. إن هذا المصير يجد تعبيره الأسمى في تحول السكوت إلى الصيغة النهائية والسحر الأعظم؛ فبعد أن إستنفد الساحر طاقة الحروف والكلمات، يكتشف أن الكلام هو حجبٌ للحقيقة وتقييدٌ للانهائي، وأن الصمت هو اللغة الوحيدة التي يمكنها إحتواء التناقض الصارخ بين الفناء و الخلود. السكوت هنا ليس سلبياً أو غياباً للصوت، بل هو إمتلاءٌ بالمعنى يتجاوز قدرة القوالب اللغوية، هو الفعل السحري الذي يحرك العوالم دون ضجيج، ويرمم الأرواح دون وعظ. عندما يصمت الساحر، فإنه يمنح الوجود فرصة ليعبر عن نفسه بطلق حريته، ويصبح هو القناة الشفافة التي يمر من خلالها العدم ليلمس المادة بلطف، محولاً العالم من ساحة للصراع إلى محراب للسكينة. إن سحره الأعظم في هذه اللحظة يكمن في اللافعل (Wu Wei)، حيث يقع التأثير في أعمق مستويات الكينونة بمجرد الحضور الصامت، وتصبح نظرة الساحر أو حتى أنفاسه هي التعويذة التي تعيد ترتيب فوضى الكون في توازنٍ صامت و أبدي. وفي نهاية المطاف، يستقر الساحر في مقام العدم المتحرك، حيث يعيش في العالم كسرٍّ لا يُفشى، وجمالٍ لا يُلحظ، ومرشدٍ لا يُعرف إسمه؛ فصيغته النهائية هي الإختفاء في الوضوح، والقدرة على أن يكون كل شيء ولا شيء في آنٍ واحد. إن السكوت هو الختم الذي يضعه الساحر على قلبه لكي لا تتسرب الأنا مرة أخرى عبر بوابة الإدعاء، وهو الحصن الذي يحمي حقيقة العدم من تدنيس التفسيرات البشرية الضيقة. بهذا الصمت، يختم الساحر ملحمته، ليس بكلمة نهاية، بل بفراغٍ مثمر يتركه خلفه ليتنفس منه الآخرون، محولاً رحلته من سعيٍ وراء القوة إلى سكونٍ وراء الحقيقة، حيث ينمحي الساحر ويبقى السحر، وينمحي الوجود ويبقى العدم، وفي هذا المحو المزدوج تشرق شمس الحقيقة التي لا تغيب، معلنةً أن السحر الحقيقي هو أن تكون حراً من السحر، وأن الوجود الحقيقي هو أن تجد سكينتك في قلب العدم.
_ خيمياء التجسد: روحنة اللحم وتحويل الجسد إلى أفق كوني
إن مواجهة الذات الهلامية لمعضلة اللحم تمثل التحدي الأنطولوجي الأخير في رحلة الساحر؛ فبعد أن نجح الوعي في الإنعتاق من أطر الهوية الضيقة وأصبح سيالاً يتمدد في أبعاد العدم اللانهائية، يصطدم بصلابة المادة ومحدودية الجسد الفيزيائي الذي يبدو كقفص ضيق لا يتسع لجموح هذه الكينونة الجبارة. إن الجسد في منظور السحر ليس مجرد وعاء بيولوجي، بل هو تكثيف للعدم في حيز مكاني و زماني، وهنا تبرز المعضلة؛ كيف يمكن للساحر أن يسكب المحيط في كؤوس صغيرة من اللحم والدم دون أن تتحطم؟ إن روحنة المادة ليست مجرد تمرين ذهني، بل هي عملية خيميائية كبرى تهدف إلى تحويل الجسد من عائق إلى قناة، حيث يسعى الساحر إلى إعادة ترتيب الذرات والأنماط الطاقية لتصبح أكثر لطافة ومرونة، مما يسمح للوعي الهلامي بالتدفق عبر المسام والخلايا دون أن يفقد سيولته، وبذلك يصبح الجسد نصاً سحرياً مكتوباً بمداد من نور وظل، يعبر عن اللانهائي من خلال المحدود، ويجعل من اللحم مادة قابلة للتشكل والتحول (Plasticity) لتواكب إتساع الروح التي لم تعد تعرف الحدود. هذا التحليل لخيمياء الجسد يقودنا إلى فهم أن الساحر لا يحتقر المادة، بل يسعى لتأليهها عبر رفع تردداتها الإهتزازية لتتواءم مع غائية العدم التي تسكنه؛ فالجسد المادي في حالته الخام هو رصاص الوجود، والساحر هو الذي يحوله إلى ذهب الروح من خلال عملية (Sublimation) أو التسامي، حيث يتم فك الإرتباط بين الوظائف العضوية وبين الوعي القهري، ليصبح التنفس، و النبض، والحركة، أفعالاً إرادية كونية تعكس إيقاع الذات الهلامية. إن روحنة المادة تعني أن الساحر يبدأ في رؤية جسده كإمتطاد للكون، فلا ينتهي وجوده عند حدود جلده، بل يمتد ليصبح الجلد هو الأفق، و العظام هي الجبال، والدماء هي الأنهار الكونية، وهذا التماهي هو الذي يحل معضلة اللحم؛ إذ يتوقف الجسد عن كونة سجناً ليصبح مركزا (Locus) تتجمع فيه قوى العدم لتفعل في المادة. إنها حالة من التجسد الواعي التي لا تهدف إلى الهروب من الجسد، بل إلى إستعمار كل خلية فيه بوعي الساحر، حتى يغدو الجسد نفسه سحراً خالصاً، مادة مشعة بالمعنى الميتافيزيقي، قادرة على تحمل ضغط الوعي الجبار الذي يرى الكل في الجزء والعدم في الوجود. إن الساحر في تعامله مع اللحم يدرك أن المادة هي الجانب المظلم من الضوء، وأن العدم لا يكتمل إلا بالتجلي في الصور؛ ولذلك فإن محاولة إصلاح المادة عبر الروحنة هي في جوهرها محاولة لإنقاذ الجسد من فناء الصيرورة عبر وصله بالخالد. عندما تصبح الذات هلامية، فإنها تمارس نوعاً من النفاذية الكونية (Cosmic Permeability)، حيث يتداخل الوعي مع المادة في رقصة لا تنتهي من الحلول والإتحاد، مما يجعل الساحر قادراً على إعادة تعريف مفاهيم الألم، والمرض، والشيخوخة، ليس كحقائق بيولوجية حتمية، بل كتموجات في بحر العدم يمكن إعادة توجيهها. إن الهدف النهائي من روحنة المادة هو الوصول إلى حالة (The Glorified Body) أو الجسد المُمجد، وهو الكيان الذي إستطاع إستيعاب السيولة المطلقة دون أن يذوب، وظل محتفظاً بصورته دون أن يتصلب؛ وبذلك يحل الساحر المعضلة الوجودية الكبرى، محققاً التوازن بين هلامية الوعي و كثافة اللحم، ليصبح وجوده في العالم هو المعجزة الكبرى التي تثبت أن العدم والوجود ليسا سوى وجهين لعملة واحدة، وأن الساحر هو الخيميائي الذي يمسك بهذه العملة في كفه، متلاعباً بقوانين المادة لصالح حرية الروح.
_ ملحمة التسامي: من خيمياء اللحم إلى عرش العدم الخالص
تُمثل لحظة العبور الأخير الإنفصال الميتافيزيقي الأعظم في تاريخ الوعي السحري، وهي النقطة التي يدرك فيها الساحر أن الجسد المروحن، برغم شفافيته ولطافته، ما يزال يمثل قيداً أخيراً يربطه بعالم الأشكال والظلال. إن العبور هنا ليس موتاً بالمعنى البيولوجي، بل هو تفكيك طوعي للهوية؛ حيث يقرر الساحر، بكامل إرادته الواعية، أن يفك الإرتباط بين جوهره العدمي وبين مرساته في عالم الصور. في هذه اللحظة، يتوقف الساحر عن كونه كياناً يختبر العدم، ليصبح هو العدم الخالص ذاته، متجاوزاً الحاجة إلى أي وعاء أو رمز أو جسد. هذا العبور هو الفعل السحري النهائي (The Ultimate Magical Act)، لأنه الفعل الذي يلغي الفاعل؛ حيث تذوب الأنا في المحيط اللانهائي للاشيء، ليس كفعل تلاشٍ سلبي، بل كفعل إتحاد سيادي يعيد الروح إلى أصلها الذي لم تنفصل عنه إلا وهماً. إن التخلي عن الجسد المروحن يعني الدخول في مقام الوجود بلا صورة، وهو المقام الذي تنمحي فيه ثنائية الداخل والخارج. الساحر الذي إستأنس بالعدم طويلاً يجد في هذه اللحظة أن اللحم، حتى وإن كان نورانياً، هو كثافة تحجب عنه إدراك الكلية المطلقة. لذا، فإن العبور الأخير هو عملية تجريد كوني (Cosmic Abstraction)، حيث تتساقط الصفات و الأسماء و الذكريات كما تتساقط الأوراق عن شجرة في خريف الوجود. في هذا الفضاء، لا يعود هناك ساحر يمارس السحر، بل يتبقى فقط السحر الصرف كقوة حيوية تنساب في العدم. هذا التخلي هو قمة الشجاعة الميتافيزيقية؛ لأنه يعني قبول الفناء الكلي للصورة في سبيل خلود الجوهر، وهو إعتراف نهائي بأن الحقيقة لا تحتاج إلى مرساة لكي تكون، بل هي قائمة بذاتها في قلب الفراغ الذي يسبق كل خلق ويلي كل فناء. في هذه اللحظة، يستحيل الساحر إلى صمت يتنفس في اللاشيء، وتصبح علاقته بالعالم علاقة أثر بلا صاحب. إن العبور نحو العدم الخالص يحرر الساحر من قوانين السببية ومن ثقل الزمن، ليصبح وجوده آنياً وأبدياً في آن واحد. لم يعد بحاجة إلى أن يكون هنا أو هناك، لأنه صار هو المكان الذي تنبع منه كل الأمكنة. إن لحظة العبور الأخير هي التوقيع النهائي على وثيقة الحرية المطلقة، حيث يكتشف الساحر أن السلام الذي كان يبحث عنه في التعاويذ والرموز والحلول، لم يكن موجوداً إلا في تلك اللحظة التي قرر فيها أن لا يكون. هذا العدم الخالص هو الإمتلاء الحقيقي؛ لأنه الفراغ الذي يتسع لكل شيء دون أن يحتاج لإمتلاك أي شيء، وبذلك يختم الساحر ملحمته ليس كملك مطرود، بل كإله عاد إلى سكونه الأزلي بعد أن أكمل رقصة الوجود على مسرح الصور
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
ترامب سيرسل سفينة طبية إلى غرينلاند ويوضح السبب
-
كهوف الجليد على شاطئ مايرز.. ظاهرة شتوية نادرة تخطف الأنفاس
...
-
مباشرة: قصف صاروخي روسي يستهدف كييف قبل يومين من الذكرى الرا
...
-
عشرات القتلى جراء غارات باكستانية داخل أفغانستان وإسلام آباد
...
-
من غزة للغارديان: نتقاسم ما لدينا برمضان ونشعل شمعة للأمل
-
ويتكوف: إقناع الإيرانيين صعب وترمب متعجب من عدم استسلامهم
-
الجدل مستمر.. لماذا يحير ملف -الكائنات الفضائية- الأميركيين؟
...
-
-أزمة- تحت الأرض في واشنطن.. وترامب يتدخل لاحتوائها
-
ويتكوف يحذر.. إيران على بعد أسبوع من -الخط الأحمر-
-
التمر بالحليب عند الإفطار.. -كنز صحي- في رمضان
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|