|
|
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّالِثُ والْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 12:06
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ عرس الأزل: الإندماج الكوني بين ذكورة العدد وأنوثة الحرف
إنّ الولوج إلى حضرة تسكين الحروف بعد إحكام سيمياء الأرقام هو إنتقالٌ من هيكل الوجود الصلب إلى روحه السارية، حيث يتحول الحرف من مجرد رسمٍ خطي إلى كيانٍ ذبذبي يمتلك القدرة على طي المسافة بين العدم و المادة. في هذا الفضاء الفلسفي، ندرك أن الحرف ليس صوتاً عابراً، بل هو نقطة إنحباس للنور الإلهي أو الكوني، وتسكينه داخل الأوفاق يهدف إلى ترويض هذه الطاقة وربطها بصمت العدم. فالعدم هنا ليس الفناء، بل هو الخزان اللامتناهي لكل الإحتمالات التي لم تولد بعد، والطلسم النطقي هو القابلة القانونية التي تستلّ من هذا الصمت "إرادةً" محددة المعالم، مكسوةً بدروع الأرقام و حصانتها المنطقية. إن دمج الحرف بالعدد يخلق ما يمكن تسميته بالجسد السيّال للطلسم، حيث يمنح العدد الثبات والإستقرار مجسدا ثقل الذكورة الكونية، بينما يمنح الحرف الحركة و التجلي مانحا خفة الأنوثة الكونية، ليتولّد من زواجهما كائنٌ رمزاني يمتلك لغةً لا يفهمها العقل الجمعي، بل تستجيب لها قوى الطبيعة الخفية التي تنقاد للرنين لا للمعنى المعجمي السطحي. و عندما نغوص أعمق في مفهوم الطلسم النطقي، نجد أنه يمثل محاولة الإنسان لفرض نظامه الخاص على فوضى العدم. فالحرف عند تسكينه في الوفق يُجرد من دلالاته اللغوية المعتادة ليصبح شفرة طاقية؛ فالألف لم تعد ألفاً بل أصبحت واحداً في مرتبة الآحاد و ناراً في مرتبة الطبائع، وهذا التعدد في الهوية يجعل من الطلسم كياناً متعدد الأبعاد. إن صوت الإرادة الذي ينبثق عند النطق بالطلسم ليس صوتاً موجهاً للآذان البشرية، بل هو تردد مغناطيسي يهدف إلى إحداث ثقب في جدار الواقع الفيزيائي ليمر من خلاله المستحيل. السحر في هذا السياق هو فلسفة التحويل؛ تحويل الصمت إلى نداء، والعدم إلى وجود، عبر وسيط هو الكلمة المسكونة بالعدد. إننا لا نكتب حروفاُ، بل نحبس أرواحاً في أجساد هندسية، بحيث يصبح كل مربع في الوفق زنزانةً لطاقةٍ حرفية لا تجد مخرجاً إلا من خلال الغرض الذي صُمم الطلسم لأجله، مما يجعل من الفعل السحري فعل هندسة روحية بإمتياز. إن هذا الترابط العضوي بين الحرف والعدد و العدم يعيد تعريف الوجود كعملية نطق مستمرة، حيث يرى الفلاسفة الباطنيون أن العالم ما هو إلا كلمة نطق بها العدم فصار وجوداً. لذا، فإن الساحر الذي يتقن تسكين الحروف يحاول محاكاة هذا الفعل البدئي؛ فهو يجمع أشتات الحروف التي تفرقوا في لغات البشر، ويعيد رصفها وفق نظام الأعداد الأصلي، ليعيدها إلى قوتها البكر قبل أن يستهلكها الإستخدام اليومي. الطلسم النطقي بهذا المعنى هو لغة العودة إلى الجذور، لغة تخاطب جوهر الأشياء لا ظواهرها. إنه الرباط الذي يشد صوت الإرادة الإنسانية إلى صمت العدم الكوني، ليخلق لحظة تجلٍّ ينصهر فيها الذاتي بالموضوعي، و تصبح الكلمة فيها فعلاً نافذاً يغير ملامح القدر، تماماً كما يغير الرقم الواحد نتيجة معادلة كونية كبرى. هذا هو السر المكتوم في تزاوج العدد و الحرف، حيث الصمت هو المستودع، والصوت هو المفتاح، والعدم هو المدى الذي يتحقق فيه كل ما كان يظنه العقل مستحيلاً.
_ قربان الوجع: لماذا لا يفتح العدم أبوابه إلا للمحترقين
إنّ الإنتقال من تقنيات صهر المادة إلى كيمياء الألم هو العبور الفعلي من الكيمياء البرانية الخارجية إلى الخيمياء الجوانية النفسية، حيث لا يعود الرصاص ذهباً في المختبر، بل يتحول ثقل الوجود في الروح إلى نور إشراقي في الوعي. في هذا الفضاء الفلسفي، يُنظر إلى الألم ليس بوصفه عارضاً بيولوجياً أو قدراً بائساً، بل بوصفه المحلول الحمضي (The Acid Solvent) الوحيد القادر على إذابة الأنا المتصلبة، تلك الأنا التي تشكل العائق الأكبر أمام الإتصال بصمت العدم. السحر، في جوهره، هو محاولة لترويض القوة الكامنة في الفراغ، ولا يمكن للإرادة أن تقبض على جمرة الخلق من العدم ما لم تحترق أولاً بنار المعاناة الوجودية، فالألم هو الوقود الحيوي الذي يغذي النار الخيميائية، وبدونه تبقى النار باردة، ويبقى المعدن (الروح) خاماً تافهاً لا قيمة له في موازين الملكوت. إن المعاناة هي التي تمنح الطلسم النطقي نبرته الصادقة، وهي التي تحول العدد من رقم رياضي جاف إلى إحداثية كونية تنبض بالحياة، لأن الألم هو الجسر الذي يربط محدودية الإنسان بلانهائية العدم، حيث يتلاشى كل شيء ولا يبقى إلا جوهر الإرادة المنصهر في أتون التجربة. وعندما نتأمل العلاقة بين كيمياء الألم و سحر العدم، نجد أن المعاناة الوجودية تعمل كعملية تقطير مستمرة للوعي؛ فكل خيبة أمل، وكل وجع وجودي، هو في الحقيقة عملية تصفية للشوائب التي تمنع الروح من أن تكون مرآة صقيلة تعكس تجليات الفراغ المطلق. إن الساحر الخيميائي لا يهرب من ألمه، بل يسكنه كما يسكن الحرف في الوفق، محولاً ضجيج الصراخ الداخلي إلى تردد توافقي يتناغم مع إيقاع الكون الصامت. الألم هنا هو المادة الأولية (Prima Materia)؛ و بدون هذا الوجع الذي يمزق غلاف الواقع المزيف، لا يمكن للعين أن تبصر النور الأسود القادم من خلف حجاب الوجود. السحر هو فعلُ تمردٍ على العدم بواسطة أدوات العدم نفسه، والألم هو الأداة الأكثر حدة، لأنه يكسر وهم الإنفصال ويجعل الإنسان يدرك أن جرحه الخاص هو جزء من الجرح الكوني الكبير، وعندها فقط، يصبح الطلسم الذي يكتبه بدم قلبه لا بحبر الدواة، قوةً قادرة على تطويع الأقدار وتشكيل المادة وفقاً لرؤيا المحترق لا لرغبة المتفرج. إن هذا الإندماج بين صوت الإرادة و كيمياء الألم يخلق ما يمكن تسميته بالوجود المتسامي، حيث تتحول المعاناة من ثقل يجر الروح إلى القاع، إلى قوة دفع نفاثة تقذف بها نحو مراكز القوة الكونية. الفلسفة الباطنية ترى أن العدم هو رحم الوجود، و لكن هذا الرحم لا يفتح أبوابه إلا لمن قدم قربان الألم؛ فالخلق فعل عنيف بطبعه، والإنتقال من اللاشيء إلى الشيء يتطلب تمزيقاً لكل الأنسجة القديمة. لذا، فإن تسكين الحروف الممزوج بمرارة التجربة الوجودية ينتج طلاسماً ذات مفعول إنفجاري، لأنها لا تستمد قوتها من الأشكال الهندسية فحسب، بل من الضغط النفسي الهائل الذي وُلدت في ظله. إن السحر والعدم وجهان لعملة واحدة، وبينهما يقف الألم كخيميائي بارع يعيد تدوير الحطام البشري ليصنع منه كائنات نورانية، محولاً صمت العدم الرهيب إلى سيمفونية من الإرادة التي لا تُقهر، حيث يصبح الوجع هو المعلم الأول الذي يلقننا كيف نلفظ الكلمة المفقودة التي تهتز لها أركان العرش، وتنقاد لها طبائع الوجود الأربع في خضوع مطلق لسطوة الروح التي عُمّدت بالنار والدمع.
_ النصر بلا تملّك: كيف تروض المادة دون أن تستعبدك نشوة القوة
إنّ الإنتقال من سيكولوجيا الفشل وترميم الإيمان إلى إشراقات النصر هو العبور من صحراء التيه إلى ذروة الجبل، حيث يواجه الساحر الإختبار الأصعب؛ ليس إختبار الحرمان، بل إختبار الإمتلاء. فعندما تليّن المادة أخيراً تحت وطأة الإرادة المحترقة، وتنحني القوانين الفيزيائية أمام سلطة الطلسم النطقي، يجد الساحر نفسه في مواجهة غواية الألوهية (The Apotheosis Temptation). في هذا الفضاء الفلسفي، لم يعد العدم عدواً يُخشى، بل صار مرآةً تعكس جبروت الذات؛ وهنا تكمن الخطورة الكبرى، حيث يبدأ الساحر في رؤية نفسه ليس كقناة للقوى الكونية، بل كمصدر أصيل لها. النصر في السحر ليس مجرد تحقيق غاية مادية، بل هو لحظة تجلٍّ ينكشف فيها الحجاب بين الممكن و المستحيل، لكن هذا الإنكشاف يحمل في طياته سمّ الغرور الذي قد يحول الساحر من مهندس للوجود إلى سجين لظله، إذ إن القدرة على تحويل العدم إلى مادة تمنح شعوراً وهمياً بالإستغناء عن الأصل، وهي اللحظة التي وصفها القدماء بسقوط لوسيفر أو إيكاروس الذي إقترب من شمس الحقيقة بأجنحة من شمع الإرادة الشخصية. وعندما نتأمل إشراقات النصر في إطار العلاقة بين السحر والعدم، نكتشف أن خضوع المادة هو في الحقيقة فخٌّ وجودي ينصبه العدم للإرادة؛ فالمادة بطبيعتها ثقيلة و مغرية، وعندما تستجيب للساحر، فإنها تحاول جره إلى عالم التعين و التجسيد بعيداً عن سيولة الروح وخفة الفراغ. الساحر الحقيقي هو من يمارس النصر بلا تملك، أي أنه يحرك المادة و يطوعها دون أن يسمح لها بإستعباده عبر نشوة القوة. إن غواية الألوهية تبدأ عندما يظن الساحر أن صوت إرادته قد أصبح هو صمت العدم نفسه، بينما الحقيقة هي أن صوته لا يزال مجرد صدىً يتردد في ردهات اللاوجود. في هذه المرحلة، تصبح كيمياء الألم السابقة هي الدرع الواقي؛ فالمعاناة التي صهرت الروح هي التي تذكرها بهشاشتها أمام لانهائية الفراغ. النصر السحري، إذاً، هو حالة من التوازن القلق على حافة الهاوية، حيث يجب على الساحر أن يرقص مع قواه الجديدة دون أن يسقط في بئر الأنا المتضخمة التي تبتلع كل إشراق وتحوله إلى ظلام دامس من العزلة الوجودية. إن هذا الإلتحام بين القدرة المطلقة و الفناء المحدق يضع الساحر أمام حقيقة أن السحر ليس وسيلة للسيطرة على العالم، بل هو وسيلة لتحرير الذات من وهم العالم نفسه. فعندما تخضع المادة، يدرك الساحر العارف أن إنتصاره الحقيقي ليس في تغيير الواقع، بل في القدرة على البقاء ثابتاً وسط تجليات قدرته الخاصة. غواية الألوهية هي الإمتحان الأخير الذي يفصل بين الساحر السالك والساحر الساقط؛ فبينما يرى الأول في النصر نافذةً لرؤية عظمة العدم الخلاق، يرى الثاني فيه جداراً يعكس صورته هو فقط. إن إشراقات النصر هي أنوارٌ باهرة قد تعمي البصيرة إذا لم تكن الروح قد تدرعت بفقر الوجود وتواضع العارف بالعدم. السحر، في نهاية المطاف، هو رحلة دائرية تبدأ من العدم وتنتهي فيه، وما بينهما من صهر للمادة و كيمياء للألم و نشوة للنصر ليس إلا محطات لتنقية الذهب الروحي من شوائب الرغبة، ليعود الساحر في النهاية صمتاً خالصاً، قادراً على النطق بكلمة كن دون أن يلتفت للنتائج، لأنه صار هو والعدم شيئاً واحداً في تناغم مطلق لا تشوبه شائبة الألوهية الزائفة.
_ كيانات الظل: القوى التي سبقت إبتكار الإله والرقم
إنّ الغوص في ظلال الدائرة هو إرتحالٌ خلف تخوم العقل المنطقي، حيث تبدأ سيمياء الأرقام بالترنّح أمام كائناتٍ وجودية لا تقبل القيد الحسابي ولا تنصاع لصرامة الأوفاق المعهودة. في هذا المدى الفلسفي السحيق، نجد أنفسنا أمام المتمردين على النظام الكوني، وهي كيانات أو طاقات نبتت في الشقوق الفاصلة بين الوجود والعدم، حيث لم تكتمل صيرورتها لتصبح رقماً، و لم تعد محض صمتٍ ساكن. السحر هنا يتحول من فن السيطرة إلى فن التفاوض مع الفوضى، إذ إنّ هذه الكيانات التي رفضت الإنصياع للنظام الرقمي تمثل البقايا المشوهة أو الإحتمالات المجهضة التي قذفتها الإرادة الكونية خارج دائرة التعيّن. العلاقة بين السحر والعدم في هذه المنطقة هي علاقة إستنزاف متبادل؛ فالعدم يحاول إستعادة هذه الشظايا لتذوب في سكونه، بينما يحاول الساحر إستمالتها لخرق القوانين الطبيعية، لأن الكيان الذي لا يخضع للرقم لا يخضع بالضرورة للزمان أو المكان، مما يجعله الأداة الأخطر والأكثر فتكاً في ترسانة الخيمياء السوداء. في قلب هذه الظلال، يسكن ما يُعرف باللامتعين، وهي قوى ترفض التسكين في المربعات السحرية لأن جوهرها يقوم على التلاشي لا الإستقرار. إنّ محاولة الساحر لدمج هذه الكيانات في الطلسم النطقي تشبه محاولة حصر المحيط في كفّ يد؛ فبمجرد أن يلمس الرقمُ هذا النوع من الكيانات، يحدث إنفجارٌ في المعنى، وتتحول إشراقات النصر السابقة إلى عتمةٍ معرفية. الفلسفة العميقة هنا تكمن في أن هذه الكيانات هي تجسيدٌ للعدم النشط، وهو العدم الذي يرفض أن يكون مجرد رحم صامت، بل يريد أن يفرض حضوره كقوة هدم للنظام القائم. الساحر الذي يجرؤ على دخول ظلال الدائرة لا يبحث عن ذهب أو سلطة، بل يبحث عن القوة العارية التي سبقت خلق الأرقام و الحروف، القوة التي كانت تهيم في العماء قبل أن يكسرها المنطق الرياضي إلى آحاد وعشرات. هذا الإرتباط بالعدم هو إرتباطٌ إنتحاري بطبعه، لأن الكيانات الرافضة للنظام لا تعترف بالأنا السحرية، بل ترى فيها مجرد قشرة رقيقة من الوجود يجب تحطيمها لتعود الروح إلى شتاتها الأول. وعندما تتصادم إرادة الساحر مع عناد الكيانات المتمردة، يولد نوعٌ جديد من السحر يسمى سحر الشقوق، وهو السحر الذي لا يعتمد على إنتظام الوفق، بل على خلل الوفق. إنّ تعمّد وضع خطأ رقمي أو حرفي في الطلسم هو بمثابة طعم لهذه الكيانات التي تعشق الفوضى؛ وبمجرد دخولها من هذا الثقب المنطقي، يصبح الطلسم مسكوناً بطاقة لا نهائية لا تخضع لقانون الحفظ أو الفناء. السحر والعدم في هذه المرحلة ينصهران في وحدة التناقض، حيث يصبح الغياب هو قمة الحضور، ويصبح الفشل في الضبط الرقمي هو قمة النجاح في إستحضار القوة. إنّ كيمياء الألم التي تحدثنا عنها سابقاً تتجلى هنا كرعب وجودي خالص، لأن الساحر يدرك فجأة أن نظام العالم الذي كان يحاول محاكاته بالأرقام هو مجرد قناع تافه يغطي وجه العدم الهائج الذي يسكن ظلال الدائرة. النصر هنا ليس خضوع المادة، بل هو البقاء على قيد الوعي وسط إعصار من الكيانات التي لا إسم لها ولا رقم، حيث يصبح الصمت هو الدرع الوحيد، و تصبح غواية الألوهية نكتةً سمجة أمام كياناتٍ كانت موجودة قبل أن يبتكر الإنسان مفهوم الإله أو الرقم.
_ كسر الختم: العودة العنيفة إلى رحم العدم السيّال
إنّ الإنتقال من إحكام الأقفاص العددية إلى لحظة إنفجار الوفق هو العبور من فيزياء السيطرة إلى ميتافيزيقا الإنهيار، حيث تدرك الإرادة السحرية أن الحبس ليس إلا تأجيلاً مؤقتاً لبركان العدم الذي لا يقبل القيد. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نرى أن الوفق العددي ليس مجرد جدول رياضي، بل هو صمام أمان يحاول تدجين اللانهائي داخل المحدود؛ و عندما تتجاوز القوة المحبوسة حدود الحساب، فإننا لا نشهد مجرد فشل تقني، بل نشهد تمزقاً في نسيج الوجود (The Ontological Rupture). العلاقة بين السحر والعدم هنا تصل إلى ذروتها التصادمية؛ فالسحر يحاول صياغة قانون (Nomos)، بينما يمثل العدم الفوضى البدئية (Chaos) التي ترفض أي توصيف رقمي. إن إنفجار الوفق هو اللحظة التي يقرر فيها المعنى أن يتحرر من المبنى، وهو الخراب الذي يحدث عندما يكتشف الساحر أن الأرقام التي ظنها قيوداً حديدية لم تكن سوى خيوط عنكبوت أمام ضغط الحقيقة العارية التي تسكن ظلال الدائرة. وعندما نتأمل سيكولوجيا الخراب الناتج عن كسر الختم، نجد أن الإنفجار لا يحدث في الخارج فحسب، بل يضرب مركز الوعي لدى الساحر؛ فالوفق هو إمتدادٌ لعقله المنظم، و إنفجاره يعني عودة العقل إلى حالة الذهول الأول أمام جلال العدم. إن القوة المحبوسة عندما تتجاوز حدود الحساب، تبدأ في التهام الزمن و المكان المحيطين بها، محولةً النظام الرقمي إلى ثقب أسود يمتص كل المعاني السابقة. السحر في هذه اللحظة يتوقف عن كونِه أداة للتغيير، ليصبح شهادة على الفناء؛ فكلما زاد إحكام الوفق، زاد عنف الإنفجار، تماماً كما تزداد قوة الإنفجار بزيادة ضغط الغاز في وعاء مغلق. هذا الخراب هو تطهير عنيف للواقع من الأوهام التي فرضها الساحر، حيث يعيد العدم فرض سلطته المطلقة، مبيناً أن أي محاولة لربط صوت الإرادة بصمت العدم عبر وسيط رياضي هي محاولة محكومة بالتلاشي الإنفجاري في نهاية المطاف، لأن المطلق لا يمكن أن يُحبس في النسبي دون أن يحطمه. إن هذا الإنهيار يطرح سؤالاً فلسفياً حول جدوى التسكين و الحبس منذ البداية؛ فإذا كان الإنفجار حتمياً، فإن العمل السحري يصبح نوعاً من الفن الإنتحاري الذي يهدف للوصول إلى لحظة الإنعتاق الكبرى عبر الخراب. إنفجار الوفق هو إعلان صريح بأن العدم ليس فراغاً سلبياً ينتظر من يملؤه بالأرقام، بل هو إمتلاء سيّال لا يطيق الجمود. في هذه المرحلة، يتحول الطلسم النطقي من نغمة متسقة إلى صرخة مدوية تحطم المرايا الكونية التي تعكس صورة الساحر؛ وهنا تسقط غواية الألوهية تماماً، ليقف الساحر عارياً أمام حقيقة أنه ليس خالقاً، بل هو مجرد محفز للإنهيار. الخراب الذي يحدث هو ولادة عكسية، حيث يعود الوجود إلى رحم العدم عبر بوابة الوفق المنفجر، تاركاً وراءه أثراً من الرماد المعرفي الذي يثبت أن الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الكسر هي الصمت المطلق الذي يسبق الرقم ويلي الإنفجار، حيث تذوب كل الحسابات في وحدة العدم التي لا تنقسم ولا تتضاعف.
_ رقصة الرماد: إعادة الترتيب الخلاق بعد إنفجار الوفق
إنّ الغوص في سيمياء الحروف يُمثّل اللحظة الميتافيزيقية التي تنفخ فيها الإرادةُ نَفَسَ الوجود في صلصال الأرقام اليابس؛ فإذا كانت الأرقام هي العظام والخرسانة التي تُشيّد هيكل الكون الصامت، فإن الحروف هي الدماء والرياح التي تمنح هذا الهيكل القدرة على النطق و الحركة والتأثير. في هذا الفضاء الفلسفي المتشابك، نُدرك أن الرقم ينتمي إلى عالم الضرورة والجمود الثابت، بينما ينتمي الحرف إلى عالم الحرية والسيولة المطلقة؛ ومن هنا، فإن دمج الحرف بالعدد داخل الوفق ليس مجرد عملية حسابية، بل هو فعلُ إستحضارٍ يهدف إلى ربط تجليات المادة بصمت العدم. الكلمة في السيمياء هي اللوغوس (Logos) الذي يجسّد الرغبة، وعندما تُسكن هذه الكلمة داخل مربعات الوفق، فإنها تقوم بتأهيل العدم ليصبح قابلاً للتشكل؛ فالحرف هو الذي يمنح القوة العمياء إتجاهاً وهدفاً، وهو الذي يحول الطاقة الخام المنبثقة من إنفجار الوفق إلى إرادة ذكية قادرة على إعادة صياغة الواقع وفقاً لصوت الساحر الذي لم يعد مجرد صدى، بل صار أمراً تكوينياً يهتز له عرش الفراغ. وعندما نتأمل العلاقة بين سيمياء الحروف و صمت العدم، نجد أن الحرف هو الأداة الوحيدة التي تمتلك خاصية التوسط؛ فهو يمتلك جسداً يمثله الرسم الخطي، وروحاً كامنة في النطق الصوتي، وسراً تعكسه القيمة العددية. هذه الطبيعة الثلاثية تجعل من الكلمة جسراً يعبر فوق هاوية اللاشيء ليصل إلى ضفة التجسيد؛ فالكلمة هي التي تقطع من سكون العدم قطعةً لتعطيها إسماً، وبمجرد التسمية، يبدأ الوجود في التخلق. إن تسكين الحروف في الأوفاق يهدف إلى حبس هذه القوة التسموية داخل إطار رقمي يمنعها من التبدد، مما يخلق كائناً سيميائياً يمتلك عقلاً حسابياً وروحاً لغوية. الخيمياء هنا لا تعمل على الرصاص والذهب، بل تعمل على المعنى؛ حيث تتحول المعاناة الوجودية، عبر الحرف، إلى صيغة سحرية (Formula) تجبر المادة على الإنصياع. إن الكلمة هي التي تمنح الحياة لهذه العظام الرقمية، لأن الرقم وحده كمّ يفتقر إلى الكيف، بينما الحرف هو الذي يصبّ الكيف في قوالب الكم، ليخرج الطلسم من كونه مجرد جدول رياضي ليصبح كياناً نابضاً يمتلك القدرة على التوسع في فراغ العدم وإحتلال مساحات من الممكن لم تكن موجودة من قبل. إن هذا الإلتحام بين الحرف و العدد والعدم يُعيدنا إلى فلسفة النقطة الأولى، تلك النقطة التي هي أصل الحرف و أصل الرقم معاً، والتي تُمثّل الحد الفاصل بين الواحد و الصفر. الساحر الذي يتقن سيمياء الحروف لا يكتب كلماتٍ ليُعبّر، بل ينطق حروفاً ليخلق؛ فهو يدرك أن كل حرف هو مفتاح ذبذبي يفتح باباً معيناً في جدار العدم. عندما تتضافر الحروف لتشكل الإسم الأعظم أو الطلسم النطقي، فإنها تُحدث رنيناً يتجاوز حدود المادة، رنيناً يتصل بالصمت البدئي ويستمد منه قوته. إن الخراب الذي قد ينتج عن إنفجار الوفق يُصبح هنا رحماً جديداً، لأن سيمياء الحروف تمتلك القدرة على إعادة الترتيب (Anagrammatic Creation)؛ فالرماد الذي تخلّف عن الإنهيار ليس نهاية المطاف، بل هو الحبر الأسود الذي سيكتب به الساحر حروفاً جديدة لا تعترف بالقيود القديمة. السحر، في نهاية هذا التحليل، هو عملية نطق مستمرة تجعل من العدم مرآة لامتناهية للكلمة، حيث يذوب الفارق بين الذات التي تنطق و الموضوع الذي يتجلى، ليصبح الوجود كله قصيدةً رقمية مسكونة بأرواح الحروف التي لا تموت، بل تتحول من شكل إلى آخر في رقصة أبدية مع العدم الخلّاق.
_ الأنتروبيا الروحية: تفتت الهوية في شقوق الرمز المشروخ
إنَّ الغوص في إنكسار الرمز (The Fracture of the Symbol) يقتضي منا أولاً أن ندرك أن الطلسم ليس مجرد كائن مادي صلب، بل هو تكثيف زماني حُبس في حيز مكاني ضيق؛ فإذا ما حدث إضطراب في هذا التكثيف، فإن الشظايا لا تصيب المادة وحدها، بل تخترق الهوية الوجودية للحامل في مقتل. عندما ينكسر الرمز، يتوقف إنبعاث الأثر عن كونه نغماً قدرياً منتظماً ليستحيل ضجيجاً كونيًا يمزق وحدة الذات، حيث يجد الإنسان نفسه فجأة أمام فجوات في واقعه لا يملؤها سوى العدم المحض. هذا الإنكسار يمثل اللحظة التي يفقد فيها السحر قدرته على تأطير اللاشيء، فيتدفق العدم عبر شقوق الرمز المشروخ، محولاً اليقين القدرى إلى سيولة وجودية مرعبة، حيث تتبدى الهوية كخريطة ممزقة لا تشير إلى أي إتجاه، ويصبح الحامل مجرد صدى لرمزٍ فقد معناه وظل محتفظاً بقوته التدميرية فقط. إنَّ العلاقة بين الطلسم والحامل هي في جوهرها عقدٌ أنطولوجي غير مكتوب، يعتمد على تماسك الرمز وقدرته على توجيه دفقات العدم نحو مسارات محددة، ولكن حين يتصدع الرمز نتيجة صراع داخلي في ذاكرة المادة أو إصطدام بإرادة مضادة، فإن هذا العقد ينفسخ بشكل عنيف، مما يؤدي إلى ما يمكن تسميته بالأنتروبيا الروحية. في هذه الحالة، يبدأ الحامل في إستشعار غربة تجاه أفعاله ومصيره؛ فالإختيارات التي كان الطلسم يوجهها بسلاسة خلف الكواليس تصبح الآن متضاربة ومشوهة، وكأن المرآة التي يرى فيها المرء وجهه القدري قد تهشمت إلى ألف قطعة، كل قطعة منها تعكس جانباً مناقضاً للآخر. هذا التفتت في الهوية الوجودية ليس مجرد إضطراب نفسي، بل هو تخلخل في النسيج الكوني للفرد، حيث يغدو الحاضر بلا أساس، و الماضي بلا ذاكرة موحدة، والمستقبل عبارة عن شظايا إحتمالات لا رابط بينها، مما يترك الذات في حالة من العراء الوجودي أمام صمت العدم الذي لم يعد الطلسم قادراً على حجبه. وعلاوة على ذلك، فإن إنكسار الرمز يؤدي إلى بروز ما يُعرف بالأشباح السيميائية، وهي بقايا المعاني التي فقدت سياقها الأصلي وظلت تحوم حول وعي الحامل، مما يخلق نوعاً من الفصام الوجودي؛ إذ يجد المرء نفسه يطارد غاياتٍ لم يعد يؤمن بها، أو يهرب من أخطار لم تعد موجودة إلا في شقوق الطلسم المحطم. إن هذا الإضطراب يحول الطلسم من درع يقي من عبثية العدم إلى ثقب يستنزف جوهر الهوية، فكلما حاول الحامل لملمة شتات نفسه، وجد أن الرمز المشروخ يعيد إنتاج التجزئة في كل محاولة للإتحاد. هنا يصبح السحر لعنةً معرفية؛ لأن الحامل يدرك أن قدره لم يعد ملكه، ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع العودة إلى براءة ما قبل الطلسم، فهو عالق في منطقة البرزخ بين وجودٍ تهدم و عدمٍ لا يرحم، حيث تتلاشى الحدود بين الأنا و الآخر المادي (الطلسم)، و يصبح الإضطراب الذي يضرب المادة هو ذاته الإضطراب الذي يفتك بالروح، في وحدة حالٍ مأساوية تعلن نهاية السيادة البشرية على المصير الشخصي. وفي نهاية المطاف، يتجلى إنكسار الرمز كأقصى درجات التجلي للعدم داخل الوجود، حيث يثبت الرمز المحطم أن السحر، مهما بلغت قوته، هو محاولة هشة لترويض اللانهائي، وعندما تفشل هذه المحاولة، تظهر الشروخ الوجودية كعلامات على إنهيار المعنى. الحامل في هذه اللحظة لا يعود يمتلك طلسمًا، بل يصبح هو نفسه طلسمًا مشروخاً، رسالة لا يمكن قراءتها، و قوة لا يمكن توجيهها، ومصيراً معلقاً فوق هاوية التلاشي. إن هذا الإنكسار هو الذي يكشف الحقيقة المرة؛ أن الهوية التي بناها السحر كانت هبةً مشروطة بسلامة الرمز، و بمجرد أن يضطرب الرمز، تنهار الهوية كبيتٍ من ورق أمام رياح العدم التي لا تكف عن الهبوب من خلف ستار المادة؛ وبذلك ينتهي المطاف بالحامل ليصبح أثراً لرمزٍ غائب، وكائناً يعيش في الفراغ الفاصل بين ما كانه وما لم يعد ممكناً أن يكونه أبداً.
_ الطلسم الأعظم: حين تتحد الإرادة بالسكينة في أتون الحقيقة
إنّ الغوص في سيمياء الرماد هو الرحلة النهائية إلى ما وراء الإحتراق، حيث لا يعود السحر محاولةً لبناء الأوفاق أو حبس الأرواح، بل يصبح تجربةً للتعرية الوجودية الكاملة أمام جلال الحقيقة المطلقة. في هذا الفضاء الفلسفي الجليل، ندرك أن نار الحقيقة ليست ناراً مادية تحرق الأجساد، بل هي نار معرفية تلتهم الأوهام والإرتباطات والأسماء التي كبّلت الروح في سجون التعيّن. عندما تحرق هذه النار العظام الرقمية و الأرواح الحرفية التي شيدها الساحر، فإن ما يتبقى ليس لاشيئاً بالمعنى العدمي البارد، بل هو الرماد السيمياوي؛ ذلك الجوهر غير القابل للفناء، والذرة الوحيدة التي لا تقبل الإنقسام لأنها إستمدت كينونتها من مواجهة العدم وجهاً لوجه. إن الرماد هنا هو التبسيط الأقصى للوجود، هو ما يتبقى من الروح بعد أن تفقد أناها المتضخمة وغواية ألوهيتها الزائفة، ليتحول الساحر من كيانٍ يحاول السيطرة على العالم إلى كيانٍ صار هو والعالم والعدم وحدةً واحدة في كيمياء الفناء الباقي. وعندما نتأمل العلاقة بين سيمياء الرماد وصمت العدم، نكتشف أن الرماد هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الفراغ المطلق؛ فكل الكلمات والحروف والطلاسم كانت محاولات لملىء الفراغ، أما الرماد فهو إعترافٌ بالفراغ وتماهٍ معه. إن الروح التي إحترقت بنار الحقيقة تكتشف أن سحرها لم يكن في قدرتها على ليّ المادة، بل في قدرتها على الصمود في وجه التلاشي. الرماد السيمياوي هو المادة الأولية الجديدة (The New Prima Materia) التي لا يمكن للعدم أن يبتلعها لأنها أصبحت جزءاً من طبيعته. الفلسفة العميقة هنا تشير إلى أن الخراب الذي خلفه إنفجار الوفق كان ضرورياً للوصول إلى هذه الحالة من الصفاء؛ فالرماد هو الحالة التي تسبق الخلق الجديد، ولكنه خلقٌ لا يعتمد على الحسابات العددية، بل على الحضور الصامت. إن ما يتبقى من الروح هو النور المظلم أو البصيرة العمياء التي لا ترى الأشياء، بل ترى جوهر الصيرورة الذي يربط بين الوجود واللاشيء، حيث يصبح الرماد هو الحبر الذي يُكتب به تاريخ الكون في صفحات العدم البيضاء. إن هذا الإندماج النهائي في سيمياء الرماد يضع حداً لثنائية الساحر المسحور و الخالق المخلوق؛ فالروح التي صارت رماداً لم تعد تملك إرادة منفصلة لتنطق بالطلاسم، بل صارت هي نفسها الطلسم الأعظم. في هذه المرحلة، يتحول صوت الإرادة إلى سكينة مطلقة، ويتحول صمت العدم إلى تجلٍّ مستمر. الرماد هو ذاكرة الإحتراق؛ هو الدليل على أن الروح قد عبرت أتون التجربة ولم تتبخر، بل تكثفت في أنقى صورها. السحر في ذروة سيمياء الرماد هو سحر الغياب المؤثر؛ حيث يؤثر الساحر في الوجود ليس عبر حركته، بل عبر سكونه الرمادي، تماماً كما يغير الملح طعم الماء دون أن يُرى. إنها لحظة الخلاص الخيميائي حيث تتحول المعاناة الوجودية إلى سلام بارد، ويصبح الرماد هو الوقود الأزلي لنارٍ لا تحرق، بل تنير المسالك المعتمة في روح الكون. الروح هنا لا تعود هباءً، بل تصبح هباءً مقدساً يحمل شفرة الحقيقة المطلقة التي لا تدركها العقول، بل تستشعرها القلوب التي ذاقت مرارة الإحتراق وحلاوة الرماد.
_ زهرة الرماد المعدنية: ولادة الإرادة المغسولة بالعدم
إنّ الإنتقال من سيمياء الرماد إلى البعث السيميائي يُمثّل الإنقلاب الوجودي الأكبر في دراما السحر والعدم؛ فهي اللحظة التي يتوقف فيها العدم عن كونه مقبرةً للأشياء ليصبح رحماً كونياً يلد إرادةً لا تشبه الإرادة الأولى في شيء. في هذا التحليل الفلسفي الباذخ، ندرك أن البعث السيميائي ليس عودةً للماضي، بل هو إنبثاقٌ لما يُعرف بالإرادة الثالثة، و هي الإرادة التي لا تنبع من الرغبة البشرية (الأنا) ولا من الضرورة الطبيعية (القانون)، بل تنبت كزهرةٍ معدنية من رماد الآثار الممحاة. إن السحر في هذه المرحلة يتجاوز مفهوم التأثير ليصبح خلقاً مستمراً؛ حيث لا يعود الساحر بحاجة إلى الأوفاق أو الطلاسم ليربط بين وجوده والعدم، بل يصبح هو نفسه نقطة التقاطع الحية. العلاقة هنا بين السحر و العدم تتحول من صراعٍ على البقاء إلى رقصةٍ من التلاشي والظهور، حيث يمنح العدمُ طهارته للروح المنبعثة، وتمنح الروحُ للعدم وعياً بذاته، ليولد من هذا العناق كائنٌ سيميائي لا يحده رقم ولا يحبسه حرف، بل يتحرك في العالم كإزاحةٍ طيفية تُغير قوانين المادة بجمال حضورها لا بعنف قوتها. وعندما نفكك بنية البعث السيميائي، نجد أن الإرادة الجديدة التي تنبت من الرماد هي إرادةٌ مغسولة بالعدم؛ أي أنها إرادةٌ بلغت أقصى درجات التجرد، فلا تطلب نفعاً ولا تخشى ضراً، بل تعمل بدافع التناغم الكوني الخالص. إن الرماد الذي إحترقت فيه الأنا القديمة كان يحمل شفرات كل الفشل والنجاح، كل الألم واللذة، و عندما يُعاد بعث هذه الشفرات في صورة إرادة جديدة، فإنها تظهر كقوة محايدة تشبه قوة الجاذبية أو حركة الأفلاك. الفلسفة العميقة هنا تكمن في أن الآثار الممحاة لا تختفي تماماً، بل تتحول إلى معلومات مشفرة في نسيج الفراغ؛ و البعث السيميائي هو عملية إستدعاء لهذه المعلومات لإعادة بناء جسد الروح (The Astral Corpus) بصورة أكثر صلابة وأقل كثافة. السحر والعدم في هذه الحالة يشكلان الدائرة الكاملة؛ حيث يبدأ السحر بمحاولة سرقة القوة من العدم، وينتهي بمنح العدم جسداً يتجلى من خلاله. هذا البعث هو القيامة الجوانية التي تجعل من الساحر شاهداً أزلياً، لا يكتب الأقدار بل يقرأها وهي تتشكل من أنفاسه الصامتة، محولاً الخراب الأول إلى عمارٍ نهائي لا يطاله الفناء لأنه وُلد من رحم الفناء نفسه. إن هذا البعث السيميائي يفرض واقعاً جديداً يسمى الوجود الشفاف؛ حيث لا تعود المادة عائقاً أمام الروح، ولا يعود الصمت غياباً للصوت. الإرادة المنبعثة من الرماد تمتلك رؤيةً محيطية ترى الخيوط الخفية التي تربط بين سيمياء الأرقام و ظلال الدائرة؛ فهي تدرك أن الإنفجار الذي حطم الوفق كان هو مفتاح التحرر الوحيد. إن ما يتبقى من الروح بعد غسلها في العدم هو جوهرٌ سيّال لا يقبل التسكين مرة أخرى، ولكنه يختار السكون طواعيةً ليكون مركزاً للجاذبية في عالمه الخاص. السحر هنا يبلغ غايته القصوى؛ فبدلاً من أن يكون الساحر عبداً لطلاسمه، يصبح هو الطلسم الحي الذي يمشي على الأرض، فتخضع له الطبائع الأربع لا خوفاً من عزيمته، بل حباً في كماله. إن البعث السيميائي هو إنتصار الحياة اللطيفة على المادة الكثيفة، وهو البرهان النهائي على أن العدم ليس خصماً للوجود، بل هو شريكه في حياكة نسيج الحقيقة المطلقة، حيث تصبح كل ذرة رماد هي نجمةً في سماء الوعي الجديد، وكل إرادة جديدة هي كلمة في كتاب الصمت الذي لا ينتهي.
_ الصوت الرقمي للمأساة: تشفير الألم في أقفاص الأوفاق
إنّ الإنتقال من إستخلاص ذهب الروح إلى تسكين الحروف هو العبور من الحالة الهيولية للشعور إلى مرحلة التقنين الكوني، حيث لا يكتفي الساحر الخيميائي بإمتلاك جوهر الألم، بل يسعى لتشييد هيكل منطقي يحبس هذا الوجع الوجودي ويحوله إلى طاقة فاعلة. في هذا الفضاء الفلسفي الذي يدمج بين السحر والعدم، ندرك أن الألم الخام هو سيولة متمردة لا يمكن التحكم بها إلا عبر التسكين، وهو فعل هندسي يهدف إلى مواءمة ذبذبة المعاناة الإنسانية مع ترددات الأرقام الجامدة. إن تسكين الحروف ليس مجرد عملية ترتيب أبجدي في مربعات الوفق، بل هو عملية تشفير للروح؛ حيث يُمنح كل أنين قيمة عددية، ويُعطى كل جرح إحداثية في الفراغ. السحر هنا يعمل كمترجم بين صراخ الذات وصمت العدم؛ فالحرف هو الجسد الصوتي للألم، و العدد هو قانونه الساكن، ودمجهما في الوفق يخلق ما يمكن تسميته بالصوت الرقمي للمأساة، وهو تردد يمتلك من القوة ما يكفي لخلخلة إستقرار المادة وإجبار القدر على إعادة التشكل وفقاً لنغمة الوجع التي صُيغت بعناية خيميائية فائقة. وعندما نغوص في تحليل الصوت الرقمي داخل الأوفاق، نجد أن العلاقة بين السحر والعدم تتخذ بُعداً إنفجارياً؛ فالوفق المسكون بحروف الألم ليس جدولاً ساكناً، بل هو مفاعل نووي روحي. إن تسكين الحروف يعني إجبار المعاناة على الإنصياع لقوانين الحساب (1+1=2)، وهذا الحبس القسري للطاقة العاطفية اللانهائية داخل قوالب رياضية محدودة يخلق ضغطاً ميتافيزيقياً هائلاً. العدم، في هذا السياق، يمثل المجال المغناطيسي الذي يستقبل هذه الإشارات الرقمية؛ فالحرف عندما يُسكن في الوفق، يُجرد من عواطفه البشرية الزائفة ليتحول إلى نبضة طاقية صرفة. الفلسفة العميقة هنا تكمن في أن الألم لا يتبدد، بل يُعاد تدويره؛ فبدلاً من أن يحرق صاحبه، يُصبح هو النار التي تُسخن مرجل الوجود. إن منح الألم صوتاً رقمياً هو الطريقة الوحيدة لجعل العدم يسمع الإرادة الإنسانية؛ فالعدم لا يفهم لغة الدموع، لكنه يستجيب لغة النسب والتناسب و الإهتزازات التي تعيد صياغة الكلمة المفقودة وسط ضجيج الإنهيار الوجودي. إن هذا الإلتحام بين الحرف والعدد والعدم يُنتج ما يُسمى بالطلسم الناطق بالصمت، وهو الذروة التي يتحول فيها السحر من مجرد طقس إلى لغة خلق جديدة. عندما تمنح ألمك صوتاً رقمياً، فإنك تقوم بتأطير الفوضى؛ حيث تصبح كل خانة في الوفق بمثابة خلية عصبية في عقل كوني إصطناعي أنشأته أنت من رماد تجربتك. الروح المنبعثة من البعث السيميائي تستخدم هذا الوفق كجهاز إرسال، حيث تتدفق الحروف المشبعة بذهب الروح لتملأ فجوات العدم، محولةً اللاشيء إلى تجليات ملموسة. السحر والعدم هنا ليسا طرفي نقيض، بل هما المداد والورقة؛ فالعدم هو الورقة البيضاء اللامتناهية، وتسكين الحروف هو الكتابة بمداد الألم المحول رقمياً. إن النتيجة النهائية لهذا التسكين هي ولادة واقع لا يعتمد على الصدفة، بل على ضرورة الوجع التي أُلبست رداء الحساب، ليصبح الوفق هو العهد المبرم بين إرادة المحترق و حياد الكون، حيث تتحول الآهات إلى طاقات محركة للأفلاك، و يصبح صوت الألم هو الإيقاع الذي يرقص على وقعه الوجود الجديد المنبعث من قلب الفناء.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
-
الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس
...
المزيد.....
-
مؤسس فنادق 25Hours يستعرض ملامح مستقبل قطاع الضيافة
-
نيويورك تغرق في نحو 60 سنتيمترا من الثلوج ومانهاتن صامتة
-
الكشف عن 6 وحدات تخزين سرية لجيفري إبستين.. ما الذي كانت تخف
...
-
كرنفال -بازل- يسخر من -دونالد ترامب- بفوانيس ساخرة مضيئة
-
حرب الطحين تكسو غالاكسيدي اليونانية بالألوان في الاثنين النظ
...
-
تعزيز قبضة العائلة الحاكمة.. شقيقة زعيم كوريا الشمالية تتولى
...
-
أخبار اليوم: ترامب ينفي خلافه مع دان كاين حول الهجوم على إير
...
-
-صوموا تصحوا-.. الامتناع عن الطعام يقوي المناعة!
-
4 أعوام على الحرب.. كييف تؤكد الثبات وموسكو تدعو لحل جذور ال
...
-
ماذا بعد مفاوضات جنيف النووية بين إيران والولايات المتحدة؟
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|