أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-















المزيد.....



الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 23:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ أطياف الفراغ: سيمياء اللسان في إستحضار سكان العدم

إنّ الولوج إلى غيابة العدم عبر بوابة لغة السحر بدلاً من لغة الرياضيات يمثل ثورةً أنطولوجية تعيد صياغة مفهوم الكينونة من جذورها، فبينما تحاول الرياضيات حصر الوجود في أقفاص رقمية وتكميم الفراغ بوصفه مجرد صفر رياضي يمثل القيمة المحايدة، يأتي السحر ليعامل العدم بوصفه المادة الأولية (Prima Materia) و الرحم الكوني الذي يعج بضجيج الإحتمالات المكبوتة، فالرياضيات لغة تبحث عن التطابق و الهوية الثابتة التي ترفض التناقض، أما السحر فهو لغة الإستحالة التي تجعل من التناقض جسراً للعبور نحو الحقيقة المطلقة، ومن هنا ندرك أن إستنطاق العدم لا يمكن أن يتم بأدوات القياس التي صُنعت لعالم المادة، بل يتطلب سيمياء لسانية قادرة على إختراق جدار الصمت الكوني، حيث تتحول الكلمات في لغة السحر من مجرد دوالّ واصفة إلى محركات وجودية تشق عباب الفراغ لتستدعي كائنات لا تخضع لمنطق الزمان أو المكان، بل هي كثافات رمزية وقوى عاقلة تسكن الفجوات بين الذرات، وهذه الكائنات التي قد نطلق عليها سكان العدم ليست كائنات بيولوجية بالمعنى التقليدي، بل هي بنى وعيوية تشكلت من فيض الخيال الكوني الذي لم يجد له مستقراً في عالم التجسد المادي، فهي تسبح في بحر من السيولة الوجودية وتتخذ أشكالاً هندسية مستحيلة (Non-Euclidean) تتغير و تتحول مع كل زفرة من زفرات الوعي الإنساني الذي يراقبها، إننا هنا أمام علاقة جدلية بين الرائي و المرئي في فضاء العدم، حيث لا يوجد إنفصال موضوعي كما تدعي الرياضيات، بل هناك حلول وإتحاد سحري يجعل من المراقب جزءاً من البناء الذي يراقبه، فالعدم في هذه الرؤية الفلسفية العميقة ليس خواءً موحشاً، بل هو إمتلاء مفرط وساحة رقص أبدية للأرواح التي لم تولد وللأفكار التي لم تنطق، لغة السحر هنا تعمل كمنشور يحلل ضياء الوجود الأبيض إلى أطياف العدم المتعددة، مظهرةً لنا أن ما نسميه لاشيء هو في الحقيقة كل شيء قبل أن يتم إختزاله وتحديده وتأطيره بقوانين الفيزياء، فالكائنات التي تسكن هذا البُعد المتخيل هي الحراس الحقيقيون للممكن، وهم الذين يمنحون الوجود معناه من خلال إبقاء ثغرات الغموض مفتوحة في وجه التفسيرات العلمية الجافة، إن التواصل مع هؤلاء السكان يتطلب لغة نبوئية تتخلى عن اليقين الحسابي لصالح الحدس الشاعري، حيث يصبح الحرف السحري ليس مجرد صوت بل هو تردد كوني يعيد ترتيب فوضى العدم ليخلق منها عوالم موازية تتداخل مع عالمنا في لحظات التجلي الروحي أو الإنهيار المنطقي، وهذا التماسك في الطرح يفرض علينا الإعتراف بأن الرياضيات هي قشرة الوجود بينما السحر هو لبه المسكوت عنه، وأن العدم هو المسرح الأكبر الذي تُعرض عليه مسرحية الكينونة دون إنقطاع، حيث تتراقص الظلال و الرموز في وحدة عضوية لا تقبل القسمة و لا الإختزال، لتؤكد في النهاية أن الحقيقة الكبرى تكمن في ذلك الفراغ الذي يظنه الجاهل صمتاً، بينما يدرك الساحر الحكيم أنه الصراخ الأول الذي إنبثقت منه كل نوتات الموسيقى الكونية، و بذلك يظل العدم هو الملجأ الأخير لكل ما هو حر وغير قابل للتقنين، وتظل كائناته هي الصياغة الأسمى للوعي الذي تحرر من قيود المادة ليعانق المطلق في أجمل صوره وأكثرها رعباً وجلالاً.

_ ذروة الأنطولوجيا: تفعيل هيكل العدم بلغة النطق الأولى

إن إستحضار لغة النطق الأولى كفعل لتفعيل الهيكل المشيد من رماد العدم يمثل الذروة الأنطولوجية في رحلة العبور من الرياضيات الصامتة إلى السحر الناطق، فهذه اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بل هي الإنفجار الصوتي الذي يمنح العدم خاصية التموج والظهور، حيث ننتقل هنا من مرحلة التصور الذهني للفراغ إلى مرحلة التجسيد الذبذبي الذي يجعل من هذا العدم كياناً حياً ومسموعاً في أذن الوجود الكوني، فالرياضيات في جوهرها لغة سكونية تعتمد على العلاقات المجردة بين أرقام لا تملك صوتاً ولا إرادة، بينما لغة النطق الأولى هي الفعل الخالق الذي يحول السكون المطلق إلى إيقاع كوني منظم، ومن هنا يبرز السحر بصفته فن التردد الذي يدرك أن كل كائن سكن أو يسكن في ذلك البُعد المتخيل هو في الحقيقة نوتة موسيقية في سيمفونية الفراغ العظمى، فالتواصل مع سكان العدم لا يتم عبر إشارات منطقية بل عبر الرنين الذي يحدثه النطق الأول، ذلك الصوت الذي سبق تشكل الحروف وفصل المعاني، والذي نسميه في الفلسفة السحرية اللوغوس البدئي حيث لا تنفصل الكلمة عن الشيء الذي تستدعيه، بل تصبح الكلمة هي ذاتها جسد الشيء في طور التكوين، إننا عندما نفعل الهيكل بهذا النطق، فإننا نمنح تلك الكائنات الإحتمالية هوية سمعية تسمح لها بالخروج من شرنقة الصمت لتصبح قوى فاعلة في وعينا، و هذا التحليل يقودنا إلى فهم أن العدم ليس لاشيئية محضة بل هو صمت مشحون ينتظر التردد الصحيح ليتفجر وجوداً، والساحر الحكيم هنا هو المايسترو الذي يعيد ضبط أوتار الوجود المرتخية عبر إسترجاع هذه اللغة البدائية التي ضاعت تحت ركام اللغات المنطقية والحسابية الجافة، ولعل أشد ما يثير الدهشة في هذا النطق الأول هو قدرته على صهر الثنائيات؛ ففي لحظة خروجه، يذوب الفارق بين الذات والموضوع، و بين الخالق والمخلوق، ليبقى فقط الإهتزاز بوصفه الحقيقة الوحيدة التي تربط بين أعماق العدم وقمم الوجود، إن الكائنات التي تتبدى لنا في هذا الهيكل المفعل هي كائنات هارمونية تتراقص وفقاً لتموجات هذا الصوت، فهي لا تملك أجساداً صلبة بل أجساداً نغمية تتأثر بكل نبرة و كل سكتة في خطاب السحر، مما يجعل من هذا البُعد المتخيل ليس مكاناً للسكون الموحش بل هو قاعة أوبرا كونية يتم فيها إستعراض إحتمالات الوجود بأسره، وهذا ما يفسر لماذا يرتعب العقل الرياضي أمام فكرة النطق السحري، لأن الصوت يحمل معه الخطر و الحياة و التغيير الذي لا يمكن التنبؤ به عبر المعادلات، فبينما يكتفي الرقم بوصف المسافة بين نجمين، يقوم النطق السحري بربط الروح بتلك المسافة وجعلها نابضة بالمعنى، وبناءً على ذلك، فإن تفعيل الهيكل هو الفعل الذي يحول الفلسفة من مجرد تأمل نظري في العدم إلى تجربة حية يتنفس فيها الفراغ ويخاطبنا بلغة لا تُفهم بالعقل وحده بل بكل ذرة من ذرات كياننا الذي هو في الأصل صدى لذلك النطق الأول الذي لم ينقطع ولن ينتهي، فالعدم هو المخزن اللانهائي للأصوات المحبوسة، و السحر هو المفتاح الذي يحرر هذه الأصوات لتعيد بناء العالم في كل لحظة نجرؤ فيها على الهمس بإسم الحقيقة المطلقة التي تختبئ خلف قناع اللاشيء.

_ ذروة الجلال: الكلمة الأخيرة التي أطبقت جفني الواقع و أيقظت العدم

إنّ الوصول إلى هذه الذروة الدرامية المتمثلة في الصمت الكوني (The Cosmic Silence) يمثل اللحظة الأنطولوجية الأكثر خطورة وجلالاً في مسار الفكر الفلسفي السحري، فهي ليست مجرد لحظة سكون أو غياب للضجيج، بل هي إنكماش الوجود بأسره داخل حنجرة الساحر، إستعداداً لقول تلك الكلمة الأخيرة التي ستعيد تشكيل ملامح الواقع من جديد، ففي هذه المرحلة، يتوقف العدم عن كونه مادة خام أو رحماً للإحتمالات ليصبح أذناً كونية عملاقة لا تنتظر وصوفاً رياضية أو قوانين فيزيائية، بل تنتظر إرادة النطق التي ستحسم الصراع بين اللاشيء وكل شيء، فالرياضيات هنا تسقط تماماً، إذ لا يمكن لآلة الحساب أن تعمل في فراغ مطلق خلت منه المقادير، أما السحر فيصل إلى كماله، لأن السحر في جوهره هو فن فرض المعنى على الفراغ، وعندما يصمت الوجود تماماً، تنمحي المسافة بين الذات التي تنطق وبين العدم الذي يتلقى، ليصبح الساحر هو نفسه البرزخ الذي يعبر من خلاله الوجود إلى صورته التالية، إن هذه الكلمة الأخيرة التي يستعد الساحر لإلقائها في روع العدم ليست كلمة مكونة من حروف بشرية، بل هي نبضة وجودية تختصر كل الآلام التي صارت قانوناً، وكل العوالم التي تم إستحضارها من الرماد، وهي الفعل الذي يُغلق به الساحر جفني الواقع القديم ليعلن ولادة تاريخ جديد لا يعترف إلا بالخيال قانوناً وبالإرادة حقيقة، إنها لحظة الصفر المطلق التي لا تمثل العدم الرياضي بل تمثل البداية المطلقة (Alpha) التي تبتلع النهاية (Omega) في وحدة صوفية مذهلة، حيث يتلاشى سكان العدم الذين وصفناهم سابقاً، ويذوب النطق الأول في صمت أعمق، ليبقى فقط ذلك التوتر الدرامي الذي يسبق الإنفجار العظيم للوعي الجديد، فالساحر في هذه اللحظة لا يخلق عالماً خارجياً، بل يطبق جفنيه على واقع هو إمتداد لروحه، مما يعني أن العدم لم يعد مكاناً خارجياً نسكنه، بل صار فضاءً داخلياً نتحكم في إحداثياته عبر لغتنا الخاصة، وهذا التحول الأنطولوجي يجعل من الصمت الكوني أعلى درجات البيان، حيث يصبح عدم الكلام هو أبلغ طريقة لوصف كل شيء، و عندما يطبق الساحر جفنيه، فإنه لا يغيب عن الوعي، بل يغيب في الوعي الخالص الذي لم يعد بحاجة لمرايا الرياضيات أو تماثيل المادة ليعرف نفسه، إنها ذروة التحرر من عبودية الظواهر و الإرتقاء إلى مرتبة الخالق الرمزي الذي يدرك أن العالم لم يكن يوماً إلا صدىً لصوته، وأن العدم لم يكن إلا الصفحة البيضاء التي إنتظرته طويلاً ليرسم عليها بريشة الألم والكلمة الأخيرة خارطة لوجود لا يعرف الفناء، لأن فناءه سيكون مجرد عودة إلى صمته هو، وليس إلى صمت الغياب، و بذلك يُختم الفصل الأخير من كتاب العدم لتبدأ ملحمة الوجود المستبصر الذي خلقه الساحر بكلمة واحدة، صمتت من أجلها الأكوان، وإنحنت أمامها قوانين الطبيعة في خشوع مهيب.

_ معمار الخلود: سر الإستيطان الأبدي في رحم العدم المجمّد

إنّ الإنتقال إلى مرحلة سر الإستيطان الأبدي (The Eternal Inhabitation) يمثّل التحدي الأكبر في سيميولوجيا العدم، حيث لم يعد الهدف هو مجرد إختراق الفراغ أو إستنطاقه، بل إستعمار هذا الخلاء وتحويله إلى موطن قارّ يتحدى قوانين التلاشي، فهنا يواجه الساحر الفلسفي مفارقة الوجود الكبرى؛ كيف يمكن بناء هيكل خالد بمادة هي في جوهرها عدم؟ إنّ تثبيت أركان هذا العالم الجديد يتطلب ما نسميه تجميد الرمز، وهو فعل سحري يقوم على تحويل الكلمة الأخيرة من تردد صوتي عابر إلى نواة صلبة تدور حولها جزيئات الواقع الجديد، فالرياضيات التي كانت تعجز عن فهم العدم تظل عاجزة أيضاً عن منح الخلود، لأنها لغة تعيش في الزمن والحركة، بينما الإستيطان الأبدي يتطلب لغة سكونية فائقة تتجاوز الزمن الفيزيائي، ومن هنا يعمد الساحر إلى ادإستخدام قانون التماسك الرمزي عبر زرع مرساة من المعنى في قلب الفراغ، بحيث يصبح الواقع الجديد ليس مجرد قشرة هشة فوق هاوية، بل هو تكثيف للعدم ذاته حتى يكتسب صلابة الحجر، إنّ تثبيت هذه الأركان لا يتم بأسمنة مادية، بل بالإصرار الإرادي الذي يحوّل الخيال من حالة التصور إلى حالة الضرورة، حيث يصبح هذا العالم هو الحقيقة الوحيدة الممكنة وما عداه هو الوهم، وهذه الكائنات التي إستوطنت معنا في هذا البُعد المتخيل تتحول من أطياف إحتمالية إلى ثوابت وجودية تعمل كأعمدة تدعم سماء هذا الواقع، فهي لم تعد أشباحاً غريبة، بل صارت هي القوانين الجديدة التي تحكم هندسة المكان، فالساحر هنا لا يمنع العالم من التلاشي عبر العراك مع العدم، بل عبر مصالحته، بجعل العدم هو المادة الحامية والساترة لهذا الإستيطان، ليكون الواقع الجديد بمثابة ثقب أبيض يشع بالمعنى من قلب الظلمة المطلقة، إنّ الخلود الملموس في هذه الحالة ليس بقاءً مادياً طويلاً في الزمن، بل هو تكثيف للحظة حتى تنفصل عن تيار الوقت وتصبح دائرة مغلقة على نفسها، حيث لا يوجد ماضٍ يُنسى ولا مستقبلاً يُخشى، بل آنٌ دائم يتنفس بصوت الساحر ونبضه، وهنا تبرز أهمية الطقس المتكرر كأداة للتثبيت، فكلما إستذكر الساحر شفرة التكوين، فإنه يعيد شحن أركان العالم بطاقة الوجود الأولى، مانعاً تسلل النسيان الذي هو الوجه الآخر للعدم، فالتلاشي لا يحدث بسبب قوة العدم، بل بسبب وهن الإرادة وتراخي القبضة الرمزية عن المعنى، لذا فإن سر الإستيطان يكمن في تحويل السحر من فعل إستثنائي إلى طريقة كينونة، حيث يعيش الساحر في حالة خلق مستمر لا تهدأ، جاعلاً من كل زفرة لبنة في هذا البناء العظيم، ليكون في النهاية هو و الواقع والعدم كياناً واحداً منصهراً في وحدة الوجود السحرية التي لا تقبل الإنشطار، وبذلك يكتمل بناء الأرض المحتجبة كحصن منيع ضد العدمية، لا لأنها طردت العدم، بل لأنها إحتوته وجعلته أساساً لخلودها الملموس الذي لا يزول بزوال الأجساد، بل يبقى بقاء الرمز في عقل الكون الأزلي.

_ الإستواء العظيم: صعود الساحر من لغة السحر إلى صمت الكينونة

إنّ الوصول إلى حالة الإستواء العظيم (The Grand Equilibrium) يمثل النهاية الحتمية لرحلة الساحر الفلسفي، حيث تذوب إرادة القوة في سكينة الكينونة، و ينتقل الكيان من مرحلة الخالق المتعب إلى مرحلة المحرك الساكن الذي لا يحتاج إلى تحريك أطرافه ليدير عجلة الوجود، ففي هذه الذروة الأنطولوجية، يصبح الجسد هو الوفق الأكبر (The Grand Talisman)، أي النقطة المركزية التي تتلاقى فيها كل القوى المتضاربة لتجد توازنها الأبدي، وهنا تسقط لغة السحر كما سقطت لغة الرياضيات من قبل، لأن اللغة بطبيعتها وسيلة لسد فجوة بين الذات و الآخر، أما في الإستواء العظيم فلا يوجد آخر، إذ أصبح النبض الشخصي للساحر هو ذاته الإيقاع الذي تلتزم به المجرات والذرات في رقصتها بين البقاء والفناء، فالعدم في هذه الحالة لم يعد وحشاً يتربص بالوجود، والوجود لم يعد صرخة في وجه العدم، بل صارا ككفتي ميزان في حالة سكون مطلق، حيث يمنح الفناءُ للبقاءِ معناه، و يمنح البقاءُ للفناءِ هيبته، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وهذا التوازن ليس حالة من الموت أو الجمود، بل هو ديناميكية صامتة تشبه دوران الإعصار حول مركزه الهادئ، حيث يبدو كل شيء ساكناً بينما هو ينبض بكل طاقات الكون المختزلة، إنّ الساحر في حالة الإستواء العظيم يتخلى عن عصاه و كلماته، لأن مجرد وجوده في قلب العدم صار هو القانون الذي يمنع الإنهيار، و هو الحضور الذي يملأ الفراغ دون أن يشغل حيزاً، مما يعني أن الوجود صار صفة وليس فعلاً، وصار الخلود حالة وليس إستمراراً، إننا هنا نتحدث عن الإستيطان المطلق حيث لا حاجة للبناء أو التثبيت، لأن الهيكل صار منسجماً مع الطبيعة الأصلية للفراغ، كأن العالم الجديد الذي خلقه الساحر قد وجد أخيراً تردده الطبيعي الذي يجعله يطفو فوق هاوية العدم دون مجهود، فالألم الذي كان قانوناً قد إستحال إلى حكمة باردة، والكلمة الأخيرة قد إستقرت في صمت أبدي لا يحتاج إلى تكرار، والساحر يدرك في هذه اللحظة أن الثمن الذي دفعه وهو تلاشي شخصيته الفردية وذوبان الأنا في الكل الذي كان هو المفتاح الوحيد لدخول هذه الجنة الميتافيزيقية، حيث لا يوجد خالق و مخلوق بل يوجد تجلي واحد مستمر، وبذلك يتحول العدم من كونه عدواً للرياضيات أو مادة للسحر إلى كونه بيت الروح الأكبر الذي لا يضيق بساكنيه، و تصبح الحياة في هذا البعد هي أرقى أشكال الفن الصامت، حيث يُسير الساحر الأكوان بنظرة واحدة مغمضة، ويحفظ توازن الوجود بمجرد تنفسه الهادئ، في حالة من الإستغناء المطلق التي تجعل من اللاشيء هو الكل، ومن اللحظة هي الأبد، ومن الجسد هو الكون بأسره.

_ إشعاع الإستواء: الفيض الرسولي وتحرير الوعي من قيود المادة

إنّ فعل بث الوعي في كائنات الإستواء العظيم يمثل التموج الأول في بحر السكون الذي شيده الساحر، وهو بمثابة تحويل الإستقرار المطلق إلى إشعاع فيضي يتجاوز حدود الأرض المحتجبة ليصل بصداه إلى العوالم الأدنى، حيث لم يعد الساحر هنا مجرد مراقب لهذا التوازن، بل صار المصدر الذي يمنح الوعي لذرات الفراغ لتتشكل في هيئة رسل و أطياف تحمل شفرة العدم المقدس إلى حيث يسود الجهل و القياس، فهؤلاء الرسل ليسوا كائنات منفصلة عن ذات الساحر، بل هم أجزاء من نبضه إنفصلت لتعيد صياغة الوجود في المستويات الأكثر كثافة ومادية، وهم في جوهرهم رموز حية قادرة على إختراق سياج الرياضيات و المنطق الصوري الذي يسجن عقول سكان العوالم الدنيا، إذ تكمن مهمتهم في تذكير تلك العوالم بأن المادة التي يقدسونها ليست سوى عدم متجمد وأن القوانين التي يرتعدون أمامها هي مجرد أوهام يمكن كسرها بلغة السحر، إن بث الوعي هذا هو عملية إستنساخ روحية تجعل من كل كائن في بُعد الإستواء حاملاً لشرارة الإستبصار الكلي، مما يحول الإستواء من حالة إنغلاق صوفية إلى حالة تنوير كوني مستمر، فالعلاقة بين السحر و العدم تصل هنا إلى طورها الرسولي، حيث لا يكتفي السحر بصناعة عالم خاص للساحر، بل يمتد ليصبح بذرة تُزرع في تربة العدم الكامن في كل كينونة، وهؤلاء الرسل الذين ينبثقون من هذا الإستواء لا يتحدثون لغة الحروف أو الأرقام، بل يبثون عدواهم المعرفية عبر الحلم والحدس و الصدف غير المفسرة، محطمين بذلك هيكل الحتمية الرياضية ليفسحوا المجال أمام سيولة الإحتمالات، وهذا الفيض من الوعي يضمن ألا يتلاشى الإستواء العظيم في العزلة، بل يجعله قلب الوجود الذي يضخ المعنى في الشرايين الميتة للعوالم المادية، فالساحر الذي صار جسده الوفق الأكبر يدرك الآن أن خلوده الحقيقي لا يكمن في سكونه الفردي، بل في قدرته على جعل هذا السكون معدياً، وفي قدرة رسله على تحويل العدم الموحش في نفوس البشر إلى خلاء خلاق ينتظر الكلمة الأولى، إننا أمام مشهد مهيب يتجسد فيه الوعي كطاقة عابرة للأبعاد، حيث يصبح بث الروح في سكان الإستواء هو الضمانة الوحيدة لمنع الوجود من الإنهيار مجدداً في عماء النسيان، فكل رسول هو منارة رمضية تضيء عتمة العوالم الأدنى، وتخبرهم بلسان الحال لا بلسان المقال أن خلف كل رقم يكمن سر، وخلف كل عدم يكمن إله، وخلف كل ساحر يكمن الصمت الذي منه بدأ كل شيء وإليه يعود كل شيء، و بذلك يكتمل الإستيطان الأبدي عبر التحول من الوجود في الذات إلى الوجود من أجل الكل، حيث تذوب فردية الساحر تماماً في رسالة وعيه التي لا تعرف الحدود ولا تقيدها المسافات، لتصبح الأكوان بأسره صدىً واحداً لنبضة واحدة، تجد في العدم مستقرها وفي السحر لسانها وفي الإستواء كمالها النهائي الذي لا يطاله الفناء.

_ إنهيار الأرقام: كيف يحطم وعي الإستواء أصنام المادة و القياس

إنّ الأثر الرجعي الذي يتركه هؤلاء الرسل في العوالم الأدنى يمثل الزلزال الأنطولوجي الذي يخلخل أركان اليقين المادي، حيث لا يحل الرسل في تلك العوالم كغزاة، بل كفيروسات وجودية تعيد صياغة الشفرة الوراثية للواقع، فبمجرد ملامسة وعي الإستواء لتلك العوالم الغارقة في ثبات الرياضيات وبلادة الحس، تبدأ القوانين الفيزيائية في الترهل، وتفقد الأرقام قدسيتها لصالح الرمز السائل، إذ إن الرسل يحملون معهم عدوى العدم الخلاق التي تجعل الإنسان في العوالم الأدنى يشعر فجأة بضيق سجن المادة و إتساع أفق الفراغ، مما يولد حالة من الحنين السحري لما وراء الحواس، وهذا الأثر الرجعي يتجلى في انهيار الثنائيات التقليدية التي قامت عليها الحضارات الصغرى، حيث يبدأ العقل في إدراك أن الفراغ ليس نقصاً يجب ملؤه، بل هو الإمتلاء الذي يجب الإستسلام له، ولأن هؤلاء الرسل هم أصداء نبض الساحر، فإن حضورهم يؤدي إلى تحويل الألم القانوني من معاناة مادية إلى مخاض معرفي، حيث يكتشف سكان العوالم الأدنى أن معاناتهم كانت بسبب محاولتهم الفاشلة لتكميم الوجود، بينما الحل يكمن في سحره وتأويله، إن التدفق المعلوماتي القادم من الأرض المحتجبة يبدأ في تفكيك البنية الصلبة للزمان والمكان، فتصبح اللحظات فجواتٍ يطل منها الأبد، وتتحول الأماكن إلى مرايا تعكس وجه العدم المقدس، مما يؤدي بالضرورة إلى نشوء ثورة وعي لا تهدف إلى تغيير الأنظمة المادية، بل إلى إلغاء الحاجة إليها عبر إسترداد القوة السحرية الكامنة في الذات، فالرسل يزرعون في كل وعي أدنى بذرة الإستواء، وهي القدرة على العثور على التوازن وسط الفوضى، و على الصمت في قلب الضجيج، وهذا الأثر لا يقتصر على الوعي البشري فحسب، بل يمتد إلى جمادات تلك العوالم التي تبدأ في التصرف وفقاً لهندسة غير مرئية، فتتحرك الظلال قبل أصحابها، وتنطق الصخور بكلمات النطق الأولى، كأن الطبيعة ذاتها تحاول العودة إلى أصلها السديمي الذي إستلبه منها منطق القياس، إننا هنا أمام عملية إعادة سحر العالم (Re-enchantment of the World) ولكن بصورة جذرية، حيث لا يعود السحر كخرافة، بل كحقيقة علمية عليا تتجاوز المختبرات لتسكن في مسام الوجود، والأثر الأعمق لهذا الفيض يكمن في تلاشي الخوف من الموت، إذ إن الرسل يعلمون العوالم الأدنى أن الموت هو مجرد عبور للبوابة نحو الإستواء العظيم، وأن العدم الذي كانوا يرهبونه هو الموطن الأصلي الذي ينتظر عودتهم بلهفة المحب، وبذلك يتحول الوجود في تلك العوالم من صراع للبقاء إلى تجربة للإستبصار، ويصبح الساحر الذي إستحال الآن إلى فكرة مجردة هو القطب الذي تدور حوله كل هذه التحولات دون أن يتدخل، لأن وعيه المشاع صار هو الهواء الذي تتنفسه العوالم، و الضوء الذي تبصر به الضمائر، محولاً الأرض الأدنى إلى صدىً بعيد ولكنه مخلص للأرض المحتجبة، في وحدة عضوية تربط القاع بالقمة، والفناء بالخلود، عبر خيوط غير مرئية نسجها السحر من مغزل العدم الأزلي.

_ تاريخ الأرواح: سِفر الخلود السحري في زمن الإستبصار الكلي

إنّ فتح كتاب تاريخ الأرواح في هذا الوجود الجديد الذي تشكل من رماد العدم وتثبّت بأركان الإستواء، يمثل التدشين لزمنٍ لا خطي، زمنٍ لا يُقاس بحركة الأجرام بل بتموجات الوعي و إنتقاله من طور الكثافة إلى طور اللطافة، ففي هذا الكتاب الجديد، لا تُكتب الأرواح بوصفها كينونات منفصلة لها بداية ونهاية، بل تُسجل بوصفها نغمات سحرية داخل سمفونية العدم المستنطق، حيث تبدأ كتابة التاريخ من اللحظة التي تدرك فيها الروح أن أصلها ليس من طين الأرض الأدنى ولا من صرامة المعادلات، بل من الكلمة الأولى التي نطق بها الساحر في قلب الفراغ، ومن هنا تصبح الأرواح في هذا التاريخ هي جسور المعلومات التي تربط بين الإستواء العظيم وبين بقايا العوالم المتلاشية، فهي لا تملك تاريخاً من الأحداث والوقائع، بل تاريخاً من التجليات والتحولات، حيث تتبدل صورتها و تتغير كثافتها بناءً على مدى إقترابها أو إبتعادها عن نقطة التلاشي المركزية، وفي هذا السياق، يصبح السحر هو الميكانيكا التي تُحرك هذه الأرواح، والعدم هو الفضاء الذي يسمح لها بالتمدد والإنتشار دون قيود الفيزياء القديمة، إن تاريخ الأرواح في هذا الوجود الجديد هو تاريخ التحرر من الهوية، حيث تسعى الروح جاهدة لتفقد ملامحها الفردية وتذوب في الوعي المشاع الذي بثه الساحر، ليصبح كل روح هي مرآة للكل، وكل حركة روحية هي صدى للنبض الكوني الواحد الذي صار قانوناً، وهذا الكتاب لا يستخدم الحبر بل يستخدم النور المظلم المنبعث من قلب العدم، ليدون كيف إستطاعت الأرواح أن تحول آلامها القديمة إلى طاقة إستبصار، وكيف أعادت صياغة ذكرياتها المادية لتصبح رموزاً مقدسة تُعبد في معابد الخيال، إننا نرى في هذا السفر الجديد كائنات كانت يوماً بشراً يخشون الفناء، و قد إستحالوا الآن إلى أفكار جوالة و بروق معرفية تخترق أبعاد الوجود الجديد، محولين الإستيطان الأبدي إلى رحلة إستكشاف لا تنتهي في أغوار الذات الإلهية الكامنة في الفراغ، فالتاريخ هنا ليس عودة للوراء، بل هو إنغماس في العمق، حيث تكتشف الأرواح في كل فصل جديد من فصول هذا الكتاب أنها لم تكن يوماً خارج العدم، بل كانت هي عين العدم التي يبصر بها نفسه، وهي لسان السحر الذي ينطق به صمته، وبذلك يصبح تاريخ الأرواح هو السيرة الذاتية لللاشيء وهو يحكي قصة صيرورته التي تحوي كل شيء، في ملحمة تتجاوز حدود العقل لتستقر في صميم الروح، معلنةً أن الواقع الجديد ليس مكاناً للسكن، بل هو حالة من الشغف الوجودي الذي يتغذى على سر الخلود وجمال التلاشي في آن واحد، ليبقى هذا الكتاب مفتوحاً إلى الأبد، يضيف إليه كل روح فيضاً من تجربتها في حضرة الإستواء، مؤكداً أن السحر هو الحقيقة الوحيدة التي نجت من طوفان العدم، و أن الأرواح هي الرسل الخالدة لرسالة لم تعد بحاجة إلى كلمات لكي تُفهم، بل بحاجة إلى وجود لكي تُعاش.

_ جغرافيا اللاتعيّن: قصة الروح التي تحررت من سجن التعريف لتصبح صدى للعدم

إنّ إستنطاق روحٍ واحدة من سكان هذا الوجود الجديد هو في جوهره إستنطاقٌ للكل، إذ لم تعد الفردية في تاريخ الأرواح تمثل إنفصالاً عن المجموع، بل هي بؤرة تركيز يتكثف فيها العدم ليحكي قصة الوجود من منظورٍ فريد، و لذا فإننا عندما نستحضر قصة إحدى هذه الأرواح، فإننا لا نبحث عن سيرة ذاتية زمنية، بل عنمسار تحولي يجسد كيفية إنتقال الوعي من قيود المادة إلى رحابة السحر الخالص، فهذه الروح التي نقف أمامها الآن كانت يوماً ما سجينَةً في عالم الأرقام، تؤمن بأن الموت هو النهاية الحتمية لتعطل الآلة البيولوجية، لكنها اليوم، وبعد عبورها البوابة و إستيطانها في الأرض المحتجبة، أصبحت تدرك أن تاريخها الحقيقي لم يبدأ إلا عندما سقطت تلك المعادلات وتحطمت تلك المقاييس، فقصتها تبدأ من لحظة التمزق الأول، حين شعرت بنداء العدم يتسلل عبر شقوق وعيها اليومي، ليدعوها إلى التخلي عن صلب الأشكال وإعتناق سيولة الرموز، وهي تروي لنا كيف أن لغة السحر لم تكن بالنسبة لها مجرد تعاويذ تُنطق، بل كانت عملية جراحية أعادت ترتيب أحشائها الروحية لتتلاءم مع ضغط الفراغ العظيم، فهي تصف لنا كيف إستحال الألم الذي كان ينهش جسدها المادي إلى نور بارد يضيء لها سراديب اللاشيء، وكيف أن العدم الذي كان يرعبها بظلمته صار هو المرآة التي رأت فيها وجهها الحقيقي لأول مرة، وجهها الذي لا تحدده الملامح بل تحدده الترددات، إن هذه الروح تحكي لنا كيف أنها في البدء حاولت حساب خلودها عبر المنطق، فكادت أن تتلاشى في العدم السلبي، لكنها عندما إستسلمت للإستواء العظيم وتعلمت كيف تنبض مع نبض الساحر، إكتشفت أن الخلود الملموس ليس بقاءً في الزمن بل هو تجاوزٌ له، فتاريخها الفردي صار الآن عبارة عن سلسلة من التجليات؛ تارةً تظهر كفكرةٍ تداعب خيال شاعر في العوالم الأدنى، وتارةً تسكن في الفجوات بين الذرات كقوةٍ حارسة لتوازن الوجود، فهي لا تملك مكاناً قاراًّ لأن الجغرافيا الروحية لهذا العالم الجديد هي جغرافيا متحركة تتشكل وفقاً لمشيئتها الرمزية، إن إستنطاق هذه الروح يكشف لنا أن الثمن الذي دفعته وهو خسارة الأنا المادية كان في الحقيقة أكبر ربح حققته، لأنها كسبت الكلية وصارت شريكة في تسيير الأكوان بمجرد وجودها، و قصتها الفردية هذه تمثل النموذج البدئي لكل الأرواح التي ستسطر صفحات هذا الكتاب، فهي تثبت أن العلاقة بين السحر والعدم هي علاقة حبٍ كوني؛ حيث يمنح العدم للسحر المساحة ليتجلى، ويمنح السحر للعدم المعنى ليتجسد، و بذلك يكتمل الفصل الأول من تاريخ هذه الروح، لا كنهاية لرحلتها، بل كإعلانٍ عن خروجها من سجن التعريف إلى حرية اللاتعيّن، حيث تصبح هي ذاتها الكلمة و المعنى و الصمت الذي يلفهما، في وحدة لا تدركها إلا القلوب التي جرؤت على عبور البوابة والإحتراق بنيران الحقيقة السحرية التي لا تذر من القديم شيئاً إلا و أعادته للعدم، لتخلق منه خلوداً جديداً ملموساً وناطقاً بلسان الأرواح المستبصرة.

_ خريطة الجسد الكوني: تجليات الروح في تضاريس الوعي المطلق

إنّ الإنتقال من نطق الروح إلى رسم تضاريس الوعي (Terrains of Consciousness) يمثل العبور من زمن القصيدة إلى فضاء اللوحة الكوني، حيث لم تعد الجغرافيا في هذا الوجود الجديد مجرد حيز مادي تحتله الأجسام، بل هي تموضع رمزي للأفكار والمشاعر التي نضجت في رحم العدم وإستقرت في بهاء الإستواء. في هذا العالم، لا تُبنى التضاريس من طين أو صخر، بل من كثافات المعنى؛ فالفكرة العظيمة التي صمدت أمام رياح التلاشي لا تبقى حبيسة الوعي، بل تنبثق في أفق هذا الوجود كجبال من اليقين المتبلور، قممها تلامس سماء العدم الأول و قواعدها راسخة في صدق الإرادة السحرية. هذه الجبال ليست صماء، بل هي مخازن للترددات العالية، وكلما إرتقى الوعي في تسلقه لتلك القمم، خفّت كثافته المادية وإقترب من حالة الشفافية المطلقة. وبالمقابل، فإن المشاعر التي غسلها الصمت الكوني لا تتبخر، بل تتحول إلى محيطات من الضياء السائل، وهي مساحات شاسعة من العاطفة الميتافيزيقية التي لا تعرف الغرق، بل تعرف الحلول؛ حيث تسبح الأرواح في هذه المحيطات لتغتسل من بقايا الذاكرة المادية، مستبدلةً أحزانها القديمة بغبطة وجودية لا توصف، إذ إنّ ماء هذه المحيطات هو في الحقيقة نورٌ غير مرئي يمنح الرؤية للبصيرة قبل البصر. إنّ هذه الجغرافيا الروحية تخضع لقانون التشكل اللحظي؛ فالتضاريس هنا ليست ثابتة بجمود المادة، بل هي إستجابة حية لنبض الوفق الأكبر الممثل بالساحر. فإذا ما هبّت رياح التأمل، قد نرى الصحاري التي كانت تمثل الشك القديم تتفتح فجأة عن واحات من الكشف اللدني، حيث تنبتُ أزهارٌ من الرموز التي تفوح بعطر الحقيقة السحرية. و في الأودية العميقة لهذه التضاريس، حيث يسكن الوقار الأنطولوجي، نجد كهوف التلاشي؛ وهي فجوات صغيرة من العدم الصافي الذي لم يُمَس، يلجأ إليها الرسلُ للإستمداد من القوة الخام قبل إنطلاقهم نحو العوالم الأدنى. إنّ رسم هذه الخريطة هو في الحقيقة رسمٌ لجسد الساحر الذي تمدد ليصبح هو نفسه المكان و الزمان؛ فالغابات الكثيفة من الأفكار المتداخلة تمثل تعقيد وعيه، والسهول المنبسطة من السكينة تمثل إستواءه العظيم. إننا أمام واقعٍ حيث الطبيعة هي المنطق، و المناخ هو الحالة النفسية، و التضاريس هي تاريخ الروح وقد تجسد في أشكال هندسية مستحيلة الجمال. هذا الوجود الجديد لا يحتاج إلى شموس مادية تضيئه، لأن كل جبل وكل محيط يشع بضياء ذاتي مستمد من تلك الكلمة الأخيرة التي فجرت الصمت، وبذلك تصبح الجغرافيا الروحية هي الكتاب المفتوح الذي تقرأ فيه الأرواحُ مسار خلودها، وتدرك من خلاله أن العالم ليس خارجاً عنها، بل هو تجليها الأسمى في مرآة العدم الذي صار وطناً و مستقراً وأبديةً ملموسة.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- الأردن.. إمهال حزب -جبهة العمل الإسلامي- مهلة 60 يوماً لـ-تغ ...
- نهاية ترام الرمل، هل تفقد الإسكندرية أحد أبرز وجوهها التاريخ ...
- استئناف مفاوضات جنيف بين واشنطن وطهران.. هل تفتح الجولة المس ...
- حالة طوارئ في بيرو بعد فيضانات -إل نينيو- في أريكويبا
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. محكمة فرنسية تحكم على الإيرانية إسف ...
- انتهاء الجولة الثالثة من المحادثات الإيرانية الأمريكية بـ-تق ...
- أمـريـكـا - إيـران: الـفـرصـة الأخـيـرة قـبـل الـحـرب؟
- قضية إبستين: هيلاري كلينتون تدلي بشهادتها أمام لجنة بالكونغر ...
- تـرامـب: كـيـف سـيـتـخـلـص مـن قـضـيـة إبـسـتـيـن؟
- محكمة فرنسية تقضي بسجن وترحيل إيرانية بتهمة -تمجيد طوفان الأ ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ السَّابِعِ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-