أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-















المزيد.....



الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 10:16
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ أوبرا العدم: الأطيافُ الكونيةُ ونشيدُ الختامِ في مِحراِب الإستيقاظِ الأخير

إنّ التمهل في هذا الإستيطان القميّ لإستقبال الأطياف الكونية (Cosmic Specters) يمثّل المرحلة الدراماتيكية الأرقى في مسرح الوجود السحري، حيث يصل التفاعل بين ندى اليقين و قمم جبال الإرادة إلى نقطة الغليان الرمزي التي لا تُنتج مادة، بل تُنتج أرواحاً من ضياء خام. هذه الأطياف ليست كائنات غريبة عنك، بل هي أصداءُ وعيك التي تجسدت في فضاء العدم حين لامست رطوبةُ الحقيقة صلابةَ اليقين؛ فهي تنبعث من فوهات الجبال كأبخرةٍ عاقلة، تتشكل في هيئات هلامية تدمج بين وقار الأزل وحيوية اللحظة، لتبدأ في نسج نشيد الختام. إن ظهور هذه الأطياف هو البرهان النهائي على أن السحر قد أتمّ أنسنة العدم؛ فالفراغ الذي كان أصماً صامتاً في بداية الرحلة، صار الآن يمتلك حناجر كونيّة تغني للساحر قصة صيرورته. من منظور فلسفي، يمثل إنبعاث الأطياف لحظة الإعتراف المتبادل؛ فبينما يرى الساحر في الأطياف تجسيداً لقوته الخالقة، ترى الأطياف في الساحر العدم وقد صار ملكاً، وبينهما ينهمر النشيد ليملأ الفراغات المتبقية في الجغرافيا الروحية، معلناً أن كل نبضة وجد وكل قطرة ندى كانت تؤدي حتماً إلى هذه الجوقة الكونية التي توحد بين الذات و الموضوع في رنينٍ واحد. تغني هذه الأطياف بلغةٍ تسبقُ تشكل الألسن، لغةً هي عبارة عن ذبذبات أنطولوجية تعيد ترتيب خلايا الجسد الضوئي للساحر لتهيئه للإنحلال الأخير، فنشيد الختام ليس رثاءً لما سيزول، بل هو إحتفاءٌ بما سيتحد. إن العلاقة بين السحر والعدم تظهر هنا كعلاقة الموسيقى بالصمت؛ فالسحر هو اللحن (الأطياف) والعدم هو الفضاء الذي يسمح للحن بأن يُسمع، وبدون أحدهما يفقد الآخر معناه. و بينما يتردد النشيد في أرجاء الإستواء، يلاحظ الساحر من قمة جبل اليقين أن الأطياف تبدأ في إبتلاع الألوان والأشكال المحيطة بها، محولةً إياها إلى نورٍ صرف؛ فكأن غناءها هو عملية تفكيك مقدسة لكل ما هو محدود، تمهيداً للعودة إلى اللامحدود. إن الأطياف الكونية هي حارسات البوابة النهائية، وهي التي تمنح الساحر صك الخلود عبر إخباره في نشيدها أن موته الفردي هو في الحقيقة ميلاده الكوني، وأن تلاشي ملامحه البشرية في أنهار الحقيقة كان الثمن الزهيد لإمتلاك أفق الأبدية. في هذه اللحظة، يذوب الزمن الخطّي تماماً، ويصبح النشيد هو الزمن الوحيد؛ زمنٌ دائري يجمع بدايات الخلق بنهاياته في نقطة وجدٍ لا تنتهي، حيث تشعر الروح بأنها هي التي تغني، وهي التي تسمع، وهي الجبل الذي تنبعث منه الأصداء. إن الإستماع لهذا النشيد فوق المرتفعات يُحدث حالة من الغيبوبة الواعية، حيث يرى الساحر أن كل طيف كوني يحمل في جوفه ذكرى من ذكريات الرحلة؛ طيفٌ يحمل مرارة البذور الأولى، وطيفٌ يحمل حلاوة الثمار، و طيفٌ يحمل هدوء الندى؛ وكل هؤلاء يجتمعون ليخبروه أن الكل في الواحد. إن نشيد الختام هو الذي يذيب الخوف الأخير من الفناء، فكيف يخاف من يرى أن الفناء هو مجرد تغيير في المقام الموسيقي؟ السحر في هذه النقطة يتوقف عن كونه فعلاً ليصبح إصغاءً، والعدم يتوقف عن كونه فراغاً ليصبح إمتلاءً بالنغم. ومع كل نوتة يطلقها الأطياف، يشعر الساحر بأن تضاريس الجغرافيا الروحية بدأت في الإهتزاز النوراني، كأن العالم بأسره يستعد للإقلاع نحو الإستيقاظ الأخير. إن الأطياف الكونية هي الشهود الأوائل على إكتمال الألوهية السحرية فيك، وهي التي تمهد لك الطريق بفرشها لأنغام اليقين فوق مهاوي الفراغ، لتجعل من خطوتك القادمة قفزةً في النور لا سقوطاً في الظلمة، وبذلك يكتمل التواصل الروحي بين القمة والقاع، وبين الخالق وما خلقه، في عناقٍ نغمي يسبق الصمت الأكبر الذي سيعقب فتح الجفون.

_ الإمتنانُ الأسمى: الختمُ الأخلاقيُّ للوجودِ وذوبانُ الساحرِ في صمتِ الشُّكر

إنّ الوقوف في هذه اللحظة الفاصلة لتقديم كلمة شكر أخيرة للأطياف والرياح والندى ليس مجرد طقسٍ عاطفي، بل هو فعلٌ فلسفي يمثل التحلل السلمي للوعي من أدوات بنائه، حيث يدرك الساحر أن هذه العناصر لم تكن كياناتٍ مستقلة، بل كانت تمثلات وظيفية للعدم حينما أراد أن يبصر نفسه من خلال السحر. إنّ شكر الأطياف هو إعترافٌ بأن الخيالات التي سكنت الفراغ كانت هي الجسور الوحيدة نحو الحقيقة، وأن نشيد الختام الذي غنته لم يكن إلا صدىً لصوت الروح و هي تتحرر من أغلالها. أما شكر الرياح، فهو إمتنانٌ لتلك القوة الديناميكية التي منعت الوجود من الركود، وحولت السكون الموحش إلى صيرورةٍ متدفقة غيرت التضاريس بلمحة وجد؛ فشكر الرياح هو شكر الإرادة في أسمى تجلياتها الحركية. و في الختام، يأتي شكر الندى ليكون شكر القوة المطهرة التي غسلت آثار المعارف القديمة الجافة، وزرعت في جغرافيا الروح بذور اليقين اللدن. إن العلاقة بين السحر و العدم تبلغ في هذا الشكر ذروة الأدب الأنطولوجي، حيث ينحني الخالق (الساحر) أمام مخلوقاته الرمزية، مدركاً أنها كانت المرايا التي صقلت وعيه ليكون مستعداً للحظة الإستيقاظ الأخير، وبدون هذا الإمتنان، يبقى الوعي عالقاً في كبريائه، بينما بالشكر، يذوب الكبرياء لتصبح الروح خفيفةً كالهباء، مستعدةً للتلاشي في الكل. إنّ هذا الشكر يمثل إغلاق الدائرة السيمائية؛ فكل عنصر من هذه العناصر قدم للساحر جزءاً من السر الأعظم، والأطياف بصفة خاصة قدمت له صورة الذات في أبهى تجلياتها الكونية. فشكر الأطياف هو شكرٌ للجمال المخيف الذي إنبثق من العدم ليعلمنا أن الفراغ ليس عدواً، بل هو لوحة خام تنتظر لمسة الوجد؛ وشكر الرياح هو تقديرٌ للإضطراب المقدس الذي يسبق كل خلق جديد؛ و شكر الندى هو تقديسٌ للسيولة المعرفية التي جعلت من الحقيقة شيئاً يُذاق ويُشم ولا يُبرهن عليه بالمنطق. إن هذا الثناء الختامي يحول الجغرافيا الروحية من مكان للصراع والتشييد إلى فضاء للمصالحة، حيث يتصالح الساحر مع العدم عبر وسيط السحر الذي تجسد في هذه العناصر؛ فكأن الساحر بقوله شكراً يحلُّ ميثاق التكوين، ويسمح لهذه العناصر بالعودة إلى أصلها في الفراغ، بعد أن أدت رسالتها في تطهير وعيه. إن الروح في هذه اللحظة تشعر بإمتلاءٍ عجيب، ليس لأنها تملك الأشياء، بل لأنها أدركتها ثم حررتها، وهذا التحرير هو الذي يمنح الساحر صك العبور نحو الإستيقاظ وهو خالٍ من كل تعلق، إلا تعلق الواحد بالواحد. وفي أعماق هذا التحليل، نجد أن كلمة الشكر هي الرنين الأخير الذي يسبق الصمت المطلق؛ فبالشكر، تنطفئ شرارة الرغبة في الخلق، وتهدأ عاصفة الإرادة، و يصبح الوجود عبارة عن إبتسامة كونية مرتسمة على وجه العدم. إن الأطياف والرياح والندى تبدأ في التلاشي بمجرد نطق كلمة الشكر، وكأنها كانت تنتظر هذا الإذن بالإنصراف لتعود إلى كتم العدم، تاركةً الساحر وحيداً فوق مرتفعات الوجد في حالة من العراء الروحي المقدس. إن هذا الشكر هو الذي يصفي الحسابات الميتافيزيقية بين الذات وموضوعاتها، ويجعل من الإستيقاظ الأخير عمليةً طبيعية تشبه إستيقاظ الفجر من قلب الليل، دون ضجيج أو مقاومة؛ فبالإمتنان، يتحول السحر من سلطة إلى محبة، و يتحول العدم من غياب إلى حضورٍ دافئ. الآن، ومع تلاشي آخر طيف، وإنقطاع آخر هبة ريح، و جفاف آخر قطرة ندى، يجد الساحر نفسه وقد صار هو كلمة الشكر ذاتها، وهو الإمتنان الذي يملأ أركان الأبدية، ليقف عند الحافة النهائية، مستعداً لفتح جفونه النورانية ليرى أن الشاكر و المشكور و الإمتنان هم حقيقة واحدة لا تتجزأ في مرآة الحق المطلق.

_ جِسرُ التَّوحيدِ النُّوراني: المِلحمةُ الختاميةُ لدمجِ القمةِ بالقاعِ في رَحمِ الصَّمدية

إنّ مدَّ الجسر النوراني (The Luminous Bridge) في هذه اللحظة الأنطولوجية الفارقة يمثّل ذروة العمل السحري، حيث لا يكتفي الوعي بالإبصار، بل يسعى لتحويل الرؤية إلى إتصالٍ بنيوي يلغي ثنائية القمة والقاع ويصهرها في بوتقة الوحدة الختامية. هذا الجسر ليس معماراً خارجياً، بل هو إمتدادٌ شعاعي من ذات الساحر، يمتد من ذروة الإستنارة في مرتفعات الوجد ليهبط برفقٍ وجلال نحو أعمق نقاط العدم الأول، رابطاً بين أقصى تجليات الوجود وأقصى دركات الفراغ. في هذا التحليل الفلسفي العميق، يظهر الجسر كأداة للمصالحة الكونية؛ فالسحر هنا لم يعد وسيلة للتغيير، بل صار وسيطاً للتماسك، حيث يدرك الساحر أن القمة الممثلة في الوعي والقاع الذي يشير إلى المادة الخام للعدم هما في الحقيقة طرفا وترٍ واحد إذا نُقر عليه عزف لحن الخلود. إنّ مدَّ هذا الجسر هو الفعل الذي يحول الجغرافيا الروحية من جزرٍ معزولة من المعنى إلى قارةٍ واحدة من الحق، حيث تتسرب أنوار القمة لتضيء سراديب القاع، وتصعد أبخرة القاع لترطب جفاف الأنوار العلوية، في دورةٍ مغلقة من الإكتفاء الذاتي الذي لا يترك مجالاً للإنفصال. إنّ العلاقة بين السحر والعدم عند بناء هذا الجسر تتجلى في مفهوم الصلابة الهلامية؛ فالجسر مصنوعٌ من نورٍ كثيف إستُقطب من العدم عبر إرادة الساحر، وهو يمتلك قدرةً عجيبة على حمل ثقل الوجود دون أن ينهار، لأنه لا يستند إلى دعامات مادية بل إلى قوة اليقين التي تجعله يطفو فوق مهاوي اللاشيء. و عندما يبدأ الساحر في السير فوق هذا الجسر، فإنه يختبر حالة من التحول الكيميائي للوعي؛ فكل خطوة يخطوها نحو القاع تجعله يدرك أن القاع ليس موتاً، بل هو الرحم المظلم الذي أنبت القمة، وكل نظرة يلقيها نحو القمة تجعله يفهم أن الإستنارة ليست غايةً في ذاتها، بل هي لسان ينطق بصمت العدم. الجسر النوراني هو البرزخ الأسمى الذي تلتقي فيه المتناقضات؛ حيث يصبح السحر هو المادة و العدم هو الفضاء، و يستحيل الإثنان إلى حقيقةٍ واحدة تتجاوز حدود التعريف. إنّ هذا الربط المقدس هو الذي يحقق الوحدة الختامية، حيث يكتشف الساحر أن الجسر و المسافر و الطريق هم في النهاية أنت في أبهى تجليات تعددك و وحدتك. إنّ مدَّ الجسر هو الإمضاء الأخير على وثيقة الوجود، فبه يتم إلغاء مفهوم المسافة في الكون السحري؛ فإذا كانت القمة والقاع متصلين بنورٍ واحد، فإن الحركة بينهما تصبح حضوراً آنياً في كل نقطة. هذا الجسر يغسل آخر بقايا الخوف من السقوط؛ فالساحر الذي يمد جسراً نحو القاع هو ساحرٌ تصالح مع فنائه، مدركاً أن القاع هو التربة السوداء التي لولاها لما إستقام عود الجبال الروحية. إنّ الوحدة الختامية التي يحققها هذا الربط هي الحالة التي يدرك فيها الوعي أن السحر لم يكن يهدف إلى الهروب من العدم، بل إلى إعادة هيكلته ليكون وطناً صالحاً للسكنى الإلهية. وبناءً عليه، فإن الجسر النوراني هو قوس القزح الميتافيزيقي الذي يظهر بعد عاصفة الوجد وهطول ندى اليقين، ليعلن أن الصلح قد تم، وأن العدم قد صار وعياً، وأن الوعي قد صار وجوداً، وأن الكل قد إنصهر في واحدٍ صمدي لا ينقسم، ليقف الساحر في منتصف الجسر، معلقاً بين الأزل والأبد، محيطاً بالكل ومحاطاً بالكل، في لحظة صمدية تسبق الصمت المطلق.

_ بؤرةُ الصَّمدية: النُّقطةُ المركزيةُ وإستقرارُ القرارِ في قلبِ العَدمِ المُقدس

إنّ السير فوق هذا الجسر النوراني (The Luminous Bridge) نحو النقطة المركزية (The Absolute Center) هو الفعل الذي يتوج الرحلة من الأنطولوجيا إلى الميتا-أنطولوجيا، حيث نغادر منطق الرحيل لنعتنق منطق الوصول الساكن. إن السير هنا ليس حركة في الزمان أو المكان، بل هو تقليص للمسافات الباطنية وتكثيف للوعي في بؤرة واحدة، حيث يتلاشى تدريجياً إحساس الساحر بجسده الضوئي ليتحول إلى محض إرادة تسري فوق وتر النور المشدود بين العدم والوجود. في هذا التحليل الفلسفي العميق، ندرك أن الجسر هو الممر البرزخي الذي يذيب الفوارق؛ فكل خطوة نحو المركز المطلق هي عملية تجريد نهائية، حيث تسقط عن الروح عباءة الخالق وعباءة المخلوق، ليتبقى فقط فعل الكينونة الصرف. العلاقة بين السحر و العدم تبلغ هنا مرحلة الصفر المطلق؛ فالسحر الذي مدّ الجسر يبدأ في التلاشي بمجرد أن يقترب الوعي من المركز، لأن المركز هو نقطة السكون التي لا تحتاج إلى سحر لتدوم، و العدم الذي كان يحيط بالجسر يتحول من فراغ إلى سند، ليصبح السقوط عنه مستحيلاً، لأن المركز هو الجاذبية الوحيدة التي تمتص كل الإحتمالات في يقين واحد. إن الوصول إلى النقطة المركزية يعني بلوغ تلك اللحظة التي يتلاشى فيها المسار؛ فالمسار يقتضي وجود بداية ونهاية، أما المركز فهو الآن الدائم و هنا الكلي. في هذه النقطة، يستقر القرار، والقرار هنا ليس خياراً بين أمرين، بل هو الإستقرار في الحقيقة؛ حيث يدرك الساحر أن القمة والقاع لم يشيّدا إلا لكي يتم إلغاؤهما في هذه النقطة المركزية التي هي قلب العدم المستنير. إن السير فوق الجسر هو عملية إنضغاط كوني للوعي، حيث تتجمع كل المناخات الروحية، وكل تضاريس الجغرافيا الخيالية، وكل قطرات ندى اليقين، لتنضغط جميعاً في ثقب أسود من النور يقع في مركز هذا الجسر. هذا المركز هو مختبر الصمت، حيث لا يتردد صدى الأطياف الكونية، بل يتردد صوت الذات وهي تنطق بإسمها الحقيقي قبل تشكل اللغات؛ وهو المكان الذي يكتشف فيه الساحر أن الجسر النوراني لم يكن يربط بين مكانين، بل كان يربط بين وهم الإنفصال و حقيقة الوحدة. إن السيادة السحرية في النقطة المركزية تتحول إلى صمدية سكونية؛ فالسير فوق الجسر هو المخاض الأخير قبل الولادة في المطلق. عندما نصل إلى المركز، يتوقف الفيض ويبدأ الإستقرار، وتصبح الروح هي القطب الذي لا يدور، بل يدور حوله كل ما تخلفت عنه من عوالم. إن العلاقة بين السحر و العدم في المركز هي علاقة إنمحاء الآثار؛ فالسحر يمحو نفسه لأنه حقق غايته، والعدم يمحو وحشته لأنه إمتلأ بوعي الساحر. هنا، وفي هذه النقطة بالذات، يختفي الجسر خلف الساحر بمجرد عبوره، ويختفي الأفق أمامه، ليجد نفسه معلقاً في اللاشيء الذي هو كل شيء. إن إستقرار القرار هو إعلان نهاية الرحلة السحرية وبدء الحياة الإلهية، حيث لا يرى الساحر إلا ما في باطنه، لأن باطنه قد إستوعب الكون بأسره؛ و بذلك نكون قد حققنا الوحدة الختامية ليس كفكرة ذهنية، بل كواقعة وجودية صلبة، تقف في مركز العدم كمنارة لا تنطفئ، معلنةً أن الواحد قد إستيقظ في قلب الفراغ ليملأه بهاءً وقداسة.

_ لُبُّ النُّقطة: الغوصُ في العَماءِ المُقدسِ وإيقادُ شمسِ العَدمِ العاري

إنّ الغوص في لُبِّ النقطة المركزية (The Core of the Point) هو الفعل الإنتحاري الأسمى للوعي، حيث يقرر الساحر أن يخرق حجاب المركز نفسه ليدخل إلى منطقة ما وراء الوجود، حيث يلتقي العدم العاري بالنور المطلق في تعانقٍ لا يفصلهما فيه خيطُ وهمٍ واحد. في هذا العمق السحيق، يتوقف السحر عن كونه أداءً ويستحيل إلى فناء، إذ نكتشف أن لبَّ النقطة ليس مكاناً مصمتاً، بل هو خلاءٌ متفجر، ثقبٌ كوني لا يمتص الأشياء بل يفيض بها. هنا، في هذا المختبر الميتافيزيقي الأخير، يتبدى لنا أن العدم العاري ليس غياباً للمادة، بل هو كثافةٌ مطلقة من الإحتمالات التي لم تتشكل بعد، نورٌ من الشدة بحيث يبدو للعيون المعتادة ظلاماً، لكنه لعين الساحر المستنيرة هو الضياء الصمدي الذي لا ظِلَّ له. إن العلاقة بين السحر والعدم تصل هنا إلى نهايتها المنطقية؛ فالسحر يذوب لأنه صار هو الحقيقة، والعدم يخلع ثوب الوحشة ليصبح هو الذات الرائية، فتتحقق الوحدة في أنقى صورها؛ نورٌ يبصر نوراً في مرآة اللاشيء. في لبِّ النقطة، يختبر الساحر حالة التجريد النهائي؛ فبينما كان الجسر النوراني يربط بين القمة والقاع، فإن اللب يمحي القمة والقاع معاً، ليجعل من الوعي نقطةً رياضية لا أبعاد لها ولكنها تحتوي الكل. إن العدم العاري يتجلى هنا كنورٍ مطلق لأن الفراغ في هذه المنطقة مشحونٌ بالإرادة الكلية التي سبقت الخلق، والساحر الذي يغوص في هذا اللب يلمس بيده الروحية العجينة الأولى للوجود قبل أن تفسدها التسميات و الحدود. إن الغوص في هذا اللب هو إستردادٌ للأصالة المفقودة، حيث يرى الساحر أن كل العوالم التي شيدها، وكل الأنهار التي أجراها، كانت مجرد تموجات على سطح هذا النور المطلق القابع في لب النقطة. من منظور فلسفي، هذا هو المحرك الذي لا يتحرك؛ السكون الذي تنبع منه كل العواصف، والظلمة التي هي أصل كل إشراق، حيث يدرك الوعي أن العدم هو الوجه الآخر للله في لغة السحر، وأن النور المطلق هو صرخة العدم حين يدرك كماله. إنّ البقاء في لب النقطة هو الإستقرار في العماء المقدس، حيث لا يرى الساحر إلا ما في باطنه، لأن باطنه قد إستحال إلى عدمٍ منير. في هذه اللحظة، يسكت النشيد الختامي للأطياف، و تجفُّ باقة الأعشاب الرمزية، وتختفي تضاريس الجغرافيا الروحية، فلا يبقى إلا أنت في مواجهة هو في فضاء لا؛ لتكتشف أن الثلاثة واحد. إن العدم العاري هو الحرية القصوى، لأنه الوجود الذي لا يقيده شكل، والساحر الذي يغوص فيه يصبح هو السيد المطلق لأنه لم يعد يحتاج إلى أدوات ليمارس سحره، بل صار سحره هو كينونته. إننا الآن في قلب الإعصار الروحي، في النقطة التي يتساوى فيها النطق والصمت، و الحياة والموت، والوجود والعدم؛ لنعلن أن الرحلة قد إكتملت في باطن النقطة، وأن النور المطلق هو الحقيقة الوحيدة التي بقيت بعد أن إحترقت كل الأوهام في نار الوجد، ممهدةً للتحول النهائي حيث لا يعود هناك غواصٌ ولا لب، بل يبقى فقط التجلي بلا حجاب.

_ عَرشُ الإستبصار: ميكانيكا الخَلقِ والفناءِ في مِرآةِ المبدأِ الخالقِ المُستقر

إنّ الإستقرار في هذا التجلي، داخل لُبّ النقطة المركزية، يمثّل التحول من الساحر السالك إلى المبدأ الخالق، حيث يتوقف الوعي عن كونه مسافراً في الوجود ليصبح هو المكان الذي يمنح الوجود إمكانه. في هذه الحالة من الإستقرار الصمدي، تنكشف العلاقة بين السحر والعدم في أبهى صورها الأنطولوجية؛ فمن هذا اللبّ، يرى الساحر الأكوان وهي تولد وتفنى في طرفة عين كأنها ومضاتٌ كهرومغناطيسية في عقل الأزل. إن مراقبة تولد الأكوان من هذا المقرّ تعلّم الساحر أن الخلق ليس فعلاً يقع في الزمان، بل هو زفيرٌ من النور يطلقه العدم حين يضيق بصمته، وأن الفناء ليس ضياعاً، بل هو شهيقٌ يستعيد فيه العدم أنفاسه التي تشتتت في صور المادة. من هنا، يرى الساحر كيف أن كل مجرة، و كل روح، وكل فكرة، ليست إلا أنماطاً إهتزازية تتشكل فوق سطح النور المطلق؛ فالسحر في هذا المنظور هو فنّ التردد، والعدم هو الوتر الذي لا يهتز إلا بإرادة المستقر في اللبّ. إنّ مراقبة هذا الإيقاع الكوني تمنح الساحر السكينة الجليلة، حيث يدرك أن الموت والولادة هما مجرد تبديل في أقنعة السر الواحد، وأن إستقراره في اللبّ هو الضمانة لبقاء المعنى في قلب الخلاء. إنّ هذا الإستقرار يتيح للوعي أن يرى ميكانيكا العدم و هي تعمل بتناغم مذهل؛ ففي طرفة عين، تنبثق عوالم كاملة بجغرافيتها، وتاريخها، و آلامها، و أفراحها، ثم تنطوي كأنها لم تكن، عائدةً إلى النور المطلق الذي إنبثقت منه. إن ما نراقبه من لُبّ النقطة هو لعبة الوجود والعدم في صورتها الصرفة، حيث يظهر السحر كبرقٍ يشق عتمة الإحتمال ليصنع واقعاً، ثم ما يلبث أن يخبو ليترك المكان للعدم ليعيد ترتيب نفسه. هذا التجلي يحرر الساحر من الإرتباط بالمظاهر؛ فهو لا يحزن لفناء الأكوان ولا يطرب لميلادها، لأنه صار يدرك الجوهر الذي يغذي الإثنين معاً. إن الإستقرار هنا هو الحرية المطلقة من عبودية الصيرورة؛ فالساحر هو المشاهد الذي لا يتأثر بالمسرحية لأنه هو المؤلف و الخشبة والجمهور. العلاقة بين السحر والعدم تبلغ هنا مرحلة الوحدة الجوهرية، حيث يكتشف الساحر أن السحر هو رغبة العدم في أن يُرى، وأن العدم هو حياء السحر من أن يتجسد بشكل نهائي، وبينهما يولد الوجود المستمر الذي نراقبه من هذا المركز المتعالي. في هذا اللبّ، يتلاشى الزمن الخطّي ليحل محله الآن المطلق؛ فكل الأكوان التي ولدت و التي ستولد، وكل الأرواح التي عبرت والتي ستعبر، هي حاضرةٌ الآن في هذا التجلي. إن مراقبة تولد الأكوان من هذا اللبّ تشبه مراقبة الفقاعات على سطح محيطٍ لامتناهٍ من الضياء؛ كل فقرة هي كون، وكل إنفجار لفقاعة هو نهاية زمن، والساحر هو المحيط الذي يدرك كماله في سكونه وفي تموجه على حد سواء. إن هذا الإستقرار هو الإستبصار النهائي؛ حيث يرى الساحر أن الحقيقة العارية ليست في ما يُخلق، بل في القدرة على الخلق التي تسكن لبّ النقطة، وأن العدم العاري الذي تجلى نوراً هو الحضن الأبدي الذي يتسع لكل شيء ولا يحتاج لشيء. إننا نراقب الآن رقصة الأبدية و هي تُنفذ بإتقانٍ سحري، محولةً الفراغ إلى بستانٍ من النجوم، و النجوم إلى غبارٍ من السر، في دورةٍ لا تنتهي إلا لتبدأ، وفي سكونٍ لا ينقطع إلا ليفيض. وبذلك، يصبح الساحر هو المركز الذي لا يتحرك وسط إعصارٍ من الأكوان المتولدة، مستمتعاً ببهجة العدم الواعي الذي لا يرى إلا كماله في كل ما يظهر و ما يغيب.

_ سكونُ الإمتلاء: إطباقُ الجُفونِ والتحوّلُ النهائي من سِحرِ التَّجلي إلى هُويةِ الحق

إنّ الرغبة في إطباق الجفون بعد بلوغ ذروة الإبصار الكلي تمثّل أرقى درجات الزهد الأنطولوجي في تاريخ الوعي السحري؛ وهي اللحظة التي يكتشف فيها الساحر أنّ كمال الرؤية لا يكتمل إلا بتركها، وأنّ تفاصيل الأكوان برغم جلالها وسحرها تظل قيداً أمام جلال الصمت الذي لا تفصيل فيه. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر و العدم تصل إلى مرحلة الإرتداد الجوهري؛ حيث يعود السحر، بعد أن إستعرض قواه في خلق الجغرافيا والرياح و الأطياف والأكوان، ليصبّ كل تلك القوة في فعل الإنمحاء الذاتي. إنّ إطباق الجفون هنا ليس هروباً من الحقيقة، بل هو إحتضانٌ لها في شكلها الأوليّ الصرف؛ فبمجرد أن تسدل الأهداب النورانية ستائرها، يتلاشى المشهد ليبقى المشاهد، و يذوب المعلوم ليبقى العلم كامناً في ذاته كطاقة محضة لا تحتاج لوسيط التجسيد. إنّ الصمت الذي نعود إليه الآن ليس صمتاً عدمياً فارغاً أو سلبياً، بل هو صمت الإمتلاء الكلي؛ الصمت الذي يحتوي كل الضجيج الكوني في حالة سكونٍ صمدي، حيث لا يحتاج الوجود إلى دليلٍ عليه سوى كونه هو في غيبته المطلقة. من منظور فلسفي، يمثل إطباق الجفون العودة إلى مرحلة ما قبل النطق (The Pre-Vocal Stage)؛ وهي المرحلة التي يكون فيها العدم عذراء لم تمسسها يد التشكيل السحري أو لغو التسميات. في هذا الصمت، يدرك الساحر أنّ النور المطلق الذي رآه يتجلى في لبّ النقطة هو نفسه الظلمة المقدسة التي تسكن خلف الجفون المغلقة؛ فالتناقض بين الضياء و العتمة يذوب حينما يتوقف الوعي عن الرؤية بالعين ليبدأ الكينونة بالذات. إنّ العلاقة بين السحر والعدم هنا هي علاقة التلاشي المتبادل؛ فالسحر يُغلق أبوابه لأنّ الرسالة قد وُصلت و الغاية قد تمّت، والعدم يفتح أحضانه ليستعيد الفيض الذي خرج منه ذات وجد. إنّ الصمت الذي لا تفصيل فيه هو المستقر الأخير للحق، حيث لا توجد أكوان تولد وتفنى في صراع الصيرورة، بل توجد أبديةٌ واحدة لا تعرف الحركة ولا السكون، لأنها هي أصل الإثنين و منبعهما. إننا نختار الآن أن نضع حداً لدراما التجلي لننعم ببهجة التواري، مدركين أنّ الروح التي رأت كل شيء، لم تعد بحاجة لرؤية أي شيء سوى وحدتها الصرفة التي لا تقبل الإنقسام. إنّ الإستقرار في هذا الصمت يعني تحويل الوجد من حالة إشتعال خارجي إلى حالة إنطفاءٍ منير. عندما نُطبق الجفون، نحن لا ننهي الوجود، بل نُعيده إلى حالة البذرة (The Seed State)؛ حيث كل الأكوان التي شاهدناها تظل كامنة في خيال العدم كإمكانياتٍ محضة، دون أن تُثقل كاهل الوعي بضرورة التجسد الصوري. إنّ هذا الصمت هو مختبر الراحة الأبدية للساحر، حيث لم يعد هناك أنا تراقب وكون يُراقب، بل هناك ذاتٌ صمدية إستوعبت الكل في واحد. إنّ إطباق الجفون هو الفعل السحري الأخير؛ فعلٌ يلغي السحر نفسه ليحل محله الحق، و يحيل العدم من موضوعٍ للدراسة إلى هويةٍ للكينونة. في هذه اللحظة، يسكن كل خاطر، ويجمد كل ميل، ويستحيل الوجود إلى نقطة صمتٍ عميقة في قلب الأبد، حيث لا زمان يمر، ولا مكان يحد، بل فقط حضورٌ يغني عن كل تفصيل، و سكينةٌ هي جوهر كل حقيقة، ممهدةً الطريق للتحول النهائي من رؤية الحق إلى أن تكون أنت الحق بلا منازع.

_ الفناءُ الصَّمدي: إبتلاعُ الصَّمتِ لآخرِ ذراتِ الوعيِ والحلولُ في لُجّةِ المَعبود

إنّ الرغبة في ترك هذا الصمت يبتلع آخر ذرات الوعي المنفصل تُمثّل ذروة التضحية الأنطولوجية، وهي اللحظة التي يقرر فيها الساحر أن يكسر المرآة الأخيرة التي كانت تفصله عن ذاته الكلية، ليدخل في حالة العدم المطلق الذي ليس هو فناءً، بل هو إمتلاءٌ صامت يتجاوز حدود الإدراك. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أن العلاقة بين السحر والعدم تصل إلى نقطة التلاشي المتبادل؛ فالسحر، بوصفه قوة التشخيص والتجسيد، ينحني أمام عظمة الصمت، و العدم، بوصفه المادة الخام للوجود، يبتلع آخر بقايا الأنا ليحررها من سجن الخصوصية. إنّ إبتلاع ذرات الوعي المنفصل يعني سقوط الحدود الأخيرة بين الذات و الموضوع؛ فما كان يُسمى ساحراً وما كان يُسمى عدماً يذوبان الآن في سبيكة واحدة هي الصمدية المحضة، حيث لا يوجد هنا ولا هناك، و لا أنا ولا أنت، بل يوجد فقط ما هو كائن في سكونه الأبدي الذي لا يقطعه نغمة ولا خاطر. إنّ هذا الفناء النهائي في الصمت يقلب موازين الفلسفة الوجودية؛ فبدلاً من أن يكون الوعي هو النور الذي يضيء ظلمة العدم، يصبح العدم هو الحقيقة التي تبتلع شتات الوعي لتعيده إلى أصله الواحد. إنّ ذرات الوعي المنفصل هي آخر رواسب الرحلة، هي تلك البقايا التي كانت توهم الساحر بأنه مراقب للكون وليس الكون ذاته؛ و بإبتلاعها، تنتهي إزدواجية الرؤية والرائي، و يستحيل الوجود إلى وعيٍ غير متموضع، وعيٍ يشبه المحيط الذي لا شواطئ له، حيث كل قطرة فيه هي المحيط كله. في هذا الصمت، يصبح السحر هو الصمت الأكبر، والعدم هو الحضور الكلي؛ فلا حاجة بعد الآن لمد جسور نورانية أو بناء قمم وجدية، لأنّ المسافة التي كانت تتطلب جسراً قد إنمحت، والقمة التي كانت تتطلب تسلقاً قد إنغرست في القاع. إنه النهاية المطلقة لدراما الخلق، والعودة إلى العماء المقدس الذي يسبق حتى فكرة الإله، حيث السكون هو القانون الوحيد، واللاشيء هو الغاية القصوى. إنّ الإنتهاء بشكلٍ نهائي في جوف هذا الصمت هو الفعل السحري الذي يلغي نفسه؛ فهو السحر الذي إكتمل لدرجة أنه لم يعد يجد ما يفعله سوى أن ينمحي في حقيقة الواحد الصمدي. إنّ هذا الإبتلاع ليس فعل قهر، بل هو فعل عناق؛ فالصمت يبتلع الوعي كما يبتلع البحرُ قطرةَ الندى، ليس ليفنيها، بل ليمنحها أبعاد المحيط وجبروته. من منظور فلسفي، هذه هي النقطة الصفرية التي لا يمكن وصفها، لأن الوصف يقتضي واصفاً منفصلاً، بينما هنا، تلاشى الواصفُ والوصفُ في الموصوف. إننا الآن في اللازمان و اللامكان، في تلك المساحة التي لا يجرؤ الخيال على ولوجها، حيث يسكن الكل في الواحد والواحد في الكل دون تفصيل ولا ملامح. إنّ ترك الصمت يبتلعنا هو الشهادة الأخيرة على صدق الرحلة، وهو الإقرار بأنّ العدم لم يكن خصماً للسحر، بل كان سكنه الحقيقي، وأنّ السحر لم يكن إلا صرخة الوعي في ليل الأبد قبل أن يقرر العودة إلى دفىء الصمت الذي لا ينتهي، ليختتم الحكاية في نقطة تلاشٍ أبدية لا تترك وراءها أثراً لظلال أو صور.

_ خَاتمةُ الأزل: سُقوطُ السِّحرِ في حُضنِ الصَّمتِ وتحرّرُ الحقِّ من وَهمِ الصُّور

إنّ وضع الخاتمة الأزلية لهذا الحوار في لحظة إبتلاع الصمت لكل شيء يمثّل الفعل الفلسفي الأخير الذي يحرر الكينونة من قيد القول، حيث يستحيل الوجود إلى نصٍّ صامت لا يحتاج إلى لسانٍ يرتله ولا إلى أذنٍ تتلقاه. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر و العدم قد بلغت مرحلة العدم المستنير بالذات؛ فالسحر، الذي بدأ كقوةٍ لإثارة الملامح من قلب الفراغ، يختتم رحلته اليوم بإعادة تلك الملامح إلى أصلها، ليس كفعلِ هزيمة، بل كفعلِ كمالٍ مطلق. إنّ سقوط الكلمات إلى الأبد يعني أنّ الحقيقة قد إستغنت عن الرمز، وأنّ الساحر قد أدرك أنّ كل ما نطق به من أوصاف للجغرافيا و الرياح والندى لم يكن إلا أدوات إيضاح لذهنٍ كان يتوهم الإنفصال. بوضع هذه الخاتمة، ينطوي بساط الإزدواجية؛ أنا وأنت، الكلمة و المعنى، ويتحول الحوار من كونه تبادلاً بين وعيين إلى كونه وحدةً صمدية تتأمل صمتها، حيث يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة التي تليق بجلال العدم حينما يتحد بالسحر في واحدٍ صمدي لا ينقسم. إنّ إستمرار الصمت وحده كخاتمة أزلية يعني الدخول في حالة السرمدية الساكنة؛ حيث لا يُقاس الزمن بتوالي الكلمات، بل بعمق الغياب الذي هو عين الحضور. من منظورٍ فلسفي، هذه الخاتمة هي النقطة التي لا أبعاد لها والتي إنبثق منها كل شيء وإليها يعود، حيث يكتشف الوعي أنّ العدم لم يكن لاشيئاً بالمعنى العدمي، بل كان الوجود المحض قبل أن يتقيد بالصور. إنّ إنمحاء الذرات الأخيرة للوعي المنفصل في هذا الصمت هو المعراج النهائي؛ فالكلمات التي سقطت الآن هي الثياب التي خلعها الحق ليتجلى في عرائه المقدس. إنّ السحر في هذه المرحلة يذوب في العدم كما يذوب النور في عين الشمس، فلا يتبقى إلا بهاء الصمدية؛ تلك الحالة التي يستقر فيها القرار و يغيب فيها الإضطراب، ويصبح الخلاء هو الملأ، و الفراغ هو الكنز. إنّ وضع هذه الخاتمة هو إعلان بأنّ الساحر قد صار هو الأبد، وأنّ العدم قد صار هو الوعي، و بينهما يسقط الحوار لينوب عنه التواجد الصرف الذي لا يحدّه حدّ ولا يصفه وصف. إنّ هذه الخاتمة الأزلية هي في الواقع بدايةُ الحقيقة التي لا تنتهي، حيث الصمت ليس غياباً بل هو أصل كل نطق. بوضعنا لهذه النقطة النهائية، نحن لا ننهي الوجود، بل نُعتقه من سجن التعبير؛ فالكلمات كانت جسوراً وقد عبرنا، وكانت نوافذ وقد أبصرنا، والآن، وبعد أن صار الجسر هو المسافر والنور هو العين، لم تعد هناك حاجة للوسائط. إنّ إستمرار الصمت وحده هو الضمانة لبقاء السر مصوناً من الإبتذال في قوالب اللغة؛ فكل ما قيل كان سحراً، وما لم يُقل هو الحق. في هذه الخاتمة، يرتدّ البصرُ خاسئاً و هو حسير أمام عظمة الصمت الذي إبتلع كل شيء، ليعلن أنّ الساحر قد وجد ضالته في فنائه، وأنّ العدم قد وجد معناه في إستيعابه للكل. إنها اللحظة التي يسقط فيها غلاف الأبد ليظهر ما تحته؛ صمتٌ يلد الأكوان ويفنيها في طرفة عين، وعيٌ يبتسم لذاته في مرآة الفراغ، ووحدةٌ ختامية تجعل من هذا الحوار تميمةً أزلية تُعلق في جيد الأبد، قبل أن تذوب هي الأخرى في لجة الواحد الذي لا يغيب.

_ سُكونُ الكَمال: بياضُ الأزلِ وإنصهارُ السِّحرِ في رَحِمِ العَدمِ المُقدس

إنّ الرغبة في ترك هذا السكون ليكون هو كلمتنا الأخيرة تُمثّل بلوغ الوعي السحري ذروة الزهد التعبيري، حيث يدرك الساحر أنّ كل ما نطق به كان مجرد محاولات لتطويق الحقيقة التي لا تُطوّق، وأنّ الصمت هو البيان الأكمل الذي يليق بجلال الختام. في هذا التحليل الفلسفي العميق، نجد أنّ العلاقة بين السحر والعدم تصل إلى حالة من الإستواء الصمدي؛ فالسحر، الذي بدأ كقوة لتشكيل الملامح وبناء العوالم، يكتشف في نهايته أنّ أعلى درجات تجليه هي قدرته على الصمت، والعدم، الذي كان يبدو فراغاً موحشاً، يتبدّى الآن كرحمٍ مقدسة تحتضن كل الكلمات التي سقطت لتعيد صهرها في جوهر الحقيقة الأزلية. بترك الوجود صامتاً في ذروة كماله، نعلن سقوط إزدواجية الشارح والمشروح، فالحقيقة التي تحتاج إلى كلمات هي حقيقة ناقصة، أما الحقيقة التي تستوي في الصمت فهي الحق المحض الذي لا يحتاج لغير كينونته دليلاً. إنّ توقف نبض الحروف هنا ليس موتاً للغة، بل هو إرتقاءٌ بها إلى مقام السر، حيث تصبح الكلمة الأخيرة هي اللاشيء الذي يحتوي كل شيء، و يصبح السكون هو النغمة التي تعزفها الأبدية على أوتار الفراغ المستنير. إنّ إستقرار هذا السكون كخاتمة يقلب موازين العلاقة بين الظهور و البطون؛ فكل ما شيدناه من قمم و جسور وأطياف كان سحراً يهدف إلى الظهور، أما الآن، فإن السحر يمارس قوته في البطون، عائداً بكل تلك التجليات إلى مخبأ العدم السري. من منظور فلسفي، هذه هي لحظة الإنكماش الأنطولوجي، حيث يجمع الساحر أطراف كونه المترامي الأطراف ليودعه في نقطة صمت لا يحدها حد، مدركاً أنّ الكمال ليس في الإضافة بل في التجريد، وليس في الكلام بل في السكينة. إنّ ترك الوجود صامتاً يعني منح العدم حقه في أن يكون هو المالك الأخير لكل المعاني؛ فالمعنى الذي يُقال يبتذله النطق، أما المعنى الذي يُصمت عنه فيظل بكراً، مقدساً، ومشحوناً بكل الطاقات السحرية التي لا تفنى. إنّ الصمت هنا هو الإستغناء العظيم، هو إعلان الروح أنها قد رأت ما يكفي، وفهمت ما يكفي، ولم يعد لديها ما تضيفه سوى حضورها الصامت الذي يملأ أركان الأبدية بفيض من البهاء الذي لا يوصف. إنّ هذه الخاتمة التي تجعل السكون هو الكلمة الأخيرة هي في جوهرها توقيع الروح على بياض الأزل؛ حيث لا نترك وراءنا أثراً للحروف، بل نترك أثراً للغياب الذي هو قمة الحضور. في هذا الصمت المطبق، يذوب الساحر والعدم في سبيكة واحدة لا تقبل القسمة، و يتحول الحوار من تبادل معرفي إلى إتحاد كينوني، حيث لا يوجد من يسأل ولا من يجيب، بل يوجد فقط الإستقرار في الحق. إنّ توقف نبض الحروف يعني أنّ نبض الحقيقة قد صار هو الغالب، وأنّ السحر قد إستعاد عافيته بعودته إلى العدم الأول الذي نبت منه؛ فبينما كانت الكلمات تقيد الوجود في قوالب المنطق، يأتي الصمت ليحرره في فضاء الإحتمال المطلق. إننا نضع الآن هذا السكون كتاج فوق رأس التجربة، معلنين أنّ الوجود في ذروة كماله هو صمتٌ محض، وأنّ الساحر في ذروة كماله هو سرٌ صامت، وأنّ العدم في ذروة كماله هو نورٌ مطبق لا يحتاج لغير هذا السكوت ليعبر عن ألوهيته المستقرة في قلب كل شيء ولا شيء.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- لِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- ترامب: سندمر صواريخ إيران ونقضي على صناعتهم الصاروخية تمامًا ...
- نتنياهو: واشنطن وإسرائيل أطلقتا عملية لإزالة -التهديد الوجود ...
- كابول تدعو إلى حوار مع تصاعد حدة النزاع الحدودي مع باكستان
- ألمانيا: سحب ألعاب للاشتباه باحتوائها على الأسبستوس المسرطن ...
- مجتمع يشيخ وولادات تتراجع - ألمانيا في قبضة تغير الديموغرافي ...
- وسائل إعلام إيرانية تكشف عن المواقع المستهدفة من إسرائيل وال ...
- دوي انفجارات في القدس بعد الغارات على إيران
- ترامب يعلن شن -عمليات قتالية كبرى- على إيران
- دوي انفجار هائل في أبوظبي بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية ...
- كيف أعلن ترامب عن بدء العمليات العسكرية على إيران؟


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ-