أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - تفكيك جدلية الإيمان القلبي والعقلي















المزيد.....

تفكيك جدلية الإيمان القلبي والعقلي


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 00:57
المحور: قضايا ثقافية
    


بين بصيرة الوجدان وحيلة الهروب:
لطالما تغنى الشعراء بـ "بصيرة القلب"، وأسس المتصوفة واللاهوتيون معارفهم على "الذوق الوجداني"، في مقابل "برودة" المنطق العقلي.
لكن، في عصر يقدس المنهج العلمي والتحليل المادي، يبرز السؤال الملحّ:
هل "الإيمان القلبي" حقيقة إنسانية عميقة، أم أنه مجرد آلية دفاعية لتمرير ما لا يقبله العقل؟

1. الإيمان العقلي: سيادة المنطق والدليل

الإيمان العقلي هو قناعة تُبنى على الاستدلال (Reasoning). هو نتيجة لمعادلة منطقية: مقدمات تؤدي إلى نتائج. يتميز هذا النوع من الإيمان بـ:
• القابلية للفحص: يمكن تفكيكه ومناقشته.
• الموضوعية: يعتمد على شواهد يمكن للآخرين رؤيتها.
• الارتباط بالشك: العقل بطبعه يشكك حتى يصل إلى اليقين، فاليقين العقلي هو "هدوء النفس بعد عناء البحث".

2. الإيمان القلبي: هل هو "حدس" أم "وهم"؟

يرى المدافعون عن الإيمان القلبي أنه نوع من الحدس (Intuition) أو الإدراك الكلي الذي يتجاوز التفاصيل التقنية للعقل. حجتهم أن العقل أداة تحليلية محدودة، بينما الوجدان قادر على استيعاب المعاني الجمالية، الروحية، والأخلاقية التي تعجز الأرقام عن وصفها.

لكن، هنا تكمن نقطة النقد الجوهري:

عندما يُستخدم "القلب" كمبرر لاعتناق فكرة تصطدم مع الحقائق البديهية، فإنه يتحول من "أداة معرفية" إلى "ملجأ حصين" ضد النقد. في هذه الحالة، يصبح القول بـ "أنا أؤمن بقلبي" مرادفاً لقولنا "لا أريد أن أناقش، ولا أريد لعقلي أن يفسد عليّ طمأنينة الوهم".

3. "خداع النفس" كآلية دفاعية

نفسياً، يميل الإنسان إلى ما يُعرف بـ "الانحياز التأكيدي" و "التبرير الوجداني". عندما يجد الشخص نفسه أمام فكرة تمنحه الأمان أو الانتماء، لكنها تفتقر للسند العقلي، يلجأ إلى "تأليه" المشعر القلبي.
هذا الفعل ليس مجرد خداع للآخرين، بل هو خداع للذات (Self-Deception) يهدف إلى:

• تجنب القلق المعرفي:
مواجهة التناقضات العقلية مؤلمة، والهروب إلى "اليقين القلبي" مريح.

• الحفاظ على الهوية:
غالباً ما يكون الإيمان مرتبطاً بجماعة أو إرث، والتخلي عنه بالعقل يعني فقدان الشعور بالانتماء.

4. هل يمكن الفصل بينهما حقاً؟

في الواقع، العقل والقلب (بمعنى العاطفة والحدس) يعملان معاً بشكل معقد. تشير الدراسات العصبية إلى أن القرارات التي نظنها "عقلية بحتة" تتأثر بمراكز المشاعر في الدماغ.

• الإيمان السوي: هو الذي يبدأ ببحث عقلي يمهد الطريق، ثم ينتهي باطمئنان قلبي يمنح الفكرة حياة وحرارة.

• الإيمان الزائف: هو الذي يضع "القلب" في مواجهة "العقل"، محاولاً إسكات صوت المنطق بحجة أن "للقلب أسباباً لا يعرفها العقل".

الخلاصة: "ميزان لا يلغى"
إن الزعم بأن الإيمان القلبي مجرد حيلة هو زعم له وجاهته في حالات "التعصب الأعمى" و"الهروب من التفكير". لكن، لا يمكننا إغفال أن التجربة الإنسانية أوسع من مجرد معادلات رياضية.
المعيار الذهبي هنا هو:
إذا كان إيمانك "القلبي" يطالبك بإغلاق عينيك عن الحقيقة، فهو خداع.
أما إذا كان يمنحك القوة لتعيش قيمك التي أثبتها عقلك، فهو تكامل.

إن خداع النفس (Self-Deception) ليس مجرد كذبة عابرة نكذبها على الآخرين، بل هو نظام تشغيل معقد يعمل في الخفاء ليحمي صورتنا عن أنفسنا وعن العالم.

تفكيك للآليات النفسية التي تجعل الإنسان "يصدق ما يحب" وكيف يصيغ مبرراته:

تشريح "خداع النفس":
كيف نبرمج عقولنا على التصديق؟
يقول الفيلسوف "إريك هوفر": “نحن نكذب بأعلى صوتنا عندما نكذب على أنفسنا”. هذه العملية ليست عشوائية، بل تتبع استراتيجيات نفسية محكمة:
1. آلية "التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance)
عندما يواجه الإنسان حقيقة تصدم معتقده الراسخ، يشعر بألم نفسي حاد (توتر). لإنهاء هذا الألم، أمامه خياران:
• تغيير المعتقد: (وهو صعب ومكلف نفسياً).
• تغيير الواقع أو تأويله: وهنا يبدأ "خداع النفس". يبدأ العقل باختراع مبررات تجعل الحقيقة الصادمة تبدو "غير منطقية" أو "مؤامرة"، ليعود للراحة النفسية.
2. "الاستدلال المدفوع" (Motivated Reasoning)
نحن لا نفكر كالقضاة (نبحث عن الحقيقة أينما كانت)، بل نفكر كالمحامين (لدينا نتيجة مسبقة ونبحث عن أدلة تدعمها).
• إذا كانت الفكرة تروق لنا، نسأل: "هل يمكنني تصديق هذا؟" (ونبحث عن أي قشة تدعمها).
• إذا كانت الفكرة تزعجنا، نسأل: "هل أنا مضطر لتصديق هذا؟" (ونبحث عن أي ثغرة لرفضها).
3. بناء "الجدران العاطفية" (The Affective Wall)
هنا يظهر مصطلح "الإيمان القلبي" كدرع. عندما يعجز الشخص عن الرد على حجة عقلية، ينسحب إلى منطقة المشاعر: "أنا أشعر بصدق هذا في أعماقي".
هذا المبرر ذكي جداً لأنه "غير قابل للنقض". لا يمكن لأحد أن يثبت لك أنك "لا تشعر" بما تشعر به، وبذلك تصبح العاطفة "حصناً" يحمي الفكرة من رصاص النقد العقلي.

الحيل النفسية التي يستخدمها العقل لتبرير خداع النفس:

أولاً: التبسيط المخل (Over-Simplification)
تعمل هذه الحيلة على تحويل القضايا الفلسفية أو العلمية المعقدة إلى ثنائيات حادة وبسيطة (حق ضد باطل، أو روح ضد مادة). والهدف من ذلك هو الهروب من التفاصيل المزعجة التي قد تثير الشكوك.
• المبرر المعتاد: "العقل أداة مادية محدودة، والروح عالم سامٍ لا يدركه المنطق؛ لذا لا داعي لإقحام الأسئلة العقلية في المسائل الإيمانية".

ثانياً: الاستثناء الشخصي (Special Pleading)
هذه المغالطة تجعل الشخص يؤمن بأن القواعد المنطقية التي يطبقها على الآخرين لا تنطبق عليه هو أو على معتقده الخاص. هو يرى "خداع النفس" لدى الجميع إلا في حالته، فهي "يقين".
• المبرر المعتاد: "قد يكون الآخرون مخدوعين بمشاعرهم الزائفة، لكن ما أشعر به أنا في أعماق قلبي هو إلهام حقيقي وصادق لا يخطئ".

ثالثاً: شيطنة المصدر أو الشخصنة (Ad Hominem)
عندما يعجز العقل عن الرد على الحجة المنطقية، فإنه يلجأ لحماية نفسه عبر الهجوم على "صاحب السؤال" بدلاً من "السؤال نفسه". هي محاولة لإسقاط مصداقية الطرف الآخر لتجنب مواجهة الحقيقة التي يطرحها.
• المبرر المعتاد: "أنت لا تسأل لتبحث عن الحقيقة، بل تسأل لأنك مغرض أو تريد هدم الثوابت وزعزعة الاستقرار"، وبذلك يتم إغلاق ملف النقاش تماماً.

هذه الحيل الثلاث تعمل كخطوط دفاع متتالية؛ إذا فشل التبسيط في إقناعك، تلجأ للاستثناء الشخصي، وإذا حاصرك أحدهم بالمنطق، تلجأ لشيطنة المصدر لتنهي المعركة لصالحتك نفسياً.

لماذا نفعل ذلك؟ (المكاسب الثانوية)

خداع النفس ليس شراً محضاً من منظور بيولوجي، بل هو أداة للبقاء:

1. تجنب الانهيار: الحقيقة قد تكون مريرة (مثل فكرة الفناء أو العبثية)، والخداع يمنح جرعة "مورفين" روحية.

2. التماسك الاجتماعي: أن تؤمن بما تؤمن به جماعتك (حتى لو كان غير منطقي) يضمن لك الحماية والقبول الاجتماعي.

المفارقة الكبرى

أخطر أنواع خداع النفس هو أننا لا نعرف أننا نخدع أنفسنا. بمجرد أن تدرك أنك تخدع نفسك، يسقط الخداع. لذا، يطور العقل "نقطة عمياء" (Blind Spot) تمنعه من رؤية مناوراته الخاصة.

خلاصة القول:

"الإيمان القلبي" الذي يخشى السؤال هو في الغالب حارس بوابة يحمي منظومة من الأوهام المريحة.
أما الإيمان الحقيقي، فهو الذي يمتلك الشجاعة للوقوف في وجه أعنف الأسئلة العقلية ويخرج منها بسلام.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسطورة الطوفان في التاريخ
- من قبضة الخوف إلى سيادة العقل: رحلة الإنسان بين الميتافيزيقا ...
- العلم والدين: فك الارتباط في عصر -الإنسان الإله-
- بين أوهام -الوعد الإلهي- وصفعة -الواقع-
- إسرائيل ووعود الإله يهوه
- في البدء كانت المتفردة Singularity
- قصة الديناصورات التي صارت عصافير
- تنوع الكائنات وتاريخنا البيولوچي
- التطور والدوجما الموروثة
- حقل هيجز الرحم الذي أنجب الكون
- إله سبينوزا الصخري الذي خذل البشر
- حتمية الصدفة: قراءة مادية لكونٍ لا يبالي
- الصدفة ونشأة الكون
- قصة ميلاد يسوع
- الكون من اللاشيء. . رحلة من الصفر إلى الوجود
- سجادة الزمكان عندما تتموج وتدور وتطوى
- ملالي إيران وخيار الانقلاب الذاتي
- قناة بنما بدولار واحد
- مادورو واحترام القوانين
- الفن والأدب والرؤية المادية للوجود


المزيد.....




- تضارب بين ترامب والاستخبارات بسبب تصريحه عن -تطوير إيران لصو ...
- إيطاليا: قتيلان و40 مصابا في انحراف ترام بميلانو
- بنعبد الله يعزي الرفيقة جمعة واركي في وفاة شقيقتها
- أكراد إيران ـ -خط ثالث- أم حليف محتمل لواشنطن ضد نظام الملال ...
- بعد فنزويلا.. ترمب يدرس الاستيلاء -ودّيا- على كوبا
- أهالي دمشق يُحيون تراث الأجداد في رمضان
- مليونية في عدن تؤكد دعم الزبيدي وترفض إقصاء -الانتقالي-
- كارثة ترام تهز ميلانو.. قتيلان وعشرات الجرحى في قلب المدينة ...
- واشنطن ومسقط تبحثان نووي إيران.. إشادة بدور الوساطة العُماني ...
- بغداد تحت اختبار صعب: لقاء المالكي - براك يعمّق الجدل حول رئ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - تفكيك جدلية الإيمان القلبي والعقلي