أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي خويص - المعنى ليس بريئا: إعادة إنتاج العنف في السرديات الرسمية السورية















المزيد.....

المعنى ليس بريئا: إعادة إنتاج العنف في السرديات الرسمية السورية


سامي خويص

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 16:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يخبرنا رولان بارت وميشيل فوكو أن المعنى ليس محايدا. فاللغة والسرديات الرسمية، حتى حين تدين الجريمة، تعيد إنتاجها رمزيا وتحدّد إطار فهمها، فيغدو العنف حاضرا لا في الفعل وحده، بل في معنى ما يُسمح لنا بتصوره وتداوله.


المعنى ليس معطًى طبيعيا، واللغة ليست وسيطا محايدا ينقل الواقع كما هو. المعاني تُنتَج داخل سياقات تاريخية واجتماعية محددة، وتُقدَّم غالبا بوصفها بديهيات، فيما هي في الجوهر نتاج علاقات قوة وغَلَبَة.
يوضح بارت أن السرديات والأساطير الحديثة تميل إلى تقديم ما هو اجتماعي وسياسي كأمر طبيعي وبديهي، بينما هي في الحقيقة عملية تصنيف وإعادة صياغة للوقائع.
ويضيف فوكو بعدا آخر حين يشير أن السلطة لا تُمارَس فقط بالقوة، بل من خلال إنتاج وتنظيم الخطاب، بحيث تتحكم اللغةُ والسردياتُ الرسمية بما يُسمَح لنا بإدراكه وفهمه، وتعيدُ إنتاج العنف رمزيا عبر التصنيفات والقوانين والبيانات الرسمية، حتى حين تُدين بعض ما تعتبره (أخطاء) ارتكبها بعض أركانها.
هكذا تتحول السرديات الرسمية إلى أداة مزدوجة: فهي من جهة تدين الفعل، ومن جهة أخرى تحدّد الإطار الذي ينبغي للقارئ أو المجتمع أن يفهم الحدثَ من خلاله، مما يجعل المعنى مضبوطا سلفا.
من هذا المنظور، يمكن أن نرى ما يجري في سورية اليوم انتقالا من صراع كان يتمحور، إلى حد كبير، حول السلطة، إلى صراع على المعنى. حيث أصبحت السرديات، لا الجبهات، ساحة الاشتباك الأساسية. ومع أن صراع السرديات كان حاضرا بقوة في الفترة السابقة، لكن يبدو لي أنه احتل كامل المساحة حاليا. فرغم أنه لا توجد قوى سياسية رئيسية أو عسكرية، تطرح مشاريع واضحة للوصول إلى الحكم أو لإقصاء القائمين عليه، فإن حدة الصراع لم تتراجع، بل اتخذت شكلا آخر، أكثر انتشارا يتمثل في تنازع السرديات وتكاثرها، وإعادة إنتاج العنف الرمزي في اللغة نفسها.
خلال السنوات الأربع عشرة من عمر الثورة السورية، كان الاتجاه العام للصراع، رغم تعقيداته وانحرافاته، واضحا. فعلى الرغم من انزلاقه في مراحل معينة إلى صراعات مناطقية وطائفية وقومية، وعلى الرغم من تصنيفه الدولي والقانوني بوصفه "حربًا أهلية"، وهو توصيف رفضه كثير من الفاعلين الثوريين، ظل المعنى الأولي حاضرا: حركة احتجاج واسعة ضد سلطة استبدادية، سعت في خطابها ومطالبها، إلى الانتقال نحو دولة تقوم على الحرية والكرامة والمشاركة السياسية. عبّرت عن ذلك الهتافات الأولى، ومخرجات اللقاءات السياسية، والبرامج التي صاغتها قوى ادّعت تمثيل الثورة أو انبثقت عنها، بما شكّل سردية ذات أفق وطني جامع، رغم ما أصابها لاحقا من تآكل وتشويه.
لكن بعد سقوط النظام أعلن قائد هيئة تحرير الشام قبل أن يصبح لاحقا الرئيس الانتقالي لسورية، "أن الثورة انتهت، وأننا بدأنا مرحلة جديدة". وبالتالي أنهى رسميا أو سلطويا السردية التي قامت عليها الثورة، وسقط من أجلها مئات آلاف الشهداء، وفتح المجال لسرديات جديدة تناسب المرحلة التي يقودها.

تبرز مسألة السرد بوصفها إشكالية أخلاقية وسياسية في آن. فالسرد لا يحل محل الفعل، لكنه يعيد تشكيله رمزيا. وعندما تُستبدل الجريمة بالكلمات، لا تختفي، بل تنتقل من مجال الفعل المباشر، بما يحمله من صدمة وبداهة وعنف عارٍ، إلى مجال اللغة، حيث تُحاط بالتفسيرات، وتُدمج في سياقات أوسع، وقد تخسر، مع الوقت، حدّتها وقدرتها على الإدانة. هذا التحول يجري بحكم الضرورة فهو الإمكانية الوحيدة لجعلنا قادرين على رفض الجريمة وإدانتها، محاسبة ومعاقبة المجرم، تعلم الدروس، وتطهير المجتمع... إلا أن ذلك لا يقلل من مسؤوليتنا الأخلاقية، بل يؤكد عجزنا.
أصبح بإمكاننا ملاحظة هذه الآلية بوضوح في التعامل الرسمي مع بعض الوقائع العنيفة، ومنها الحادثة التي وقعت مؤخرا في ريف السويداء، حين قُتل أربعة شبّان أثناء وجودهم في قريتهم لقطف الزيتون، بعد حصولهم على إذن أمني بالدخول إليها. في هذه الحالة، سارعت الجهة الرسمية إلى الاعتراف بالحادثة، وأصدرت بيانا أدان الجريمة، وأعلن توقيف المشتبه به، وشدّد على حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين، وهذه بعض الجمل التي وردت فيه: " في حادثة مأساوية في منطقة المتونة بريف السويداء، وقعت جريمة نكراء ... هذا الفعل الجبان... أي تجاوز بحق المواطنين يُعد أمراً مرفوضاً... كما ندعو إلى ضبط النفس والتحلي بالصبر والثقة بالإجراءات المتخذة...".

لا تكمن الإشكالية هنا في الاعتراف أو في لغة الإدانة ذاتها، بل في الكيفية التي رُحِّلت بها الجريمة إلى حقل المعنى. فالبيان، من خلال سرد الواقعة بوصفها "حادثة مأساوية" و"فعلا جبانا"، ومن خلال تأكيده المتكرر على الإجراءات القانونية وضبط النفس، نقل الحدث من كونه جريمة عنف ضد مدنيين إلى واقعة إجرائية قابلة للاحتواء ضمن خطاب الطمأنة. هكذا تُعاد صياغة الجريمة لغويا بطريقة تجعلها قابلة للإدارة والتفسير، لا صدمة أخلاقية مفتوحة تفرض مساءلة أعمق للسياق الذي أتاح وقوعها. هذا الأسلوب تكرر سابقا عند حديث السلطة عن المجازر التي ارتكبت في الساحل وفي صحنايا والدويلعة والسويداء وبعض المناطق الأخرى. وهذا ما فعلته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة الشرع منذ أيام، حين وصفت المجزرة الوحشية التي جرت في السويداء في شهر تموز الماضي بـ "أخطاء".
في المقابل تعرض الأطراف الأخرى سردياتها الخاصة التي ترد على سرديات السلطة، لكنها لا تملك الوسائل والقدرة على الصمود، طالما أن الفضاء العام محتكر، إلى حد بعيد، من السلطة، ومتحكم به عبر أذرعها الإعلامية والثقافية والدينية والاجتماعية.

تكتسب هذه الإشكالية اليوم أهمية خاصة بسبب تزامنها مع تحولات أوسع تمسّ فكرة الوطنية نفسها. في هذا السياق، لا تعود السرديات مجرد أدوات تفسير، بل تتحول إلى مشاريع ضمنية لإعادة تعريف المجتمع وحدوده الرمزية، وربما السياسية.
أعتقد أن المعركة اليوم في سوريا ليست مجرد صراع على جغرافيا منهكة، بل أيضا صراع على المعنى الذي سيطغى، ويؤطر التفكير الآن ومستقبلا. حين تنجح اللغة الرسمية في تحويل الدم إلى إجراء إداري، فإنها لا تمحو الجريمة فحسب، بل تمحو إنسانية الضحية وإنسانيتنا نحن الشهود. إن كسر سطوة اللغة يبدأ من رفض استعاراتها، ومن الإصرار على تسمية الأشياء بمسمياتها التاريخية والسياسية، وتثبيت الجريمة لا كمعنى ولا مدلول، بل كأيقونة بدائية واضحة وثابتة ونهائية، لا تحتاج إلى تفسير ولا تقبل التأويل.



#سامي_خويص (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين التعاطف والتفهم: هل تخفي اللغةُ الجريمة؟
- أين ستوضع المسطرة الصراع على حدود النفوذ في سورية
- الوطن كمفهوم قسري/ صناعة الوطنية الإقصائية في سوريا
- مبادرة معاذ الخطيب… لغة تصالحية وهروب من المواجهة
- مديح الكراهية… من الرواية إلى مشفى السويداء
- حين يصبح القانون ستارا / مناقشة مقال -معضلة الأقليات بين الإ ...


المزيد.....




- مسلسل -اتنين غيرنا- عن ضغوطات الشهرة والوحدة والافتقار إلى ا ...
- باسم -ممفيس-.. البرلمان المصري يناقش مشروع قانون يمنح العاصم ...
- رمضان في فلسطين: -العين بصيرة واليد قصيرة-
- -معركة تلو الأخرى- يهيمن على جوائز بافتا
- الجيش الأمريكي يخلي قاعدة في شمال شرق سوريا ويعتزم الانسحاب ...
- من بروكسل إلى الجبهة الأوكرانية طائرات مسيّرة في الخفاء
- إيران: جولة ثالثة من المحادثات في جنيف على وقع تهديدات واشنط ...
- نيويورك: حالة طوارئ وإغلاق المواصلات بالكامل
- مستوطنون يحرقون مسجدا في نابلس ويقطعون شجر زيتون في رام الله ...
- متى يهاجم ترمب إيران؟ أربعة سيناريوهات ممكنة


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي خويص - المعنى ليس بريئا: إعادة إنتاج العنف في السرديات الرسمية السورية