أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جورج منصور - حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة














المزيد.....

حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


عندما يُحتفى بك وبكتابك الجديد "غيمري.. كدّتُ أصبح إماماً" في شارع المتنبي، ذلك الشريان النابض لمدينة بغداد، وأجمل بقاعها على الإطلاق، فإنك تشعر بحق أن الكلمات التي سهرتَ عليها ليالٍ طوالاً، وأعدتَ صياغتها مرات ومرات، قد وجدت أخيراً موطنها الطبيعي ومكانها الحقيقي.
هناك، في ذلك الفضاء العابق بعبق التاريخ، حيث تحتضن رفوف الكتب وجوه القرّاء المتعطشين للمعرفة، وحيث تختلط رائحة الورق العتيق برائحة المطابع الجديدة، وتنبعث من قرب نهر دجلة الخالد نسمات خفيفة تحمل همسات الأجداد، هناك تكتسب الكتابة معنّى آخر مختلفاً تماماً عمّا كانت عليه في غرفة العمل المنعزلة. يتحول الجهد الفردي الذي بذلته في هدأة الليل وسكونه، هناك، إلى لحظة فرح ثقافي جماعي تعانق فيه الأرواح وتتصافح القلوب قبل الأيدي.
في بيت "المدى"، الذي يزخر بالكتب وينبض بالثقافة ويحتضن المثقفين من كل حدب وصوب، لم يكن الاحتفاء مجرد حفل توقيع عابر كتلك الحفلات التي تبدأ وتنتهي دون أن تترك أثراً، بل كان بحق بمثابة شهادة ميلاد جديدة للكتاب، بل لصاحبه أيضاً. فقد خرج الكتاب بها من عزلته الصامتة على أرفف المكتبات ليصافح العيون المتألقة والقلوب المتفتحة.
رأيت بأم عيني وجوهاً أتت بدافع الشغف الحقيقي لا بدعوة رسمية جامدة، ورأيت أصابعاً تقلّب الصفحات بلهفة من يبحث عن كنز ثمين طالما انتظره، ورأيت أسئلةٌ تُطرح بحبٍّ وفضول صادقين ينمّان عن عمق الاهتمام وصدق التلقي. في كل ذلك، كان يتجلى بوضوح معنى أن الكتابة ليست فعلاً فردياً أنانياً كما قد يظن البعض، بل هي علاقة حية ووشيجة متجددة تُبنى جسورها متينة بين الكاتب وقرّائه عبر الكلمات والعبارات.
ذلك الحشد الجميل من التواقين للقراءة والمتعطشين للمعرفة لم يكن مجرد جمهور صامت يملأ القاعة، بل كان بمثابة مرآةً صافية نقية، رأيت فيها بوضوح سنوات التعب المضني، والشكوك الصغيرة التي تراود كل كاتب في خلوته مع نفسه، واللحظات العصيبة التي يتساءل فيها بقلق: هل تصل الحكاية إلى الآخر؟ هل تُلامس قلب أحدهم كما لامست قلبي؟ هل تجد طريقها إلى وجدان من يقرأ؟ وحين ترى كتابك يحيط به هذا الاهتمام الصادق وهذا الحفاء الجميل، تدرك تمام الإدراك أن كتابة السيرة ليست مجرد سرد أناني لماضٍ شخصي عشته وحدك، بل هي جسر يعبره الآخرون ليجدوا شيئاً من ذواتهم في حكايتك، ليكتشفوا في تفاصيلك جزءاً من تفاصيلهم المنسية، ليروا في مرآة تجربتك انعكاساً لتجاربهم هم أيضاً.
الاحتفاء في شارع المتنبي ليس مجاملة عابرة ولا وداعة زائلة، بل هو إشارة عميقة ودلالة واضحة إلى أن للكلمة مكانتها الرفيعة في هذا الوطن، وأن أدب السيرة ما زال قادراً على إثارة الفضول الإنساني، واستعادة الذاكرة الجمعية للأمة، وربط الماضي العريق بالحاضر المعاش بكل تفاصيله. هو حافزٌ قوي ومحفز عظيم لأن أواصل بكل شغف الحفر عميقاً في طبقات الذاكرة المتراكمة، وأن أمنح التفاصيل الصغيرة حقّها المستحق من الضوء والاهتمام. فلطالما أيقنتُ، بعد هذا الاحتفاء المهيب، أن ثمة من ينتظر بفارغ الصبرهذه التفاصيل الدقيقة، ويجد فيها عزاءً أو إلهاماً، أو اعترافاً مشتركاً بالإنسان بكل تجلياته وتجاربه.
إنها لحظة فارقة تقول لك بكل وضوح وجلاء: اكتب. واصل. لا تتوقف. فثمة شارعٌ عريق مازال ينبض بالكتب والحياة، وبيتٌ أصيل يحتفي بالثقافة والمثقفين، ومدينةٌ عظيمة ما تزال تؤمن بأن السيرة الصادقة هي شكلٌ من أشكال المقاومة الجميلة للنسيان، وانتصار باهر على الزوال، وإعلان صارخ بأن الإنسان قادر على ترك بصمته في جدار الزمن مهما كان هذا الجدار قاسياً وشامخاً.
شكراً ل "المدى" على هذا الاحتفاء الجميل، ووعداً بالمواصلة لتقديم الجديد.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...
- في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. ال ...
- هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ العرا ...
- هل بستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيا ...
- المرأة العراقية: قراءة في الإسهام السياسي والثقافي والاجتماع ...
- هل العراق قادر على اللحاق بالرَّكب الرقمي؟
- هل تصلح الديمقراطية في نظام طائفي؟ قراءة في الحالة العراقية
- ما جدوى معارض الكتاب في زمن الذكاء الاصطناعي؟
- حين يتحوّل استهداف البنى التحتية إلى عقاب جماعي: حقل كورمور ...
- الطائفية في العراق: حكاية ظلٍّ طويل
- الفقر في العراق: مأساة في بلد الثراء
- في ذكرى رحيل مؤيد الراوي.. ذكريات متأخرة
- مأزق المكوَّن المسيحي في العراق: قراءة في محنة الوجود والذاك ...
- برلمان بلا بوصلة: حين يتحول المنصب إلى غاية في ذاته
- الثقافة والفن جسراً للهوية الوطنية في العراق
- -تُصَنعّون من الحمقى قادة. ثم تسألون: من أين أتى الخراب؟-
- بين المال والسلاح: هل تُسرق الانتخابات العراقية القادمة؟
- هل العراق بحاجة إلى منظمات مجتمع مدني مستقلة؟


المزيد.....




- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون
- -صوت هند رجب- يسقط الأقنعة في مهرجان برلين السينمائي
- 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة ...
- أكثر من 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين تجاه الإباد ...
- 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة ...
- الوداع الأخير للجسد: حوارية لو بروتون حول الكلمة والوجه في - ...
- -سمبوزيوم- جمعية التشكيليين الأول: خلية نحل تعيد صياغة المشه ...
- الفنانة زينة تُعلن نسبها للنبي محمد ونقابة الأشراف تعلق
- الحرب في غزة تثير الجدل خلال مهرجان برلين السينمائي الدولي.. ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جورج منصور - حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة