|
|
القات والامن الغذائي
عدلي عبد القوي العبسي
الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 18:51
المحور:
الصناعة والزراعة
القات والامن الغذائي
ذكر التاريخ ان اليمن كان من اوائل البلدان التي شهدت حضارة زراعية مزدهرة ،وحققت تقدما مذهلا في تقنيات الري الزراعي وحصاد مياه الامطار في مطلع الالف الاول قبل الميلاد ، وان انسان هذه الحضارة تميز بالقدرة على اخضاع الطبيعة و تكييف الانتاج الزراعي والاستفادة من مياه الامطار في ظروف بيئية ومناخية قاسية ليصنع ازدهارا زراعيا لافتا ،وهذا هو الاعجاز الحضاري الذي حققه !وامتيازه التاريخي وتعريفه الحضاري المميز ، تؤكد هذه الحقائق التاريخية كتابات المؤرخين الاغريق والرومان الاوائل والنصوص الدينية والادبية والعلمية الحافلة بالكثير من التوصيفات المعجبة والتي اشادت بالمعالم الحضارية والشواهد التاريخية الاثرية الدالة على عظمة الحضارة الزراعية اليمنية في العصر القديم. كان هذا الازدهار الزراعي النسبي مرتبطا ومشروطا بطبيعة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والتغيرات السياسية وكان له ارتباط مباشر اكثر بعوامل الاستقرار السياسي وتشجيع الحكام ودعمهم للزراعة و بناء منشآت الري وحصاد الامطار لمواجهة تقلبات المناخ والتغير في انماط الهطول المطري وتشجيعهم للعلوم الزراعية والفلكية وتعظيم الاستفادة من الخبرة والموروث الشعبي اليمني والعلمي الفلاحي في معرفة انسب المواعيد الزمنية الفلكية لاجراء مختلف انواع الخدمات الزراعية ودراسة انسب البيئات الملائمة لزراعة مختلف انواع المحاصيل الزراعية. و تميز هذا النهوض الزراعي بالبعد المعرفي التقني من حيث انه كان مرتبطا بذلك التقدم الحاصل في علوم الزراعة والفلك والجغرافيا و هو ما ميز الوسط العلمي التجريبي والنخب المعرفية في بلادنا طيلة اغلب فترات العصور القديمة والوسطى من التاريخ ، ومن النماذج على ذلك ( مملكة سبأ & الدولة الرسولية ، الدولة الزيدية في الشمال ) ومن النماذج العلمية ( ابو الحسن الهمداني والملك المظفر عمر بن علي بن رسول ) . تمكن الانسان اليمني في العصر القديم والوسيط من تحقيق قدر كبير من الامن الغذائي ، بل وشهد في بعض الفترات التاريخية ( العصور الذهبية) ازدهارا لافتا وكان مضرب المثل في النهضة الزراعية المتقدمة وهذا يرجع الى العوامل التالية : - الاهتمام بتقنيات الري المختلفة و النظم المختلفة للحصاد المطري واهمها ( تصميم المدرجات الزراعية ) وانشاء السدود والحواجز والكرفان والصهاريج. -وتعظيم انماط التكافل والتعاون والعمل الجماعي في الريف والاهتمام بالمحاصيل التي تميزت بها بيئتنا اليمنية كالبن والعنب والحبوب وغيرها. - التركيز المدهش على امن الغذاء من خلال الزراعة الواسعة للحبوب بانواعها في سائر المناطق الجبلية الزراعية السفوح و القيعان وضفاف الاودية ، وليس غريبا ان وصفت اليمن بسبب هذا الازدهار الزراعي والمائي من قبل الآخرين بالعربية السعيدة ( ارابيا فيلكس ) .
عصر الخراب والانحطاط
كل هذا المجد الحضاري الذي حققناه وعرفناه في العصر القديم والوسيط بدٱ يتلاشى في العصر الحديث! ، و اصبح الوضع الزراعي معاكسا تماما وسلبيا الى ابعد حد ،وفقد البلد كل تلك الملامح النهضوية الزراعية والمقومات المتينة للامن الغذائي والمجتمعي و خسر تلك الشهرة العالمية في تصدير انواع من المحاصيل الثمينة مثال على ذلك :البن عبر ميناء المخا ( بن موكا). ليغرق انسان هذه الارض في دوامة الشحة والفقر و الاغتراب والكفاح الشاق من اجل تٱمين القوت واسباب المعيشة لعقود طويلة من الزمن. ولكن كيف صار الحال اليوم الى هذه الاوضاع من الانحسار والتراجع والتردي في المساحات الزراعية وفي الانتاج الزراعي وانعدام الامن الغذائي وتسارع التصحر وتدهور الاراضي و شحة المياه؟!!. كيف ضاعت حكمة الاجداد وخسر الانسان اليمني حكمته اليمنيه التي اشتهر بها؟!!. لاشك ٱن هناك جملة من العوامل التاريخية والاسباب والتحولات السلبية المدمرة التي قادت الى هذا المشهد الكارثي، بعضها نتيجة السياسات الخاطئة واخرى كثمرة سيئة للتحديث التنموي المتسارع والغير منضبط. سنحاول في هذه المقالة ان نسلط الضوء (على بعضها بايجاز ودون تفصيل : الانفجار السكاني : معدل ولادة يقارب ال 3.4وتزايد الهجرة من الريف الى المدينة والنشاط الصناعي ووالتوسع عمراني كل هذه العوامل نجم عنها تزايد في الطلب على المياه وهذا شكل ضغطا كبيرا على الموارد المائية. لعنة التكنولوجيا والنظام الراسمالي (( ادخال آلات الحفر بشكل كثيف وتسهيل شراءها وعدم مراقبة استخدامها) اتباع اساليب ري غير كفؤة ( افراط في استخدام المياه دون ترشيد و استخدام اساليب تقليدية غير كفؤة في ري المياه ( مثل الري بالغمر) التوسع الجنوني في زراعة القات تغير المناخ وتناقص الهطول المطري (تناقص الهطول المطري في العقود القليلة الماضية بنسبة ٢٠℅ انتهاج سياسات تحديث وتنمية بدون ادراك علمي لعواقب وتداعيات اختيارات معينة ابان فترة الدخول في عملية التحديث بعيد قيام الثورة السبتمبرية كان قرار جلب التكنولوجيا الزراعية الى البلاد قرارا غير مدروسا ولا مراقبا لانه كان مدفوعا بالجشع الراسمالي وجنون الربح اكثر منه مدفوعا بمتطلبات التنمية والتحديث ، و هذه هي اللعنة التي دفعت اليمنيين الى خسارة روح الحكمة اليمنية وخسارة الوعي الجمعي التقليدي الموروث من الاجداد حيث قدمت التسهيلات الحكومية في دعم الوقود وادخال التكنولوجيا بشكل عشوائي دون تقنين او ترشيد في استخدامها وقدمت هذه السياسات اغراءا شديدا في سحب كميات مفرطة من المياه من المخزون الجوفي في عديد من الاحواض المائية اهمها احواض صنعاء وتعز وصعدة ورداع حيث تم حفر عدد ضخم من ابار المياه بشكل عشوائي لسقي المحاصيل الزراعية بداية ثم بعد ذلك الاندفاع المحموم لري نبات القات ذا المردود المالي المرتفع والذي يستهلك كميات كبيرة من المياه وينمو في ظروف بيئية اقل تعقيدا . حدث هذا في وقت لم تكن هناك فيه اي سياسات و اليات تنفيذية فاعلة وجادة تمنع الانزلاق في هذا المسار التخريبي المنحرف والمدمر لاقتصادنا و مجتمعاتنا ، بعيدا عن النوايا الاصلية والمقاصد الاساسية في احداث تنمية زراعية للغذاء على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي والامن الغذائي وهو الموضوع السياسي المحبب اكثر في السياسات القومية الوطنية لجيل السبعينات وقادة الثورة الوطنيين الاوائل. كان الحماس آنذاك والفخر والايمان القوي بالمبادئ والاهداف الوطنية الثورية و امتلاك الارادة السياسية واضحا للغاية في المشهد الاداري التنموي وفي البرامج الوطنية والخطط التنموية. و العمل يجري على قدم وساق ( فترة حكم الرئيس الحمدي نموذجا)في سياق تحقيق نهضة الأمة واستعادة امجادها التاريخية الحضارية. حيث تم تقديم حزمة الدعم الحكومي والتسهيلات والتمويلات لغرض زراعة الحبوب والخضار والفاكهة ولكن بالتوازي ( فترة حكم الرئيس صالح ) كان يتم غض الطرف عن تلك النزعات والسلوكيات الراسمالية الزراعية الغير منضبطة،وذلك الاندفاع المحموم في شراء الات الحفر و المضخات والانابيب وغيرها من المعدات والمستلزمات و في شراء اراض زراعية لاغراض زراعة القات وفي ترسيخ دعائم منظومة مصالح متكاملة تتمحور حول زراعة القات. مخاطر التوسع في زراعة القات
يقدر حجم المخزون المائي في اليمن حوالي عشرة تريليونات وثلاثمائة مليون متر مكعب ( عشرة تريليونات منها موجودة في خزان حضرموت /رملة السبعتين العملاق و المسمى بتكوين المكلا الممتد ( طبقات من الحجر الرملي والجيري ذات المسامية العالية والخازنة للمياه) ، والبقية موزعة في الاحواض المائية الاخرى وتكويناتها الجيولوجية المختلفة. تتضافر مجموعة من العوامل الطبيعية ابتداءا في نشوء ازمة المياه في اليمن اهمها : تدني الهطول المطري ( تزداد هذه الخاصية سوءا بفعل تغير المناخ) والتبخر وعامل الطبوغرافيا ( انحدار الارض الجبلية الذي يسبب سرعة الجريان المائي) . يقدر معدل الهطول المطري مابين ٥٠٧٠٠ ملم سنويا ( البلد يصنف ضمن بلدان اقليم المناطق الجافة وشبه الجافة) ، ينتج عن ذلك عدم وجود بحيرات ومياه سطحية دائمة الجريان ( انهار واودية دائمة الجريان). الطبوغرافيا ( تضاريس المناطق الجبلية) خسارة معظم الهطول المطري على المرتفعات فالانحدار الشديد للارض يسبب سرعة الجريان المائي السطحي نحو البحر وعدم الاستفادة منه. نمط الهطول المطري : عدم انتظامه و موسميته وطبيعة الهطول ( زخات شديدة في فترة زمنية قصيرة) تٱتي بعد ذلك العوامل الاجتماعية المتمثلة في الانفجار السكاني وسوء ادارة المياه وطبيعة البناء الاجتماعي وانماط النشاط الاقتصادي و طبيعة استخدام المياه والتوسع الجنوني في زراعة القات. ارقام صادمة يبلغ حجم تغذية المياه الجوفية في بلدنا اثنين مليار ونصف متر مكعب سنويا والاحتياج المائي في العام الحالي ٢٠٢٦ميلادية حوالي ستة مليار متر مكعب ( رقم تقديري) والسحب السنوي يزيد كثيرا عن اربعة مليار متر مكعب؛ اي ان هناك عجز مائي كبير بين السحب والتغذية و يتم تغطيته من المخزون المائي الجوفي الذي تشكل عبر ملايين السنين. متوسط الهبوط بمناسيب المياه الجوفية في الاحواض المائية يتراوح بين ثلاثة الى ستة امتار سنويا. القات نبات مستهلك للمياه يستهلك ما يقارب مليار متر مكعب سنويا من المياه و هو مرن من حيث انه ينمو في ظروف مناخية بيئيةواسعة على ارتفاع فوق ١٠٠٠ متر عن سطح البحر ولديه قدرة على التكيف مع انواع مختلفة من التربة كما انه مقاوم للآفات والامراض. يستهلك القات ما يتراوح بين ستة الى ثمانية الف متر مكعب مياه سنويا للهكتار الواحد وما يقارب نسبة ال ٦٠℅ من حجم الاستهلاك المائي الزراعي السنوي ( و التي تشكل نسبة ٩٠℅ من السحب السنوي للمياه من خزانات المياه الجوفية) وتبلغ حجم المساحة المزروعة بالقات حاليا ما يقارب المائتين الف هكتار تقريبا. وتقدر عدد آبار المياه حاليا في عموم ارجاء البلاد ما يقارب ١٥٠ الف بئر مياه بانواعها يدوية وانبوبية وعدد الات الحفر تقريبا الف حفار وهذه ارقام مخيفة بالنظر الى واقع شحة المياه في بلدنا وتعني استخراج كميات كبيرة من المياه وفي ظروف سلبية حيث : - قلة التغذية المائية الجوفية بسبب تدني الهطول المطري جراء التغير المناخي حيث تقدر كمية التراجع في هطول الامطار في العقود القليلة الماضية نسبة ٢٠℅ و كل هذا بالترافق مع حقيقة مناخية اخرى يتميز بها مناخنا وهي ارتفاع نسبة التبخر التي تقارب ٩٠℅ من الهطول المطري ( بسبب كون البلد واقعة في نطاق اقليم المناطق الجافة وشبه الجافة) - الضخ الجائر من ابار المياه وتدني كفاءة استخدام المياه للري التي تصل في الغالب الى ٤٠℅ بسبب طرق الري البدائية المستخدمة واهمها الري بالغمر وغياب شبه كامل لستخدام طرق الري الحديث كالري بالتنقيط والري بالرش وهي الطرق التي ترفع كفاءة استخدام المياه الى اكثر من ٨٠℅ - غياب حلول الاستخدامات المائية البديلة ك ( تحلية مياه البحر ، معالجة الصرف الصحي ) ، بالاضافة الى التوسع في انظمة حصاد مياه الامطار السدود والحواجز والبرك والكرفان والتغذية الصناعية للابار الجوفية و تقنية استمطار الغيوم وغيرها. - سوء ادارة المياه والاخفاق المؤسسي والمجتمعي في تطبيق نهج الادارة المتكاملة للموارد المائية على مدى العقود الثلاثة الماضية وهي فترة تميزت بترسيم هذا النهج العلمي الاداري ليكون بمثابة الفلسفة الموجهة لادارة المياه وتميزت بانشاء هيئات و مؤسسات حكومية مائية انيط بها لعب ادوار وظيفية رئيسة في ادارة المياه وفق هذا النهج العلمي الاداري الجديد والرشيد وعلى رٱسها الهيئة العامة للموارد المائية ( وهي الهيئة الحاكمة اي بمثابة سلطة المياه)، لكن للاسف لم نحصد سوى الاخفاق والفشل الذريع في تحقيق اغلب الاهداف الاستراتيجية والمؤسسية. وتمثلت جوانب الاخفاق في مايلي : - اختلال في تنظيم استخدام المياه وتحقيق توازن العرض والطلب - ضعف تفعيل للادوات الاقتصادية لضبط سوق المياه - ضعف الرقابة على الحفر العشوائي ( حيث تزايدت انشطة الحفر العشوائي بشكل جنوني في العقد الاخير بسبب الحرب العدوانية على البلد وما نتج عنها من انفلات الاوضاع اداريا واجتماعيا واقتصاديا حيث تم حفر عشرات الالاف من الابار اليدوية في جميع الاحواض المائية الرئيسة والفرعية في عموم ارجاء البلاد) - توقف انشطة التوعية المائية في بعض الاحواض والمناطق المائية وهو ما يعيق طموحات رفع مستوى الوعي المائي لدى المزارعين والمستهلكين في المدن - توقف شبه كامل لاعمال الدراسات والمسوحات المائية في معظم المجالات المائية - توقف التخطيط المائي على المستوى الوطني والحوضي لكثير من الاحواض. - تقادم البيانات والمعلومات المائية الهيدرولوجية والجوفية لاغلب لاحواض والمناطق المائية - تجريف شبه كامل للكوادر المائية فائقة التخصص بسبب التقاعد والوفاة وتغيير العمل واسباب اخرى و هكذا حدثت المفارقة العجيبة ففي ظل نهج الادارة المتكاملة ونشوء المؤسسات والهيئات المسئولة عن تنفيذ هذا النهج ،حدثت اسوٱ الاوضاع الزراعية والمائية في التاريخ اليمني:
اولها : استمرار بل وتعاظم استنزاف المياه الجوفية في العديد من الاحواض المائية و بعض هذه الاحواض تعرض لانهيار شبه تام : صنعاء وعمران ورداع وتعز وصعدة وهبوط مناسيب المياه الجوفية فيها بمعدلات تتراوح بين اربعة الى سبعة امتار وكذلك في معظم الاحواض المائية في البلد وعددها ثمانية عشر حوضا. ثانيا : التوسع الجنوني في زراعة القات وسيادة نمط محصولي لا يخدم الامن الغذائي وزحف النبات الشيطاني (القات) على مساحات كبيرة من الارض في المنحدرات وضفاف الاودية والسهول والقيعان وعلى حساب التوسع في المحاصيل الزراعية الاخرى ،وفي ظل سيادة انماط استهلاكية جنونية للمياه في الريف والمدينة على حد سواء للاغراض المختلفة.
صفحة سوداء من التاريخ
مع مطلع التسعينات ووقوع البلد في قبضة الاستعمار الجديد وادواته ( صندوق النقد الدولي ) تراجع الاهتمام بالزراعة وجرى الاهمال المتعمد لهذا المجال الهام والحيوي من اقتصاد البلاد ( سواء عن جهل او تأثير ثقافي سئ او بسبب من نوايا سياسية متعمدة لدى البعض من النافذين الخونة لتدمير ركيزة هامة من ركائز الاستقلال والسيادة والامن لبلدنا والمتمثل بالامن الغذائي!!)
ماهو مفهوم الامن الغذائي وما هي اهميته ؟!
الامن الغذائي هو الوصول الى حالة الاكتفاء الذاتي من انتاج الغذاء و ضمان استمرارية توفيره بالكفاية والجودة لجميع المواطنين وضمان توفر القدرة المادية والاقتصادية للحصول عليه. وهو يعد اهم ركيزة من ركائز امننا المجتمعي ،و لا يكتمل استقلال بلدنا الا بتحقيقه، وعلى هذا نضع هذه المسألة في صلب الحديث عن الهدف الاول وهو الاستقلال الوطني ،في وقت اصبح فيه الاستعمار يتفنن في استخدم الغذاء و الحصار الغذائي كسلاح للابتزاز والتركيع والنيل من سيادة واستقلال وكرامة البلدان المستضعفة . وتاريخيا ، نجحت الكثير من البلدان ذات النهج الاشتراكي في الوصول لحالة الامن الغذائي ،واهمها عالميا روسيا وفي منطقتنا سوريا الاسد وايران مؤخرا والسعودية ( لفترة زمنية محدودة). اما بقية البلدان فقد تفاوت اداؤها بين الاقتراب والمحاولات المتعثرة والفجوات الكبيرة والصغيرة ،بسبب من فشل السياسات و خطٱ الاستراتيجيات ، حتى دفعت ثمن تقصيرها وتهاونها في فترات الازمات والحروب العدوانية الامبريالية. وفي بلدنا المنكوب بالتبعية و النفوذ والتدخلات الاستعمارية طيلة العقود الماضية ومؤخرا بالحصار والعدوان ،كثيرا ما تم استخدام فجوة الامن الغذائي والعجز الغذائي للعبث باستقلالنا وسيادتنا وقرارناالوطني المستقل. وجرى استغلال وجود ظاهرة سيئة معادية للامن الغذائي وهي ظاهرة انتشار زراعة القات في اتجاه يعزز من مسار العبث والتحكم والهيمنة ، وهذه حقيقة لا جدال فيها فالقات هو الخطر الاكبر و المعوق الاول للتنمية الزراعية و لاستراتيجية الامن الغذائي و لٱن التوسع في زراعة القات ، يأتي على حساب التوسع في زراعة المحاصيل الغذائية كالحبوب والخضروات وعلى حساب الطموحات الوطنية المعلنة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ، فهو يقضم كثيرا من مساحات ارضنا الزراعية في الاودية والسهول ومنحدرات الجبال ويتسبب في اخراجها من الخدمة الزراعية. هذا التوسع الجنوني الذي شهدته البلاد طيلة الاربعة العقود السابقة والذي يعكس حقيقة فشل الحكومات المتتابعة والغير المسؤولة والجهات الحكومية ذات العلاقة التابعة لها ، هو سبب الانحسار الكبير في الانتاج الزراعي الغذائي وفي استنزاف المخزون المائي لعدد من الاحواض المائية ، وهو ما خلق لدينا ازمة في الماء و ٱزمة في الغذاء . فرأينا بدلا من التوسع واعادة احياء هذا القطاع الحيوي الاساسي ، ميلا نحو المزيد من التهميش والتدمير للانتاج الزراعي والاقتصاد الزراعي وخروجا عن خطنا وامتيازنا الاساس في الاقتصاد ودفعا للبلد نحو التحول الى اقتصاد من نمط الاقتصاد الريعي واقتصاد الخدمات والتجارة والصناعات التحويلية الخفيفة ساعد على ذلك اكتشاف وانتاج النفط والغاز والذي كان وبالا على البلد من ناحية الاعتماد النقدي اكثر على شراء الغذاء فبرزت هذه الاختيارات السياسية الخاطئة و المضرة بمصالح شعبنا الحيوية والاستراتيجية جاعلة منه اكثر انكشافا وضعفا وهشاشة امام الابتزاز والضغوط الخارجية الاستعمارية واقرب الى السقوط في القبضة الاستعمارية وهو ما حدث فعلا للمرة الثانية خلال قرن من الزمن.
المسار الجديد
منذ مطلع العام 2019 تنبهت السلطة الوطنية في صنعاء لمخاطر الاستمرار في هذا النهج الكارثي الذي افقد البلد امنه الغذائي وامنه الوطني، فراحت تنتقد وتهاجم وتوضح الكثير من مسلكيات العهد السابق ثم شرعت تصوغ نهجا زراعيا وطنيا جديدا طموحا ووضعت خططا جديدة طموحة لاستزراع مساحات كبيرة من الارض الخصبة بالحبوب. ونفذت اجراءات صارمة لتقليل الاعتماد على الخارج في استيراد بعض الخضار والفاكهة ، وتبنت سياسة تشجيع الزراعة المحلية واحلال الواردات ، و انشئت مؤسسات جديدة في هذا السياق تعنى بتحقيق هذه السياسات و الاشراف التنفيذي عليها اهمها مؤسستي تنمية الحبوب وبنيان . كما جرى الاهتمام ايضا بانشاء المئات من المنشآت المائية لحصاد مياه الامطار للانتفاع بها في تنمية الانتاج الزراعي ، ونفذت حملات شعبية واسعة لتأطير وتنظيم المزارعين في منظمات زراعية جديدة تدعم هذا النهج الجديد وتقوم بتعبئة الطاقات والموارد لتحقيق التقدم في مجال التنمية الزراعية ، فكانت هذه الخطوات الناجحة الجيدة مبعث الامل في تغيير الواقع المرير وشعر الكثير من ابناء الشعب اليمني خصوصا الفلاحون في الريف بارتياح شديد وامتنان ، وقوبلت هذه الحركة الزراعية الخضراء ذات المنحى الثوري بالالتفاف والتأييد من مئات الالاف من المزارعين و التجار والمثقفين. لكن بطبيعة الحال وكما تعودنا تاريخيا يدخل كل نهج وطني ثوري ناشئ في صراع مع موروث الواقع الثقيل حيث الاستمرارية الفعلية لبعض اتجاهات المسار الخاطئ السابق وبقاء الظواهر الاجتماعية السيئة والممارسات والاتجاهات الاقتصادية الزراعية الخاطئة وعلى رأسها استمرار التوسع في زراعة القات !! ، وهذا ما يجعلنا هنا امام مفارقة عجيبة ؛ حيث يعتمل مساران متناقضان يضفيان طابع الغرابة والعبث في حياة المجتمع اليمني الريفي الاقتصادية اولهما: التوسع في زراعة القات و هي ظاهرة اجتماعية سلبية لا تزال منتشرة في الحياة الاجتماعية الاقتصادية وتتسيد لٱسف الشديد المشهد الاقتصادي في الريف اليمني!!. وثانيهما : توسع زراعة الارض بالحبوب والخضار من اجل توفير الغذاءو تحقيق الامن الغذائي في العديد من اقاليم الجغرافيا الزراعية ( وابرزها الجوف وتهامة ) حيث تم استزراع الاف الهكتارات من الارض بانواعها الحبوب والخضار والفواكه. وهو المسار التصحيحي الذي يأتي ضمن اطار الحركة الزراعية الخضراء والتي نشأت منذ سنوات والرامية لاحداث تغيير جذري في مشهد الزراعة اليمنية يهدف الى : ( حماية الارض وتوفير المياه وتحقيق امن الغذاء وتحقيق الاستدامة وتحسين معيشة المزارعين والنهضة باقتصاد البلد تنمويا بماهو في الاساس اقتصاد زراعي ) ان ما نرمي اليه هنا في هذه المقالة و نقصده هو توجيه نداء لكل وطني غيور وشريف للانضمام الى كل توجه وطني يهدف الى تحقيق الامن الغذائي وتحقيق نهضتنا الزراعية والوقوف امام الظواهر المجتمعية السيئة التي من شأنها ان تعرقل هذا الطموح ، والبداية الصحيحة في هذا المسار هو السعي الرسمي والشعبي لايقاف التوسع في زراعة القات وابتكار كل الوسائل والاساليب و والادوات التي تساعد في تحقيق ذلك.
#عدلي_عبد_القوي_العبسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المبجلة
-
المجد لثورة اكتوبر العظيمة
-
اسرائيل المنبوذة ومحاولات انقاذها من العزلة
-
لماذا نقول أن نهج المقاومة ، ضروري الآن!؟
-
سبتمبريون مزيفون
-
الفاشية الاميركية
-
رسالة الى مارك !
-
السابع من اكتوبر حدث تاريخي جلل!
-
نحن فاشيون
-
أصل الزعيم الراحل هل كان عربيا ام لا ؟!
-
وضعت الحرب أوزارها 2_2
-
وضعت الحرب أوزارها 1_1
-
لا دولار بعد اليوم
-
موقعة الملوك الثلاثة او القصر الكبير
-
الخيار مابين نهج اكتوبر او جحيم النازيين
-
عن الوضع المخزي للحزب الاشتراكي اليمني
-
هل انا حقيقي هل انا برنامج في لعبه كمبيوتر
-
هذا هو رأس الافعى
-
الكراهيه ام الارهاب والافقار ابوه
-
لويس ماكرون وفرنسا المتمرده
المزيد.....
-
استقالة ناشر واشنطن بوست بعد أيام من تسريح ثلث موظفي الصحيفة
...
-
لماذا أثار مقترح بإنشاء بنك للأنسجة البشرية والتبرع بالجلد ج
...
-
أصفاد وطائرة خاصة: كواليس ترحيل فلسطينيين سرًا من الولايات ا
...
-
ماهي اتفاقية خدمات النقل الجوي التي ألغتها الجزائر مع الإمار
...
-
من هو جاك لانغ الرئيس المستقيل لمعهد العالم العربي؟
-
الجزائر تبدأ إجراءات إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإم
...
-
نبض أوروبا: هل يصمد رئيس الحكومة البريطاني أمام عاصفة قضية إ
...
-
غالانت: نتنياهو كاذب ويطعن جنودنا في ظهورهم
-
واشنطن تؤكد استمرار الجهود لتحقيق هدنة بالسودان
-
طهران تأمل في مواصلة المفاوضات مع واشنطن.. وتشدد على ثوابتها
...
المزيد.....
-
كيف استفادت روسيا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية لصالح تطو
...
/ سناء عبد القادر مصطفى
-
مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس)
/ صديق عبد الهادي
-
الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي.
/ فخرالدين القاسمي
-
التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل
...
/ فخرالدين القاسمي
-
الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا
...
/ محمد مدحت مصطفى
-
الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال
...
/ محمد مدحت مصطفى
-
مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق
/ منتصر الحسناوي
-
حتمية التصنيع في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام
...
/ عبدالله بنسعد
-
تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا
...
/ احمد موكرياني
المزيد.....
|