روزا الخياط
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 02:57
المحور:
حقوق الانسان
يقولون لي "فداكِ"، وكأنَّ الوجود لا يستقيم إلا بذبيحة !
منذ طفولتي، حين أحضروا لي عصفوراً سجيناً وأقسموا أنَّ موته كان فداءً لي، أدركتُ أنَّ العالم يخطئ في فهم الحب..
كيف يمكن لقلبٍ أن يبتهج بدمٍ يُراق؟ أو لروحٍ أن تستكين خلف قفص؟ أنا لا أريد موتاً يبرر حياتي، ولا دماً يغسل خطاياي..
أنا لستُ فداءً لأحد، ولن أقبل بأن تكون أرواح الكائنات ثمناً لسلامي النفسي ولا سلامي النفسي فداء للآخرين فقد ضحيتُ بكل شيء كي لا أتلوث بتبعية وقذارة القطيع !
وفي كل يوم، أختار ثقافة الحياة، أختار الزرع بدل النحر، والعطر الذي يفوح من وردةٍ نغرسها، لا من جرحٍ ننزفه !
يسألونني في كل يوم
من اين أتيت بهذه القوة ؟
ما هو سلاحي اليومي ؟
كيف لامرأة رقيقة مثلي ان تحمل كل هذا الإصرار والعناد ؟
كيف أمضي وخلفي حريق وتحتي حريق وأمامي محيطات ؟
لماذا لا أرفع الراية البيضاء رغم كل الجروح والدموع ؟
ويظنون انني لم أُهزم مراراً ولم اقع ارضاً ولم تتسخ ثيابي بطين الوحدة او غبار الغدر والتخلي؟
ويظنون انني لم أخطأ مع انني لست نبية !
يتساءلون لماذا لا أتنازل ؟
مع أنهم استخدموا ضدي كل "الكروت والأوراق" مرة بالترغيب ومرات بالترهيب !
ويشهد عليّ ربي أنهم لم يتركوا طريقة الا وحاولوا من خلالها تدنيس هذا النرجس الأبيض (قلبي) وتفجيره..حتى لو كانت آخر نرجسة في حديقتي !
وأقول لون تنازلت عن هذه ال روزا ؟ كيف سأربحني ؟
وأنا أصلاً تلك الناجية بمعجزة !
لا انتقم بالدم بل انتصر للرحمة والرقة والمبادئ
هذه المبادئ التي نسيها كثير من البشر تحت شعارات "المادية"-"المصلحة"-"الظروف"
وجمل على غرار :
"خلي المركب تمشي"-"مش كل شي لازم يكون بيرفيكت"-"يلا مهو الله بسامح" !
هذه الجمل الأخيرة التي تثبت دونية العديد من النفوس المريضة التي أنشأت عقيدة الدم ..
الدم الذي يسفك بدون ذنب
الدم الذي يُهدر في مذبحة على انه مباح
هذا السائل السحري التي أشارت له بعض الشعوب بالروح ،اي انها تؤمن ان الروح تسكن في الدم وفي الحقيقة قد يكون مجازاً لا اكثر حيث أثبت علم فوق الجينات
الEpigenetics
ان للدم بصمة كما للأصابع وأن كيمياء الدم تتأثر بحالتنا الشعورية فإن كنا سعداء سنجد دمنا مفعماً بالسيرتونين والدوبامين واذا كان العكس متل الخوف والفزع فسيكون غارقاً بالكورتيزول والادرينالين وأنه فعلاً يحتفظ بتجاربنا لوقتٍ ما بل وأن للخلايا ذاكرة !
أما الخبر السعيد فهو ان الدم يتجدد كل 120 يوم !
يعني اننا حرفياً نتغير كل اربعة اشهر من الداخل
دون حتى ان نلاحظ ذلك !
أما دمي..
الذي كاد ان يتصفى ذات ليلة فوق المصطبة الخشب دون ان يسمع انين آهاتي أحد
فقد ملأتُه ب"فيرمونات" رسالتي في الحياة
التشافي -الأبيض الناصع والخير الذي لا ينقطع
لأنني لا انتقم بالدم بل انتصر بالرحمة وبالرقة
ونعم هزمتني قسوة وفظاعة العالم يوماً
هزمتني الى ذاك الحد الذي كنتُ فيه متل الجندي المستقيل من كل شيء حتى من معركته الاخيرة
الجندي الذي خلع كل الأوسمة وقرر أن يحوّل قلبه
لتلك الريشة العابرة مع النسيم حيث الجمال والنقاء والنور دون ان يعرف الى اين سيذهب ومن سيمسك بيده وكيف سيقرأ الخارطة من جديد وكيف سيهتدي لمواقع النجوم
بفرح الأطفال الذين لا يعرفون شيئا سوى نعومة الخطوات الأولى في الصباح وروائح الكعك الساخن في المساء !
لكنني حين وقفت في تلك الحديقة لوحدي قررت منح الوجود عطري ومنح الكادحين وأيديهم المتشققة نفس الزبدة ونفس الفورمولا التي محت من صدري علامات الزجاج المكسور والجروح بعد تجربتي الاخيرة في مواجهة القاتل عن بعد مسافة صفر والاقتراب من الموت ومشاهدة شريط حياتي كاملاً بأقل من ثلاثين ثانية وذاك النور الساطع،البياض المطلق، والصوت الذي يرن في الروح دون صوت .
لأن أدونيس لم يمت بل أحب وهذه كانت كل جريمته
أنه أحب عشتار
فقتله خنزير بري
أدونيس الذي يرمز للحب الخالص والشباب
وافروديت التي تمز للجمال والرقة
والخنزير الذي يمثّل في كل عصر ذاك الشّر الظلامي
الذي يحاربنا على الدوام
لكن عشتار ودموعها حولت دم ادونيس لزهور شقائق النعمان
وأنا حولت دمي ودموعي لرسالة حب وجمال كي لا ننسى ان الأمل هو نظام تشتغيل ! سيستم رباني يولد فينا وليس مجرد شعارات
فحتى دمنا نبيل !
كيف ذلك ؟
يتم إنتاج خلايا الدم الحمراء في "مصنع" يسمى نخاع العظم. تحت تأثير هرمون تفرزه الكلى، يبدأ النخاع بإنتاج ملايين الخلايا الجديدة كل ثانية.
تنطلق هذه الخلايا في عروقك، تحمل الأكسجين من رئتيك إلى كل خلية في جسدك ..
بعد مرور حوالي 120 يوماً، تصبح غشاء الخلية هشاً وأقل مرونة، فلا تعود قادرة على العبور في الشعيرات الدموية الضيقة بسهولة.
ماذا يحدث بعد ذلك؟ (مرحلة التدوير)
جسدكِ لا يتخلص من هذه الخلايا بشكل عشوائي، بل هو "خبير إعادة تدوير" عظيم:
تذهب الخلايا الهرمة إلى الطحال والكبد، حيث توجد خلايا "أكولة" تقوم بتفكيكها.
الجسد يقوم بسحب الحديد من الهيموغلوبين الموجود في الخلية القديمة ويخزنه أو يرسله فوراً إلى نخاع العظم ليُستخدم في بناء خلية "شابة" جديدة (هذا هو النبل الحيوي: لا شيء يضيع).
بقية أجزاء الخلية تتحول إلى مادة تسمى "بيليروبين"، وهي التي تعطي الصفراء لونها وتساعد في عمليات الهضم.
العلم يتحدث عن DNA وأجسام مضادة تشفي المرضى، ودم متجدد والأسطورة تتحدث عن دم ينبت زهوراً تشفي الروح وتعيد الأمل بالربيع.
في الحالتين، الفكرة واحدة: الدم هو حامل السر، والأثر الذي نتركه وراءنا هو الذي يحدد خلودنا .
لذلك من يوم نجاتي تعلمتُ في كل فترة أن أتبرع بالدم لأن دمي سر نجاتي لذا أعطيه لغيري لكي ينجو هو ايضاً .
لكن لماذا الدم ومن أين نشأت فكرة الفداء والقربان ؟
في العصور الغابرة، كان الإنسان يفسر الزلازل، البراكين، الصواعق، والأوبئة على أنها "غضب" من قوى غيبية.
في عقله البدائي، اعتقد أن الوردة "رقيقة وضعيفة" ولا تليق بتهدئة غضب عظيم كهذا فكان يعتقد أن الألم وبذل الروح هو الوحيد الذي يعادل حجم المصيبة !
واعتقد الإنسان القديم أن "الدم"هو مخزن الطاقة والحياة
لذا، لكي يطلب من الإله "حياة" (مطر للزرع، شفاء من مرض، نصر في حرب) فكان يظن أنه يجب أن يقدم "حياة" في المقابل. الوردة بالنسبة له كائن صامت، أما الدم فكان يراه "ثمناً" حقيقياً !
الاحتفاء بالدم هو "غذاء" للغريزة العدائية، وهو ما يجعل الإنسان ينسى سموّه الروحي ويرتد لتوحشٍ يظنه "مقدساً " !
فكرة "كبش الفداء" هي قمة الهروب من المسؤولية اذ كيف يمكن لعقل "منطقي" أو قلب "رحيم" أن يقبل بأن يتألم بريء ليُنقذ مذنب؟ هذه ليست عدالة، بل هي انتهازية روحية !
ثم لماذا قد يقبل الله توبة انسان بسبب ازهاق روح وسفك دماء وهو الذي خلقنا على صورته ونفخ فينا من روحه !
اذن من يعتدي على مخلوقات الله مفاده انه يحاول الاعتداء على الله جلّ وعلى ولله المثل الأعلى ! وليس مثله شيء !
الله ليس تاجر دماء !
الله نور، عدل ورحمة !
كذلك استنباط ما سموه في بعض الأديان فداء او كفّارة قمة في الغباء، فاذا كنت فعلا تريد ان تكفّر عن ذنب ما لمَ لا تطعم الفقراء؟
اذا اردت تعليم ابنك حكمة التخلي لم لا تجعله يتخلى عن كنزة يحبها ويتبرع فيها ؟ او كعكة يحبها كثيراً ويحضرها مع امه
وبدل ان يلتهمها فليهدها للجيران ؟
كذلك طقوس الذبح في بعض الأعياد لم لا تكون الطقوس
عبارة عن غرس للأشجار والزهور ؟
ألم يشبع هذا الكوكب وحشيةً ودماء ؟
لماذا لا يزرع الإنسان الورد بدل الموت ؟
لأن الوردة تحتاج لـ "حب وصبر"، بينما الذبح يحتاج لـ "لحظة عنف واحدة" وهذا ما يفرق بيننا اليوم هو تماماً الحد الفاصل بين الأبيض والأسود فإما ان تكون انساناً او مجرماً لم تعد هنالك مساحة وسطى ولا وقت كافٍ للرمادي !
نحتاج ان نغرق الأرض ورداً وحبا وعطوراً لا موتاً ودماً
وهذا لا ينبع الا من القلب وخاصة القلوب التنويرية لا العقل الجامد ولا القرارات الجافة فهنالك ما هو أعمق من المنطق بكثير وقد لا يستطيع العلم تفسيره يوماً لأن الحب مُكوّن سماوي لا ينتمي لتركيبة هذا العالم المزيف الذي نعيش وهميته ال4%- ولا نعرف شيئاً عن ال96% الحقيقية !
آن لمناهج الكراهية التي دامت لأكثر من مائة عام ان تنتهي وتُمَزق وآن لنا ان نفهم ان سفينة نوح حقيقية وحتى لو لم يصدق البشر ذلك واعتبروا السفينة مجرد قصة او اسطورة فليكن ولنعتبر ان معناها الرمزي في النجاة من الدموية والظلام والغرق أهم من النزول لهذا القاع !
تاريخ البشرية لم يغيره الملايين "القطيع"، بل غيره أفراد قلائل امتلكوا "جودة العقول وصفاء القلب".
فكرة واحدة متنورة قادرة على هزيمة آلاف الأفكار الظلامية أليس كذلك ؟
#روزا_الخياط (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟