أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!














المزيد.....

ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 11:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

في التصوّف، لا تُعدُّ الرحمةُ خُلُقًا اجتماعيًا فحسب، بل مقامًا روحيًا لا يبلغه إلا مَن خفَّ حضورُ الأنا في داخله. فكلما اتّسعت مساحةُ الرحمة في النفس، ضاق الاحتياج لإثبات الذات. لذلك جاء القول الإلهي جامعًا: “ورحمتي وسِعَتْ كلًّ شيء".
مقطع فيديو قصير، صادفني على إنستجرام، يظهر فيه أربعة أطفال يلعبون في فناء بيت ريفي بسيط. ولدٌ وثلاث بنات أشقاء، أظنهم من الهند أو باكستان. يقفون متجاورين، أمام صفوف من البالونات الملوّنة. وعند نهاية الصفوف جوائزُ: لعبٌ وحلوى. يُلقى نِردٌ، واللون الذي يختاره النردُ يعني أن يثب صاحبُ البالونات من نفس اللون فوق بالونة ويفقأها، ومن تنتهي بالوناتُه أولا يحصد الجوائز. سارت اللعبةُ على نحو عادي، إلى أن لاحظ "إبراهيم" أن شقيقاته لا يُجدن الوثبَ فوق بالوناتهن، ومنهن من طاحت. فما كان منه إلا أن ضحّي بالفوز، ليجعل الصغيرات يفزن. وفازت الشقيقات بالهدايا، فركضن نحوه ليمنحنه هداياهن. فاحتضنهن ووزّع عليهن الهدايا من جديد. كانت جائزته أن يراهن مسرورات! لا أذكر عدد المرات التي شاهدتُ فيها هذا المقطع الصغير ودموعي تنهمر. أظنّ أن كل امرأة على هذا الكوكب شاهدت الفيديو، تتمنى أن يكون لها شقيقٌ مثل "إبراهيم".
ما رأيناه في هذا الفيديو ليس "لطفَ" طفل مهذب فحسب، بل هو تحوّلٌ صامتٌ في معنى القوة. الذكورة هنا لم تظهر بوصفها غلبة، بل مسؤولية، ولم تتجسّد في الاحتفاظ بالمكسب، بل في القدرة على "التخلّي" عنه. لقد أعاد هذا الطفل تعريف الرجولة بوصفها اختيارًا واعيًا للخسارة، حين يكون الفوزُ محبطًا للآخرين. لم يَنظر "إبراهيم" إلى الفوز كغاية، ولم يجعل المنافسة ساحة للتفوّق، بل أدرك مبكرًا أن الفوز الحقَّ يكون بقلوب الضعاف، لا بالحلوى والمغانم.
متى تعلّم هذا الصبيُّ الذي لم يبلغ السابعة من عمره، أن "اللعبة" ليست صراعًا مع الآخر، بل مواجهة مع النفس من أجل الآخر؟! مَن علّمه أن الكسب الأجمل يكمن في احتواء الضعفاء ومساعدتهم ورسم الفرح على وجوههم؟ ربما يعلّم الآباءُ أبناءهم أن "الرجولة" هي الصلابة والتحمل والانتصار، لكن "إبراهيم" قدّم تعريفًا آخر للرجولة: إنها التحمل نيابةً عن غيرك. أن ترى الضعف، فتُقايضه بخسارتك الطوعية ليكسب الضعاف.
يظنُّ البعضُ أن الرحمةَ ضعفٌ، وأن القوةَ لا تكتمل إلا بالبطش. لكن الطبيعةَ تُكذِّب هذا التصور. حيوان "أم القوس" أو "الشيهم" Porcupine المشهورة بأنها أكثر الكائنات شراسةً وبطشًا، لم تكتسب هذا اللقب لأنها الأقوى بنيانًا وأشواكًا وعضلاتٍ، بل لأنها الأكثر حنوًّا على صغارها. تشرع أشواكها كسهام مميتة حين تستشعر الخطر على الصغار. شراستها تنطلق من رحمتها للضعاف. فالقوة الحقيقية لا تبدأ بالهجوم، بل بالحماية. لهذا قررت مصرُ تغيير اسم وزارة "الحربية" إلى "الدفاع"، بعد انتصارنا في حرب أكتوبر وعقد معاهدة السلام.
الفيلسوف الصوفي مُحيي الدين ابن عربي" كان يرى أن الوجود يتحقّق في الحب والانفتاح على الآخر، وأن الرحمة هي صورةٌ من صور "وحدة الوجود" التي تجعل الإنسان يرى "الآخرَ" امتدادًا لوجوده، لا خصمًا مهددًا. الرحمة بهذا المنظار تتجاوز الشعور المؤقّت بالذات، لتكون تجربة وحدوية تستدعي المسؤولية تجاه الآخر.
"إبراهيم" لم يباهِ بقوته ليثبت تفوّقه على شقيقاته، بوصفه “الولد الناجح”. بل كان "أخًا”. والأخوّةُ ليست علاقةَ دم، بل "موقفٌ أخلاقيّ”. أن يختار الألمَ، كيلا يشعر به غيره. "الذكورة" عند هذا الطفل لم تكن غَلَبَة، بل تضحية، لم تكن انتصارًا، بل اختيارٌ واع للخسارة أمام الأضعف. وهذا في جوهره معنى روحي فائق، قبل أن يكون سلوكًا اجتماعيًا رفيعًا.
مخطئٌ من يعلّم صغاره أن الرجولة صوتٌ عالٍ، ويدٌ كاسرة. فهذا المشهد الطفولي يهمس بمعنى آخر للرجولة. أن ترى الضعفَ، ولا تستغله. أن تملك القوة، وتؤجّل استخدامها. القوة التي لا تمرُّ من بوابة الرحمة، قوةٌ ناقصة. والرأفةُ ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي جوهرُ القيادة الإنسانية. وحين تتسعُ الرحمةُ تصيرُ القوةُ خادمةً لها، لا سيدةً عليها. "إبراهيم" لم يكن "ذكرَ العائلة" بالمعنى الشعبوي الساذج. بل كان أخًا. والأخوّة ، في معناها العميق، ليست دمًا مشتركًا، بل قرارًا داخليًا: أن أكون الدرعَ، لا السوط.
هذا الفيديو درسٌ للـ"الذكور" الذين يتجبرون على شقيقاتهم وزوجاتهم وأمهاتهم باسم القوة، وينسون أن الرحمةَ هي الأعلى مقامًا، وأن القوة دون رحمة محضُ حيوانية باطشة. وأعتذرُ عن لفظة "حيوانية"؛ لأن في ممالك الحيوان قيمًا رفيعة وقوانينَ حاسمةً تحمي الضعيفَ من بطش القوي. يا "إبراهيم"، لم تكن تلعب ببالونات، بل كنت ترمّم تصدّعات الروح الإنسانية. شكرًا لأنك علمتنا أن الفوز لا يكون على جثث المهزومين، بل فوق أكتافِ من رفعناهم ليشاركونا القمّة.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها
- ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!
- العقلُ …. والثوب!
- “بسمة موسى-… المقاتلةُ بابتسامة
- في سيكولوجيا عقلٍ … يرى الموتَ عقابًا!
- -الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-
- عزاءٌ أسطوريّ ل -سيدة المحبة-
- “ميري كريسماس-… بأمر الحب!
- الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب
- وأخيرًا… -الملحدُ- يواجه الجمهور
- الظهير الشعبي للعظماء
- “الشيخ والفيلسوف-… حوارٌ على الحافّة
- -يسرا اللوزي-… درسٌ هادئٌ في الحضارة
- -محمد صبحي-… والمُخرِصون!
- المعلّمة الجميلة!
- على هامش -الدهشة-!
- -صبحي-… المايسترو يشرقُ في -الأمم المتحدة-
- -أم كلثوم-… المسرحُ في أَوجِه
- أندهشُ … حين لا أندهشُ
- “فيروز-… ما نجا منّا


المزيد.....




- المجلس الرئاسي الليبي ينعى سيف الإسلام القذافي: الدم الليبي ...
- تسليم جثمان سيف الإسلام القذافي إلى قبيلته في الزنتان تمهيدا ...
- -فرقة كوماندوز- قتلت سيف الإسلام القذافي
- اغتيال سيف الإسلام القذافي في الزنتان والنائب العام الليبي ي ...
- ما دوافع عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي وكيف نفسر توقيتها؟ ...
- ليبيا.. غموض يلف مقتل سيف الإسلام القذافي
- مقتل سيف الإسلام القذافي على يد مسلحين.. ماذا نعرف عنه وعن د ...
- كوماندوز وتعطيل كاميرات ورصاص.. كيف قُتل سيف الإسلام القذافي ...
- النائب العام الليبي يعلن بدء التحقيق باغتيال سيف الإسلام الق ...
- ساويرس: حزنت على سيف الإسلام القذافي -رغم ماضيه- لأنه -قُتل ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ليتكَ شقيقي يا -إبراهيم”!