أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمود حسين موسى - آخر البرابرة، فأر هيجل والدﮔة وكائنات الطبيعة















المزيد.....


آخر البرابرة، فأر هيجل والدﮔة وكائنات الطبيعة


محمود حسين موسى
(Mahmoud Housein)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 01:16
المحور: قضايا ثقافية
    


-1-
لم يحظ فيلسوف أو مفكر في العصر الحديث بالاهتمام من قبل الفلاسفة والمفكرين والباحثين مثلما حظي به هيجل، جمهرة من الأتباع والشرّاح والمفسّرين والمختلفين والمنتقدين بتنوع مدارسهم وخلاصاتهم، ذهب البعض الى اعتباره آخر العظماء الذين طرقوا أبواب المعرفة، المنطق واللاهوت والحق والروح والتاريخ، وأعتبره آخرون بأنه أحد أعمدة ثلاثية الحكمة العظام (أرسطو، توما الاكويني، هيجل)، وكان الكشف الهيجلي ضمن اطروحات عصره بمثابة الانتقالة العظمى أو الثورة في تاريخ "فلسفة التاريخ".
اعتبر هيجل أن التاريخ قد بدأ مع ظهور الوعي، لأنه "الوعي" يقترن بتطور العقل الذي اعتبره محرّك التاريخ، فكل ما سبق هذا العصر "الوعي" هو خارج التاريخ، أو ما يصفه بمرحلة "اتحاد الكائن" مع الطبيعة التي يكون الانسان فيها عاجزا عن التعرف على ذاته "مرحلة التوحش". وإذا كان العقل عند هيجل محركا للتاريخ، فان الحرية هي هدفه، فتطور العقل هو تعبير عن ارتقاءه لبلوغ سويات جديدة من الحرية، الحرية التي لا تتحقق دون وعي الكائن لذاته، والكائن عنده هو "الإنسان" فقط بعد انسلاخه عن الطبيعة، ومثاله عن تفرّد الإنسان بالوعي هو "عدم وعي الفأر لذاته"، حتى لو قضم بقايا الخبز المقدّس، فهو "الفأر" لا يميّز بين خبزا مقدّسا وآخر غير مقدّس، أو كعكة مرميّة على الرصيف عند حافة حاوية النفايات.
وإذا كانت مختبرات هيجل هي المجتمعات الأوربية، الإغريق والرومان الذين انسلخوا عن الطبيعة بلا رجعة منذ زمن طويل، أتقن لغاتهم وأفكارهم وفنونهم، فإن بقاع أخرى لم يلتفت لها طويلا، أو اعتبرها قد اكتفت بالانسلاخ عن الطبيعة، أو تكلّست عند نقطة الصفر "الانسلاخ"، دون التطلع للممكنات "الحرية"، فمازالت الطبيعة تجتذب من انسلخ عنها، لتستعيد بعض من خرج عنها طوعا أو قسرا، أو الاكتفاء بالواقع وتجاهل حدود الممكنات، والممكنات عنده أخصب وأغزر وأرحب من الواقع، فالواقع يكشف دائما عن جوانب ناقصة، ومهما بلغ الواقع فهو يحمل في باطنه قدرا من "الإمكانات" أكثر ثراء وخصوبة من الواقع.
ويحضر السؤال المحيّر، ما الذي كان يمنع هيجل من نشر بعض أعماله التي ظهرت بعد موته؟ وهو الأستاذ والفيلسوف اللامع الذي كان يتهافت المفكرون والفلاسفة والمهتمون على حضور محاضراته في جامعة برلين، بعد أن ذاع صيته واطروحاته في كل أوربا، ربما نجد تعليلا في موقع آخر وقد يفسر السبب، يذكر بتواضع الحكماء، في كتابه "علم المنطق" الذي أعاد نشره قبل وفاته برواية عن افلاطون؛ "أنه (افلاطون) قد عدّل من أبواب جمهوريته حوالي سبع مرات، وبالتالي فإنه (هيجل) مضطر إلى تنقيح بحثه، لا سبع مرات، بل سبعا وسبعين مرة".
هذا القول يقود الى مأثرة شاعر، الذي أعلن وفاخر يومها "بخبز" ديوانه "بليلة وقنينة عرق"، ليلة كانت فيها القصائد والكلمات المبعثرة، مثل أبقار هيجل، تبدو في حلكة الليل كلها "سوداء".
ويشابه مثال الفأر القاتل المأجور الذي "انسلخ" للتو عن الطبيعة، مازالت أنيابه تفوح منها رائحة الدم، هو مثل "فأر هيجل" لا يميّز بين خبز مقدّس وآخر غير مقدّس، حتى لو امتلك جهازا لوحيا متطورا "أيفون" أو قلما وحبرا لا تزيله أقوى المنظفات، لا يهمه أيّ باب أو جدار يقصده في عتمة الليل، ويشابه أيضا الشاعر المأجور "المهوال"، حتى لو أتقن فنون الخطابة والأبوذية والموال وأوزان المدائح، مازالت المدائح معلقة على جدران المدينة المغدورة مرات "بغداد"، لم يجفّ حبر القصائد والمعلقات بعد، فالمهوال لا يبالي من يمتدح أو يذمّ.
وفي عتمة الليل تبدو عند "القا..عر" المأجور..
كل الأبواب "أرزاق".

-2-
الشعر بدويٌّ،
بدويّ النشأة والروح والمقاصد، تفضحه أنا الشعر، المدائح والهجاء، نرجسية الشاعر وتعاليه على المجتمع وعلى الثقافة، تفضحه الأقوال..
أنا الشعر
أنا الحقيقة
أنا البلاد والبلاد أنا
أنا الذي .. مُسْتَفْعِلُن
أول رئيس لاتحاد الكتاب في العراق كان شاعرا، وآخرهم شاعر أيضا، وما بينهما شعراء ارتدى كل منهم قبعة روح العصر الذي كان يعيش. علي الوردي كان يشكو من سطوة الشعراء على منابر الثقافة، وتنازل عن بطاقة نقابته "عضوية اتحاد الكتاب"، هو ليس الوحيد الذي اشتكى وتعالى على منابر التطبيل والتهويل "لمالك" بيت المال. ويرى الوردي في الشعر علّة، "أن من أسباب نكسة حزيران 1967، وَلَعنا المفرط بالشعر، أننا أكثر الأمم ولعاً بالشعر وانهماكا فيه، وهذا عيب من عيوبنا الاجتماعية أو هو من مظاهر التناشز الاجتماعي، فنحن نريد أن نسير في مضمار الحضارة الحديثة، لكننا في الوقت نفسه نصرّ على المحافظة على تراثنا الشعري، الذي هو على طرفي نقيض من نظم الحضارة ومقتضياتها، ومن خصائص التفكير الشعري، أن أصحابه اذا انتصروا في حرب نسبوا سبب انتصارهم الى أنفسهم وما أبدو في الحرب من بسالة وتضحية، وأما اذا انكسروا عزوا هزيمتهم الى سبب خارج عنهم كالاستعمار أو الخونة، ولا يخفى أن هذا النوع من التفكير يجعل أصحابه بعيدين عن تفهّم الواقع كما هو والاستفادة من دروسه".
عالمان تنويريان متجايلان من الجيل المؤسس للثقافة العراقية، علي الوردي وعبد الجليل الطاهر، برعا في بالنظر الى التاريخ الاجتماعي والثقافي بمنظور مختلف "منظار المدرسة الخلدونية الجديدة"، بتشخيص أمراض الماضي والتقاط صورها، وما عَلِق من علل على شجرة الحاضر التي أفسد خضرتها تيبّس الأغصان، وموت الثمار قبل نضجها، جرى تجاهلهما عمدا في الثقافة العراقية، التي تعالت على الدوام على ما هو ليس شعرا، مقابل ضجيج القصائد وأناشيد الأيديولوجيات الصداحة، وجرى اسكاتهما في ذروة العطاء قبل الأوان.
توقف عبد الجليل الطاهر طويلا عند ظاهرة ترابط الثلاثية الأزلية "الأـصنام والسدنة والنفاق" بشكل بارع قبل أكثر من سبعة عقود، التي تجد ترجمتها الى قواميس اليوم "السلطة والمثقف والانتهازية"، توقف عند أصول هذه العلل وتأثيراتها على مستقبل الاجتماع والثقافة، ظاهرة النفاق والانتهازية العميقة في المجتمع والثقافة العراقية، نَزَف عصاراته دون توقف عن علاقة المثقف بالسلطة "السدنة بالأصنام"، ودور المثقف الانتهازي في الترويج الدعائي وتشويه الاجتماع والهوية الثقافية، عِلل تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل وتتعاظم باطراد، فما نَزَفه من أقوال ورؤية، كانت الأجيال اللاحقة شاهدة عليها، في ثلاثية لامعة "الامبراطور والمدائح والانتهازية"،
"يحيط بالصنم الاجتماعي سدنة من فريقين قادرة على تزييف الحقائق وتشويه الواقع، فريق من الثعالب المراوغة المخادعة ذات السلوك الحربائي، وفريق من الذئاب المفترسة التي تتحين كل فرصة، وتستغل كل مناسبة لتحقيق مآربها وتأمين مصالحها، فان هبّت الريح من جهتها استغلتها الى أقصى حدّ. ويواصل عبد الجليل الطاهر نزف الحقيقة، "تتألف السدنة من خليط غريب وعجيب، ففيهم المهرج المشعوذ الذي لا ضمير له ولا وجدان، يلعب على الألفاظ والمشاعر، وضع مهاراته وفنه وخبرته لخدمة الصنم، وهب انتاجه العقلي لترويج نوع من الدعاية، وأوقف قلمه على الدفاع عن أوهام خاصة ونشر السموم في جسم الأمة، ويتلخّص واجب السدنة في خلق الأوهام واشاعة الخرافات ونشر الدعاية الهادفة، والتفنن بالوشاية والنفاق، والتخصص في الانتقام والتعذيب وقطع الأرزاق في سبيل المحافظة على امتيازاتها ومصالحها".

-3-
أن احتفاء المؤسسات الثقافية العراقية اليوم ببعض رموز أزمنة الانحطاط السياسي والثقافي يثير التوجّس، وظائف عليا ودرجات خاصة، احتفاء يثير الريبة والأسئلة حول "إعادة انتاج" بارعة لمنتجات الماضي عبر بوابات الثقافة ومؤسساتها الرخوة، إعادة انتاج حققت السلطة منها منافع دعائية كبيرة للتغطية على مفاسدها، التي تعرّف بأنها أشهر وأكبر عمليات اختلاس في التاريخ، بالترويج لمشروعات عملاقة ونهضة عمرانية، ولمنجزات ثقافية هزيلة "مهرجانات، جوائز، دعوات، نشر"، مغلفة بألوان الانفاق الحكومي "الضخم" البراقة التي جرى الترويج لها ببراعة، مستفيدين من مَلَكة وخبرة وفنون المدائح الشعرية "الترويج" التي اكتسبوها، اتضح بعدها أن البلاد قد غطست في بحر القروض، وباتت تجلس سعيدة على شاطئ الافلاس.
بالعودة لفكرة "بورديو" حول إعادة الإنتاج، تبدو الجهود لإعادة انتاج مثقف "السلطة" الى نموذج جديد "مثقف المِلَّة" تماشيا وثقافة العصر، محاولة غير بريئة، لفرض فكرة التصالح القسري مع الماضي المريض على ذاكرة المجتمع والثقافة العراقية، واعادة انتاج "الذات" بحلّة جديدة في النظام الجديد "دي مقطاطية العراق الجديد"، بعد أن تسلّلوا بالطرق الناعمة والغامضة الى المنابر والزوايا الرخوة في مؤسسات البلاد، "الاتحادات، النقابات، الأكاديميات، المضافات"، فحين يُحتفى بمداحي الامبراطور، ستصبح عندها المدائح "المُقلّدة" فعلا هامشيا، وتسقط عبرة الشيخ ابن خلدون، وستذهب عندها المدائح الى ذاكرة الإهمال والنسيان.

-4-
اجتماع الأضداد في الصفحة الأولى لجريدة
عنوانان كبيران يتصدران الصفحة الأولى لجريدة الصباح الحكومية (العدد 6323 بتاريخ 7/1/2026)، وُضع العنوان الأول في أعلى الصفحة بجانب شعار الجريدة، "انخفاض الدكة العشائرية بنسبة 97%"، والعنوان الثاني توسط الصفحة الأولى، "العراق يُحيي الذكرى 105 لتأسيس الجيش العراقي"، مع صورة كبيرة للسيد رئيس الوزراء في احتفالية عيد الجيش، وهو يستعرض بسيارة عسكرية مكشوفة بهذه المناسبة حفل تخرج الدورة 89 للكلية العسكرية.
وكما أبرزت الصباح تلك العناوين على صفحتها الأولى، تبدو العناوين للوهلة الأولى منجزات تدعو للتفاؤل والطمأنينة، وهو الفضاء الذي يفتقده العراقيون منذ عقود، لكن في الصفحات الداخلية وما بين السطور، تكمن المشكلات في نسبة ال 3% المتبقية من الدﮔات العشائرية، وقد يُنذر اجتماع الشيء ونقيضه "اجتماع الأضداد" في صفحة جريدة أو في نفر، ينذر عن عمق الأزمات التي باتت أقرب الى الاستعصاء منه للحل، فقد وُلدت أجيال وكبرت على هذا الواقع المتشظي.
فالجيش رمزية لسلطة الدولة وقوانينها وقوتها، والدﮔة رمزية لسلطة القبيلة وقوانينها "الأعراف" وقوتها، ويكاد ينفرد المجتمع العراقي في الألفية الثالثة بتداخل ثلاثة منابع للقانون والسلطة بالتوازي "الدولة، العشيرة، الشريعة"، وأن اجتماع ثلاث رمزيات للقانون والسلطة في خيمة لحل نزاع اجتماعي "رجل شرطة، رجل دين، شيخ عشيرة"، هو خلطة عراقية "متفرّدة" كثيرة الحدوث بعد سنة 2003م.
وقد انتعشت التنظيمات القبلية القائمة على العلاقات القرابية في المدن العراقية بشكل غير مسبوق بعد سنة 2003م، هي لم تنقرض أصلا في المجتمعات العراقية بعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1921م، الأرياف والبادية وأطراف المدن، لكنها كانت كامنة تحت سقف تمدن الحواضر، خوفا من سيف الدولة أو حياء من مدنيّة الحواضر، ورغم النزوع المدني للملك فيصل الأول (1921-1933م)، لكن دور العشائر كان مؤثرا في الحياة السياسية، بدأ بالتراجع بعد رسوخ مؤسسات الدولة وهيمنة النخب العسكرية والمدنية على السلطة ومؤسسات الدولة، وتوسع دائرة التعليم في المدن والأرياف العراقية. لكن المجتمع العراقي مضى برحلة العودة الى الهويات الفرعية، نتيجة تآكل بنية النظام السياسي ومؤسساته العسكرية والأمنية بعد الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت، كانت العشيرة هي "البناء الجاهز"، المؤسسة التي لم تنهار كليا، كانت برمزيات شيوخها متصالحة في الغالب مع السلطة التي أعطتها حقنة إنعاش، بمنح الشيوخ دورا في الحياة السياسية والأمنية، هذا الإنعاش الذي عرف بشيوخ التسعين الذين حصلوا على امتيازات مقابل واجبات أمنية وسياسية.
جرعة ثانية من الإنعاش لمؤسسة العشيرة كانت باختيار مجلس الحكم الشيخ "غازي عجيل الياور" أول رئيس للجمهورية بعد سنة 2003، كونه شيخا لقبيلة كبيرة، هذا الاختيار كان من غالبية أعضاء المجلس على حساب مرشح آخر، عُرف بخبرته السياسية والدبلوماسية "عدنان الباججي" الذي فضّله المبعوث الأممي "الأخضر الابراهيمي". وتتالت الجرعات التي تلقفها شيوخ العشائر بعد انطلاق تشكيل الدولة الجديدة بدعم الشيوخ من قبل القوى المتنافسة على الانتخابات، وجدت فيها ساحة للترويج وجمع أكبر عدد من الأتباع والموالين والأصوات الانتخابية. وتوسّع دور العشائر الى بديل لسلطة الدولة في مناطق واسعة من العراق، نتيجة الفراغ والفوضى الأمنية التي خلّفها الغزو الأمريكي وتفكيك مؤسسات الدولة. وقد انتكس سوق "الشيوخ" بعد انتفاضة تشرين سنة 2019، بعد اتهام الكثير منهم بمحاباة أحزاب السلطة والسكوت على قتل المتظاهرين ومحاولات شيطنتهم، اختفى بعدها "العقال" من المشهد السياسي والاجتماعي لسنوات بعد أن أصبح مدعاة للشتيمة، "خلي عكالك للدﮔات".
وأصبحت "الدﮔة" العشائرية فعلا يوميا يعقب تنبيه "المدﮔوﮒ" بالكتابة على جدران بيته "مطلوب عشائريا"، ينهال بعدها الرصاص على منزله في وضح النهار، إذا لم يستجب للتفاوض مذعنا لشروط شيوخ الدﮔة، وصارت الدﮔة الفولوكلور اليومي والفن الحربي الذي يتم فيه استعراض تكنولوجيا القوة، الرشاشات الأوتوماتيكية والراجمات والصواريخ وحتى الطائرات المسيرة، وصدر قرار مجلس القضاء الأعلى سنة 2018 بتجريم الدﮔة العشائرية، واعتبارها فعلا إرهابيا يعاقب عليه وفق المادة 2 من قانون مكافحة الإرهاب، المعروف بقانون "4 إرهاب"، واعتبارها عملا إرهابيا يعاقب عليه القانون بالاعدام أو السجن المؤبد، وظهرت جملة التصريحات المرحبة بالقرار من بعض أعضاء مجلس النواب وشخصيات سياسية واجتماعية.
تصريح مهم للسيد محمد شياع السوداني "النائب" عن دولة القانون في الدورة النيابية الرابعة بمناسبة صدور قرار مجلس القضاء، الذي دعا فيه ...
"الى العمل بجدية على وقف ظاهرة الدكة العشائرية، باعتبارها دخيلة على المجتمع العراقي، واعتبر القرار خطوة صحية ومهمة على طريق بناء الدولة ومؤسساتها، ويضيف السيد النائب "السوداني" أن المرحلة الحالية التي يمر بها العراق تتطلب أن تقف جميع العشائر العراقية مع بناء الدولة، وأن لا تسمح العشائر لبعض ضعاف النفوس باستغلال اسمها كونها منبرا مهما ويمثل الشعب العراقي جميعا الذي عرف عنه الغيرة والشهامة، وأشار "السوداني" الى أهمية أن تتظافر كل الجهود بين مؤسسات الدولة الأمنية والمجتمع والعشائر للحد من هذه الظاهرة التي أساءت للمجتمع العراقي وهددت أمنه الداخلي، بل وأصبحت ذريعة لضعاف النفوس في النيل من المجتمع والتكالب عليه من خلال تهديد أمنه واستقراره بما يسمى بالدكة العشائرية، ودعا "السوداني" الى تفعيل كل القوانيين المهمة التي تحارب هذه الظاهرة وتعكس صورة المجتمع المتسامح والوشائج الاجتماعية المتراصة والسنن العشائرية الحقيقية التي تدعو الى تنظيم المجتمع وحمايته من هكذا أساليب وإبعاد من يريد أن يفسد السنن العشائرية القيمة" (جريدة الصباح، 11/11/2018).
هذا التصريح يدعو للتفاؤل والطمأنينة مثل عناوين جريدة الصباح التي افتتحنا بها هذه السطور، لكن المفارقة هنا ليست في التصريح، بل في ما حصل بعده ببضع سنوات، أغرب الدﮔات التي حصلت في قلب بغداد "الكرادة" قبل أسابيع، عشيرة رئيس أعلى سلطة في البلاد هذه المرة "رئيس وزراء" تدﮒ بيت رجل عجوز جاوز الثمانين عاما، احتجاجا على تصريح تلفزيوني يتهمه بالتزوير، لكن "حكمة" رئيس الوزراء "وحكمة" شيخ عشيرته، منعت والحمد لله اطلاق الرصاص باتصال هاتفي عاجل، كما أعلن "كبير" الدﮔة بمكبرات الصوت المحمولة أمام الشاشات، اتصال حقن الدماء وإرهاب سكان العاصمة والاكتفاء بالأهازيج والتلويح بالعصى الغليظة. المفارقة الثانية هنا أن "الدﮔة" حصلت قبل الانتخابات النيابية بأسابيع أي قبيل انطلاق الحملات الانتخابية بأيام، وأن رئيس وزراء العشيرة "الداﮔة" وشيخ العشيرة "الداﮔة" يتصدرون قائمة انتخابية بتسلسل (1) و (3)، والمفارقة الثالثة أن هذه القائمة حصلت على أعلى المقاعد في الدورة النيابية السادسة وفق مفوضية الانتخابات، وظهور رئيس القائمة الفائزة في خطاب الفوز بعد اعلان نتائج الانتخابات بصحبة شيخين، الى يمينه شيخ عشيرته والى يساره شيخ قبيلة كبرى أخرى متحالفة.
وتفرض أطروحة علي الوردي نفسها هنا بقوة، برسوخ العقل الازدواجي في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العراقية، تتجسد بوضوح في أنماط التفكير والممارسة، لا سيما ممن يحرس قانون الدولة ومن يشرعه معا، وعزاء الراحل علي الوردي قوله، "أن الحضارة الحديثة لم تتغلغل في الأعماق، أخذ الناس منها ظاهرها، فالفرد بدوي في أعماقه حضري في ظاهره، فهو منقسم على نفسه من حيث لا يدري، الذي يطلق عليه ازدواج الشخصية".
هذه الازدواجية التي توظف بشكل بارع في استثمار ثقافة المجتمع التي سادت فيها سطوة المنظومة القرابية "العشيرة" كبديل للدولة، توظيف آخر لرمزية القبيلة بتصدر شيوخ العشائر الحياة السياسية، يعكس الطبيعة المنفعية التي تحكم العقل السياسي في العراق الجديد، فالقبائل تمثل كتل بشرية كبرى يمتثل أغلب أعضاءها "نظريا" لرأي شيخ القبيلة، لكن الانتخابات الأخيرة عكست غير ذلك.

-5-
قبل أكثر من قرن ونصف كان العالم الأنثروبولوجي الأمريكي موريس مورغان (1818-1881م) منهمكا في دراساته الاجتماعية لصياغة نظريته في التطور الاجتماعي للمجتمعات البدائية، وكان كتابه "المجتمع القديم" الذي صدر سنة 1877م بمثابة خلاصة دراساته، قسّم فيه تاريخ تطور المجتمعات الى ثلاث مجتمعات وفقا لمراحل تطورها المرتبطة بالاكتشافات التقنية، المرحلة البدائية وهي المرحلة المتوحشة "تسخير النار، استعمال القوس والسهم، الفخار"، المرحلة البربرية "الزراعة وتربية الحيوان وصنع الأدوات المعدنية"، المرحلة المتحضرة "تطوير الأبجدية والكتابة". وقد أربكت اطروحات مورغان ونتائج دراسته معاصريه من علماء الاجتماع، كارل ماركس لم يسعفه الوقت في أيامه الأخيرة (ت 1883م) لاكمال بناء نظريته وفق ما توصل له مورغان، دوّن ملاحظاته وترك المهمة لصديقه ورفيق رحلة الفكر "إنجلز" الذي أنجز المهمة في كتابه "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" الذي صدر سنة 1884م، أي بعد سبع سنوات من صدور كتاب مورغان وبعد سنة من وفاة ماركس، وتتضح أهمية خلاصات مورغان من خلال كتاب إنجلز، تناولت صفحات كثيرة منه عرضا لنظرية وأفكار مورغان حول العلاقات القرابية ومجتمعات القبيلة أو شروحا وتوظيفا لها.
يعتبر مورغان القبيلة تنظيما لم يصل الى مستوى المجتمع السياسي "الدولة"، لأنها خاضعة بقوة لنظام القرابة وصلة الدم، وأن الدولة لا يمكن تأسيسها إلا على أساس تجمعات تمثل وحدة نظام سياسي، وليس على أساس الأشخاص والوحدة القرابية الأولية "وحدة النظام الاجتماعي في القبيلة"، والدولة بهذا المعنى تتطلب انقراض التنظيم القبلي الذي يمثل المرحلة الثانية "البربرية" وفق تقسيمه، ويرى أن تفكيك التنظيم القبلي والعلاقات المؤسسة على مبدأ القرابة الدموية، هو الوسيلة الوحيدة لتجاوز مرحلة البربرية والانتقال الى مرحلة الحضارة "الدولة".
لا يبتعد مورغان عن مفاهيم واطروحات ابن خلدون حول العصبية والبداوة والدولة والحضارة، لكنه يختلف معه في الرؤية لمسار تطور التاريخ، اعتبره خطيا تطوريا وليس دائريا كما رؤية ابن خلدون، وإذا كان ابن خلدون قد حدّد مسار البداوة وهدفها نحو الحضارة "الدولة"؛ "المدينة غاية للبداوة تجري اليها"، وأن هذا المسار لا رجعة فيه؛ "الحضري لا يعود للبادية الا لضرورة تدعوه اليها"، وأن بناء اطروحته المرتكز على العصبية بفعلها المزدوج، بناء الحضارة وثم هدمها بنفس الأداة "العصبية"، فإن مورغان اشترط انقراض التنظيمات القبلية بتفكيكها، لتجاوز مرحلة "البربرية" والانتقال الى مرحلة الحضارة "الدولة".
فوفق منطق مورغان "الظالم" تصنّف الدﮔة العشائرية "فعلا بربريا" ومظهرا لسطوة التنظيم القرابي "القبيلة"، أي للمرحلة البربرية، وبعد انقراض التنظيمات القبلية بشكلها المنظّم المسلح في أغلب واحات وبقايا القبليات في قارات العالم أو اقتربت من التمدن منذ زمن طويل، وعليه تصنّف بغداد آخر حاضرة بربرية لاحتضانها "آخر البرابرة".
ووفق منطق هيجل "الظالم أيضا" الذي اعتبر أن التاريخ يبدأ مع "وعي الانسان لذاته"، لم تدخل بغداد التاريخ بعد،
وهنا وجب الاعتذار من الخطيب البغدادي؛
أن تاريخك سابق لعصره، لم يحن موعده بعد.

محمود حسين موسى
.......................................
المراجع.
بيار بورديو – كلود باسرون، إعادة الإنتاج، ت. ماهر تريمش، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2007
توماس ايركسون - فين نيلسون، تاريخ النظرية الانثروبولوجية، ت. لاهاي عبد الحسين، منشورات ضفاف، الرياض 2013
رحال بوبريك، زمن القبيلة السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي، دار أبي رقراق، الرباط 2012
زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، ط.ج، مكتبة مصر، القاهرة 2010
فردريك إنجلز، أصل العائلة والملكية والدولة، ت. أحمد عز العرب، دار الطباعة الحديثة، القاهرة 1957
عبد الجليل الطاهر، أصنام المجتمع، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت 2016
عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ت. علي عبد الواحد وافي، ط3، دار نهضة مصر، د.ت
علي الوردي، مجلة البيان الكويتية، العدد 101 أغسطس 1974
هيجل، ج 1-2، العقل في التاريخ - العالم الشرقي، ت. امام عبد الفتاح امام، ط3، دار التنوير، بيروت 2007
جريدة الصباح العراقية بتاريخ 11/11/2018، والعدد 6323 بتاريخ 7/1/2026
................................................



#محمود_حسين_موسى (هاشتاغ)       Mahmoud_Housein#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة الحلم
- عبد الرزاق عبد الواحد ونزيف الكرامة
- الزلزال والتمثال السوراقي
- عاهات عرفتها
- القراءات الخاطئة وجحيم البلاد - ٢ -
- القراءات الخاطئة وجحيم البلاد
- لا تجاور شيوخ الغجر
- رحلة خاطفة
- الأيديولوجيا والسلة
- الدوران العراقي حول درجة الصفر
- للتذكير والعبرة
- 14 تموز بين التاريخ والسياسة
- أزرار قميصي
- سوق هرج
- ثقافة وتسول وجياع، من خذل الجياع في العراق ؟
- سعدي يوسف والضجيج المفتعل والشماتة
- حدث من قبل .. ومازال


المزيد.....




- مصادر: المبعوث الأميركي للعراق لم يعد يشغل منصبه
- ترامب: إيران تتحدث -بجدية- مع الولايات المتحدة
- لماذا تتوالى الاضطرابات الجوية في المنطقة المغاربية ؟
- ملاك يشبه ميلوني على جدارية كنيسة في إيطاليا
- هاكابي: ترامب لا يطلق -تهديدات جوفاء- تجاه إيران
- السفيرة الأميركية تعود إلى كاراكاس بعد 7 سنوات من القطيعة
- اتصال بين الشرع وبارزاني بشأن التطورات في سوريا
- الشرع والبارزاني يبحثان التعاون لتنفيذ اتفاق دمشق مع قسد
- المبعوثة الأمريكية الجديدة تصل فنزويلا.. من هي لورا دوغو؟
- لماذا عاودت إسرائيل قتل الفلسطينيين قبل يوم من فتح معبر رفح؟ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمود حسين موسى - آخر البرابرة، فأر هيجل والدﮔة وكائنات الطبيعة