مصطفى الفاز
الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 21:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
السلام كسلاح إمبريالي:
النيوليبرالية إعادة تشكيل الهيمنة، وتحوّل نماذج الإمبريالية الأمريكية والأوروبية والصينية
مقاربة تحليلية مقارنة
مدخل
يعالج هذا المقال التحول العميق الذي طرأ على مفهوم “السلام” داخل الاستراتيجيات الإمبريالية المعاصرة، حيث لم يعد السلام نقيضًا للحرب، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية في سياق أزمة النيوليبرالية العالمية1.
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن السلام أصبح آلية وظيفية لتسهيل تمدد رأس المال، وتفكيك السيادة الوطنية، واحتواء الصراع الاجتماعي، عبر صفقات اقتصادية وأمنية تُدار خارج الأطر الدبلوماسية والمؤسساتية التقليدية 2.
يعتمد المقال منهجًا تحليليًا مقارنًا لدراسة ثلاث مسارات إمبريالية مختلفة: الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية، مبرزًا نقاط الاختلاف والتقاطع بينها في استخدام “السلام” كأداة للهيمنة 3. ويخلص إلى أن ما نشهده اليوم ليس تجاوزًا للنيوليبرالية، بل إعادة تشكيل أكثر تعقيدًا لها، تتخذ من السلام، بدل الحرب المباشرة، وسيلة لإدارة التراجع الإمبريالي في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية 4.
تقديم
لم يعد “السلام” في النظام الدولي المعاصر قيمة أخلاقية أو غاية سياسية مستقلة، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة استراتيجية ضمن منظومات الهيمنة الإمبريالية 5. فبدل أن يُنهي الصراع، بات يؤطره، وبدل أن يعالج جذوره الاجتماعية والسياسية، أصبح يفتح المجال أمام صفقات تجارية وأمنية واستثمارية تعيد إنتاج علاقات التبعية 6.
يندرج هذا التحول في سياق أزمة بنيوية تعيشها النيوليبرالية، حيث فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية الاجتماعية والسياسية، فلجأت إلى إعادة تعريف مفاهيم مثل السلام، الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بما يخدم متطلبات التراكم الرأسمالي في مرحلته المعولمة والرقمية 7.
ينطلق هذا المقال من تساؤل مركزي:
كيف أصبح السلام أداة إمبريالية لإدارة الأزمات، وما الذي يميز استخدامه في النماذج الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية؟
الإطار النظري والمنهجي
يعتمد المقال على نقد النيوليبرالية كما بلوره ديفيد هارفي وكارل بولاني، وعلى تحليل الإمبريالية بوصفها مرحلة احتكارية من تطور الرأسمالية وفق لينين 8، إضافة إلى مفهوم الهيمنة الثقافية والسياسية عند غرامشي 9، ونظريات الرأسمالية الرقمية واستخراج القيمة من البيانات كما طورتها شوشانا زوبوف وكريستيان فوش 10.
مع اعتماد منهج تحليلي–مقارن وبنيوي للترابط بين الاقتصاد السياسي، السيادة، والسلام
النيوليبرالية والسلام كآلية للهيمنة
لم يعد السلام إطارًا سياسيًا لتنظيم العلاقات الدولية، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، عبر تفكيك العقد الاجتماعي، وتحييد الصراع الطبقي، وتحويل السياسات الاقتصادية إلى مسلمات تقنية غير قابلة للنقاش السياسي 11، هذا التحول هو امتداد مباشر للمشروع النيوليبرالي الذي حوّل السوق من آلية تنظيم إلى عقيدة، وأفرغ الديمقراطية التمثيلية من مضمونها الاجتماعي 12.
كيف أصبح السلام سلاح سياسي/استراتيجي للإمبريالية؟ ما الذي فرض هذا التحول وجعل من بؤر الصراع مشتلا للصفقات التجارية والمكاسب الاقتصادية والأمنية؟ حتى أن بناء السلام أضحى من اختصاص حركية الرأسمال المتلهف للهيمنة مباشرة ودون وساطة مؤسساتية دولية أو ديبلوماسية؟ هل نحن أمام استمرار نفس النموذج النيوليبرالي الذي ألغى دور المجتمع وحول السوق الاقتصادي إلى عقيدة وليس آلية ونزع أنياب الطبقة الوسطى باحتواء المجتمع المدني وتحجيم الدور النقابي، بل وأفرغ اللعبة الديموقراطية والتعاقد الاجتماعي من مضمونه السياسي والفلسفي؟
هناك ثلاث مسارات مختلفة للهيمنة الإمبريالية لكل واحدة تصورها الخاص للتمدد والسيطرة عبر آلية السلام: الإمبريالية الأوروبية والإمبريالية الأمريكية والإمبريالية الصينية، وقد ارتأينا على المستوى المنهجي اعتماد منهج تحليلي مقارن للبحث في نقط الاختلاف ونقط التلاقي أو التشابه حتى نستطيع فهم التحول الجاري حاليا أولا داخل ما عرف تاريخيا بالعالم الغربي بنموذجيه الأوروبي والأميركي ثم بينهما وبين النموذج الصيني.
الإمبريالية الأوروبية – الهيمنة الناعمة والتبعية الاستراتيجية
بدون شك لعب الاتحاد الأوروبي دورا كبيرا في النمو الاقتصادي وإبراز الشخصية الأوروبية، ولكن على حساب الاستقلال الوطني، فقلب الاتحاد الأوروبي، فرنسا وألمانيا، يعطي إشارات واضحة:
أولا فرنسا ذات الإرث الديغولي وطموح الاستقلال الاستراتيجي وصاحبة قوة ردع نووية مستقلة لم تستطع البقاء خارج حلف الناتو، بل سارع ساركوزي إلى توقيع صك العودة بعد أزيد من أربعين سنة على ترك القيادةً، وهذا مؤشر على عدم قدرة فرنسا لعب أي دور لصالح بناء قوة عسكرية مستقلة عن أمريكا.
وإذا كانت فرنسا ثقل الاتحاد الأوروبي عسكريا فاشلة في بعث المجد الامبريالي الأوربي خاصة في أفريقيا فان ألمانيا صاحبة الثقل الاقتصادي حوصرت بسبب الحرب على أوكرانيا فوضعت أمام خيار المساهمة في معاقبة ومحاصرة روسيا اقتصاديا وهذا يعني شراء الغاز المسال الأمريكي رغم ارتفاع كلفته وعدم نقل التكنولوجيا الدقيقة إلى الصين أو أنها ستفقد ريادتها الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي الذي لن يكون مستقل القرار السياسي والاقتصادي من منظورامريكي.
نحن فعلا أمام انقلاب جديد داخل النموذج النيوليبرالي أكثر تعقيدا من الانقلاب الذي عرف في فترة السبعينات بدولة الرفاه والمؤسس على أذرع الهيمنة الإمبريالية عبر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية والتفوق العسكري والتكنولوجي، أمام نظام عالمي يتشكل على أنقاض تفاهمات ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث برزت أطرافه وكأنها كتلة غربية واحدة: قوة اقتصادية رأسمالية أمريكية وسوق أوروبية مشتركة تحولت إلى اتحاد أوروبي بني على أساس ليبرالي اعتمد على تحرير رأس المال والسيطرة على الأسواق المالية على حساب السيادة الوطنية وتفكيك الحماية الاجتماعية وصولا إلى ضرب الصراع الطبقي لصالح التوافق.
النيوليبرالية الأوروبية ظلت سجينة النموذج الناعم والتابع والمؤسساتي، مرتهنة للخطاب الاجتماعي المكبل بسياسات التقشف واعتماد سياسة خصخصة تدريجية والحفاظ على الإطار الشكلي للنقابات وإدماج اليسار في المنظور الأطلسي 13. وقد اعتمد الاتحاد الأوروبي هذا النموذج عبر آليات تبدو مستقلة، ولكنها لا تفرز أي شكل من أشكال السيادة الوطنية 14، أو حتى الابتعاد عن القوقعة الأمريكية، وهكذا كانت المفوضية الأوروبية جهازا تقنيا دون أبعاد جيوسياسية وظيفتها لا تتجاوز ضبط السوق الأوروبي ومراقبة قواعد المنافسة، والبنك المركزي الأوروبي يشتغل ضمن العقيدة النقدية النيوليبرالية من قبيل أولوية الأسعار والتقشف المالي ورفض التمويل المباشر للدول والحفاظ على قوة اليورو تجاريا دون التحول إلى استقلال مالي أوروبي، بل أن البنوك الأوروبية تلتزم بقواعد العقوبات الاقتصادية المفروضة أمريكيا حتى لو كانت ضد المصالح الوطنية الأوروبية 15.
فليس غريبا أن يكون الاتحاد الأوروبي مكبل بقواعد أسسها بنفسه جعلته خارج أي محاولة لبناء استقلال اقتصادي مثل قواعد العجز والدين الملزمة لدول الاتحاد الأوروبي في منطقة اليورو والتي تحدد نسب العجز والدين العمومي في الناتج الداخلي الخام أقل من 3٪ في الأول و60٪ في الثاني وإذا خالفت احدى دول الاتحاد هذه القواعد تجبر على تقليص الإنفاق الاجتماعي وتجميد الأجور وخصخصة الخدمات وإصلاحات عميقة في سوق العمل تضرب حقوق العمال.
من هنا كان المسار النيوليبرالي الأوروبي محكوما بالتبعية والحفاظ على مستوى مقبول كسوق للاستهلاك ومرتهن بالحماية الأمنية الأمريكية، ولعل تقشف كل من شرودر في ألمانيا وماكرون بفرنسا يؤكد عدم قدرة النموذج النيوليبرالي في أقوى اقتصادين أوروبيين كسب امتيازات اقتصادية إضافية على حساب أمريكا.
الإمبريالية الأوروبية ليست مشروعًا مستقلاً، بل وظيفة داخل المنظومة الأطلسية، حيث يُستخدم “السلام” لضمان الاستقرار الاجتماعي الضروري لاستمرار السوق، لا لبناء سيادة سياسية 16.
الإمبريالية الأمريكية – من النيوليبرالية إلى السلام الترامبي
إن الجبهات المفتوحة في عهد ولايتي ترامب؛ ضد الهجرة، ضد الإعلام، ضد النخب، ضد الصين…كلها جبهات لإدارة الأزمة وتدبير الغضب وخلق وحدة قومية داخلية على اعتبار أن الليبرالية الديمقراطية فشلت في إدارة العقد الاجتماعي الأمريكي 17 وفشلت في تجاوز الأزمة البنيوية داخل قواعد الرأسمالية الأمريكية. لا ننسى أن هذه الأزمة تقرأ أمريكيا بالموازاة مع تصاعد قوة الاقتصاد الصيني وعودة التمدد الروسي وتنامي البحث الأوروبي عن استقلال القرارين السياسي والاقتصادي.
إن مرحلة الهيمنة الأمريكية ولو عن طريق السلام تتضح أبعادها داخل مسار انحدار وتراجع هذه الهيمنة نفسها، فهي وإن نجحت في صيغتها الترامبية أو كما تبدو أنها نجحت في القيادة الطبقية المهيمنة عبر اتهام الإمبرالية النيوليبرالية بالبطء وارتفاع التكلفة وقيد المؤسسات سواء في تصوّر الديموقراطيين أو حتى بعض الجمهوريين الجدد كوصفة لاستعادة الهيمنة الأميركية فإن الترامبية تركز على دور الصفقات بما فيها السلام واتفاقات أبراهام المربحة واعتماد القوة عوض الشرعية والمزج بين القيادة الشعبوية 18 والابتزاز.
إن أمريكا الترامبية تخيف الحلفاء، ولكنها لا تمثل مشروعا سياسيا واقتصاديا يجيب عن أزمة النيوليبرالية ويوقف تآكل الهيمنة والتراجع والانحدار والتعددية القطبية. " فحين تفشل النيوليبرالية في تحقيق الشرعية عبر الإجماع، فإنها لا تتردد في اللجوء إلى القسر، وإلى أشكال سلطوية من الحكم، من أجل حماية مصالح رأس المال." والترامبية بهذا المعنى تجسيد جلي على الشعبوية اليمينية التي أفرزتها أزمة النيوليبرالية الأمريكية وتربعت على عرش تحالف طبقي هش مكون من بورجوازية صغيرة ناقمة ورأسمال صناعي ريعي قاعدته الطاقة والسلاح والعقار في مواجهة بورجوازية مالية تكنولوجية احتكارية عالية القيمة قاعدتها سيليكون فالي Silicon Valley حيث المجمع العالمي للرأسمالية الرقمية ومجمع شركات الذكاء الاصطناعي والبيانات والمنصات ورأس المال المغامر Venture Capital والجامعات البحثية وشبكات الابتكار العسكري والمدني وجميعها أنماط جديدة من تراكم رأس المال.
هذا التراكم الرأسمالي الرقمي أصبح يمثل فصيلا قائم الذات داخل البورجوازية الأمريكية قائم على استخراج القيمة من البيانات والعقل الرقمي البشري. بالإضافة إلى هذا المجمع التكنولوجي الهائل يتموقع أيضا السوق المالي وول ستريت وعمالقة الإعلام المدافع عن العولمة والهجرة عالية المهارة والمناهض للقومية الشعبوية. ثم فئة العمال البيض التي شكلت بدورها قاعدة انتخابية لترامب بسبب مناهضتها للشركات الكبرى.
فالترامبية تظهر الكثير من العداء للعولمة لصالح الدولة القومية في إطار تصدعات طبقية أفرزتها الأزمة البنيوية النيوليبرالية وشكلت تعارضا على الأقل في الخطاب السياسي بين بورجوازية مالية تكنولوجية احتكارية تحافظ على مصالحها وتدعم العولمة رغم مواجهة ترامب لها، وبورجوازية صناعية ريعية مناهضة للعولمة ومستفيدة من التخفيض الضريبي ورفع القيود البيئية ومدعمة بالإجراءات الحمائية، وبورجوازية صغيرة أصبحت أكثر عرضة للانقراض بسبب تآكل الطبقة الوسطى، ثم طبقة عاملة مفتقدة للوعي السياسي والتنظيمي، ومنقسمة بين عمال بيض في القطاع الصناعي وعمال غير بيض ومهاجرون وعمال الأرصفة العاطلون أو ما يعرف بالطبقة الرثة Lumpenproletariat.
إن العقيدة الإمبريالية للنموذج النيوليبرالي كان صريحا وعدوانيا في أمريكا بفعل السلاح المالي والعسكري والتغلغل غير المباشر وغير المكلف والمؤسس على تصدير النموذج الأمريكي بما في ذلك آليات الإعلام والجامعات والمنظمات الدولية وخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان ونمط الاستهلاك والحياة، هي إمبريالية لا تمارس فقط عبر التدخل العسكري المباشر، ولكن ايضاً عبر الهيمنة الثقافية بغرض معالجة الأزمات المالية الدورية وفرض إصلاحات بالقوة والابتزاز على اقتصادات العالم.
لقد أفرزت الرأسمالية الرقمية الأمريكية فصيلاً بورجوازيًا قائمًا على استخراج القيمة من البيانات والعقل الرقمي، ما عمّق التناقضات داخل التشكيلة الطبقية الأمريكية بين رأس المال التكنولوجي المعولم والرأسمال الصناعي الريعي19.
الصين – رأسمالية الدولة والسلام غير التدخلي
ونحن نقترب من تفكيك عالم التنين الصيني نصطدم بسؤال يطرح نفسه قبل الخوض في دواليب الرأسمالية الصينية:
إذا كان ترامب ممثل التوجه الشعبوي القومي يميل إلى البورجوازية التقليدية في قطاعات الطاقة والسلاح والعقار، ويقف في مواجهة البورجوازية الرقمية، فلماذا يعتمد سياسة التضييق على الصين حتى لا تمتلك التكنولوجيا الرقمية الدقيقة، أو على الأقل يعطل تقدمها رغم أن هذه البورجوازية الرقمية لا تعادي العولمة وتميل إلى الهجرة الماهرة؟
إن صراع البورجوازيات المتحكمة في التشكيلة الاقتصادية الأمريكية يصب في مصلحة الدولة الإمبريالية ويخدم أهدافها، كيف ذلك: لنتفق أولا أن هذا الصراع داخلي وأن اشتغال رأس المال الرقمي الأمريكي في الصين أكثر نشاطا وربحية، مما يعني أن السياسة اتجاه الصين لا تدار بمنطق الصراع الداخلي بين البورجوازيات، بل بمنطق صراع بين قوى إمبريالية على القيادة العالمية.
كان لينين يضع الإمبريالية ضمن مرحلة متقدمة من الرأسمالية حيث تتحول المنافسة الحرة إلى احتكار وحيث يتوسع دور رأس المال في السيطرة على الاقتصاد العالمي، وما ينتج عن ذلك من تنامي الصراع الدولي على الأسواق والموارد وقوى الإنتاج.
هذا المنطق ينطبق أيضا على مسار تطور التكنولوجيا الرقمية في قلب التمدد الإمبريالي نفسه، خاصة أن لينين لم يحصر المرحلة الإمبريالية في النفط أو السلاح أو المستعمرات، ولكن ارتبطت أساسا بالاحتكار، بالاندماج بين رأس المال الصناعي ورأس المال المالي لتسريع السيطرة على وسائل الإنتاج.
فالتكنولوجيا الرقمية الدقيقة بما فيها الرقائق والذكاء الاصطناعي والشبكات الخوارزمية والبيانات ومنصات البحث…جميعها احتكار استراتيجي متقدم في الرأسمالية الرقمية، والسيطرة عليها بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية والمعرفية تعني السيطرة السياسية والاقتصادية والأخلاقية على العالم.
من هنا تكون الشعبوية القومية الأمريكية في مواجهة الصين تنهج مسارا مختلفا عن مسار الليبرالية الديموقراطية
(بايدن وأوباما) أي عوض الاحتواء وفتح ملفات ضغط مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان، تنهج سياسة تكثيف العقوبات الاقتصادية على الصين ومنعها من امتلاك أدوات انتاج التكنولوجية الرقمية عالية الدقة، واستغلال الحرب على أوكرانيا لابتزاز أوروبا كي تتخذ نفس المسار اتجاه الصين.
الصين التي ليست بالتأكيد سوق حرة بل هي حزب الدولة أو دولة الحزب حيث يعتمد التخطيط الاستراتيجي وتوضع آليات الربط بين امتلاك التفوق التكنولوجي والسيادة الوطنية 20. بذلك تكون الرأسمالية الصينية رأسمالية دولة، والحزب الشيوعي الصيني هو الفاعل المركزي في توجيه وإدارة التراكم الرأسمالي ومراقبة آليات السوق والتحكم في البورجوازية الخاصة. وتظل الدولة هي المالك والمدبر لوسائل الإنتاج الاستراتيجية من طاقة، نفط وكهرباء، وبنوك كبرى ومؤسسات ائتمان واتصالات ونقل ولوجيستيك وبنية تحتية وصناعة ثقيلة خاصة العسكرية. حتى أن الدولة لا تنظم وتراقب السوق فقط، بل تشارك فيه تحت وصاية الحزب الشيوعي، الرأسمالي الجماعي Collective Capitalist، فالحزب الشيوعي الرأسمالي هو من يحدد قواعد وأولويات الاستثمار وهو من يشرف على تداول وتدفق الرساميل وهو من يراقب تطور رأس المال الخاص وهو من يضع هوامش تحرك البورجوازية الخاصة دون أن تمتلك أدوات الاستقلال الذاتي سياسيا وطبقيا، فلا توجد طبقة بورجوازية صينية بالمفهوم الغربي الليبرالي قادرة على فرض هيمنتها السياسية على الدولة/الحزب الحاكم 21.
بهذا المعنى يكون انتفاء حرية السوق منسجم والتحكم في المنافسة داخل حدود مرسومة سياسيا تعطي هامشا مريحا للدولة/الحزب لإدارة الأزمة الدورية لنموذج الرأسمالية الصينية خاصة المدعومة بفعل العقوبات الاقتصادية الأمريكية بما لا يهدد الاستقرار الوطني.
إن عمل السوق الرأسمالي يتم داخل استراتيجية الدولة/الحزب ولا تقوم استراتيجية الدولة على مبدأ حرية السوق كما في التوجه النيوليبرالي.
والدولة/الحزب هي المسؤولة عن إدارة التراكم الرأسمالي في غياب ديموقراطية بورجوازية وبدون تداول سياسي على السلطة ولا تمثيل سياسي مستقل لرأس المال ولا صحافة سياسية واقتصادية حرة بالمعنى الليبرالي. والدولة/الحزب هي من يباشر ضبط الصراع الطبقي وعدم السماح بتسييسه رغم اعتماد العمل المأجور وانتزاع فائض القيمة وعدم استقلالية النقابات.
الدولة/الحزب في الصين يدير رأسمالية فعلية وليست اشتراكية سوق بالمعنى الماركسي مادامت وسائل الإنتاج لا تدار ديموقراطيا بين المنتجين. وهي أيضا ليست رأسمالية ليبرالية رغم وجود تفاوت طبقي مرشح للتوسع ورغم حضور منطق السوق والاستهلاك والعرض والطلب وحضور منطق الربح والتنافس واستغلال فائض القيمة، إنها رأسمالية دولة ينتصب فيها الحزب كمركز القرار الطبقي والسوق كأداة فقط والتراكم متحكم فيه والبورجوازية خاضعة دون هيمنة سياسية.
فهل تمثل الصين نموذجا إمبرياليا قائما أو في طور التشكل؟
الصين تحقق اليوم تركزا لرأس المال وظهور الاحتكارات الكبرى ونجحت في خلق اندماج قوي بين رأس المال الصناعي ورأس المال المالي وشرعت في تصدير الرساميل (حزام الطريق) لكنها لا تفرض نفسها عسكريا ولا تسعى إلى إعادة تشكيل أنظمة سياسية بالقوة ولا تتمدد في العالم بدعوى نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، فهي إمبريالية اقتصادية كما تظهر في أفريقيا دون هيمنة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية استعمارية 22.
فالصين ليست نقيضًا للرأسمالية، لكنها نقيض للنيوليبرالية.
خاتمة
لسنا أمام “سلام عالمي”، بل أمام إدارة إمبريالية للصراع في زمن أفول الهيمنة الأحادية.
فالسلام، كما يُمارس اليوم، لا ينهي الحروب، بل يؤجلها، لا يحقق العدالة، بل يضمن شروط التراكم، ولا يعزز السيادة، بل يعيد ترتيب التبعية.
وإذا كانت الإمبريالية الأمريكية تستخدم السلام كصفقة، والأوروبية كإدارة تقنية للسوق، فإن الصين تستخدمه كشرط للاستقرار الضروري لتراكم رأسمالية الدولة 23.
الهوامش والمراجع
¹ David Harvey, A Brief History of Neoliberalism, Oxford University Press, 2005.
² Noam Chomsky, Hegemony´-or-Survival, Metropolitan Books, 2003.
³ Giovanni Arrighi, Adam Smith à Pékin, Max Milo, 2009.
⁴ Samir Amin, Modern Imperialism, Monthly Review Press, 2018.
⁵ Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, International Publishers.
⁶ Pierre Dardot & Christian Laval, La nouvelle raison du monde, La Découverte, 2009.
⁷ Karl Polanyi, The Great Transformation, Beacon Press.
⁸ V. I. Lenin, Imperialism, the Highest Stage of Capitalism, 1916 (Marxists.org).
⁹ Antonio Gramsci, المرجع نفسه.
¹⁰ Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, 2019؛ Christian Fuchs, Digital Labour and Karl Marx, 2014.
¹¹ Wolfgang Streeck, Buying Time, Verso, 2014.
¹² Mark Fisher, Capitalist Realism, Zero Books, 2009.
¹³ Claude Serfati, L’État radicalisé, La Fabrique, 2022.
¹⁴ European Commission, Stability and Growth Pact.
¹⁵ Wolfgang Streeck، مرجع سابق.
¹⁶ Samir Amin, L’Europe sous tutelle, Le Temps des Cerises.
¹⁷ Nancy Fraser, “The End of Progressive Neoliberalism,” Dissent, 2017.
¹⁸ David Harvey، مرجع سابق.
¹⁹ Cédric Durand, Technoféodalisme, La Découverte, 2020.
²⁰ Samir Amin, La Chine sans illusions, 2013.
²¹ Giovanni Arrighi، مرجع سابق.
²² Monthly Review, China debates (online).
²³ Samir Amin، مرجع سابق.
#مصطفى_الفاز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟