عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 20:19
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
افتتاحية:
هل تخيلت، عزيزي القارئ، لو أن العقل يفقد قدرته على تمييز الوهم عن الواقع ويصنع شتاتاً بين العالمين، كيف يمكن حينها التمييز بينهما؟ هذا من أصعب الاختبارات لطرح رينيه ديكارت، منظّر العقلانية الفرنسية، الذي يقول بأن الحواس "تخدعني، وأنا لا يمكن أن أثق بمن يخدعني". واعتمد ديكارت في المقابل على العقل كأداة للتمييز بين الحقيقة والخيال، ولكن أحياناً يصبح العقل أداة للخلط وللمزج بين العالمين. وهنا أطرح سؤالين: متى يحدث هذا؟ ولماذا تحدث هذه الحالة؟ للجواب على هذين السؤالين، عدتُ إلى رواية "المحاكمة" لفرانز كافكا، ولفيلم "جزيرة شاتر" لسكورسيزي؛ محاولاً فهم العملين في صيرورة واحدة، هي عندما يمزج العقل بين الوهم والواقع لإنقاذ الإنسان من واقعه المظلم، ويفضل أن ينتج سردية خيالية تحفظ للإنسان هويته الثابتة بدلاً من أن يصطدم بسوداوية الواقع.
الوهم الجميل:
تبدأ أحداث رواية "المحاكمة" باستيقاظ بطل الرواية "جوزيف ك" من نومه على وقع دخول الشرطة، التي فاجأته بالتفتيش وبالبحث في أركان الغرفة عما يثبت إدانته، في تهمة لم يعرف لها طوال الرواية كُنهاً ولا حقيقة. وتدور أحداث الرواية من منظور البطل "ك" في سعيه لمعرفة التهمة ولإثبات براءته من هذه التهمة المجهولة، ليتحول إلى بطل بريء يحاكم المحاكمة التي تحاكمه. ولتنتقل معي، عزيزي القارئ، إلى جزيرة شاتر في خمسينيات القرن العشرين؛ حيث يصل المحقق تيدي دانيالز (النجم ليوناردو دي كابريو) إلى الجزيرة مصحوباً بمساعده المحقق تشاك أول، للتحقيق في قضية غامضة هي اختفاء إحدى نزيلات مستشفى الأمراض العقلية، والتي أودعت المستشفى بعد إغراقها لطفليها. وفوجئ تيدي بتكتم المستشفى وعدم تعاون الطاقم الطبي، ويبدأ باكتشاف وقائع تثير شكه في تعامل الإدارة مع المرضى. وكانت لتيدي مهمة سرية إلى جانب مهمته المعلنة؛ تمثلت هذه المهمة السرية في الوصول إلى قاتل زوجته وطفليه المودع في الجناح الخطر للانتقام منه.
الواقع المؤلم:
والآن استعد أيها القارئ، لكي أكشف لك الواقع الموضوعي للبطلين بعيداً عن القصة الوهمية التي يعيشها كل منهما؛ إن تيدي هو شخصية وهمية اخترعها عقل المريض أندرو ليدس لكي يستطيع أن يتحمل صدمة الجناية التي جناها على زوجته وأبنائه. فزوجته التي كانت تعاني من المرض العقلي والتي لم يعالجها، قتلت طفليهما إغراقاً بسبب مرضها، ولم يتحمل أندرو ما فعلته ليقتلها في جريمة وحشية، رغم أنه هو المسؤول الوحيد عن موت الطفلين والأم. هذه الدوامة التي دخل فيها أندرو لم يتحملها عقله، فاخترع قصة المرأة المريضة التي أغرقت ابنيها في النهر واختفت من المستشفى. وأما صراعه مع الأطباء وإدارة المستشفى فلم يكن بسبب مؤامرتهم الوهمية عليه، بقدر ما كان صراعاً بين العالم الوهمي الذي تحول فيه إلى بطل يحارب شر الإدارة، والعالم الواقعي الذي كان الأطباء يحاولون إعادته إليه. وبخصوص المجرم الذي تخيل أنه قتل عائلته، فلم يكن موجوداً في الواقع الحقيقي، وإنما كان إسقاطاً منه لجريمته وللجزء المشوه منه على إنسان آخر وهمي حتى يتحول من مجرم إلى ضحية. ويتضح لنا هذا في مشهد الحوار الذي دار بينه وبين المجرم الخيالي، والذي كان يحاول جاهداً أن يعيده إلى أرض الواقع من خلال تذكير أندرو بأنه هو القاتل. وفكرة الإسقاط نجدها حاضرة لدى عالم النفس الشهير كارل يونغ فيما يسميه بـ"الظل"، وهو الجزء المشوه من الإنسان والذي يظل في صراع مع الإنسان حتى يعترف الإنسان به كجزء من شخصيته؛ فينتهي الصراع ويبدأ التعافي. وهذا ما كان الأطباء يحاولونه منذ البداية، ولذلك دخل أندرو في صراع معهم. وسيظهر بأن شريك تيدي-أندرو هو تشاك، هو طبيبه الخاص في الواقع، والذي عرفه عقل أندرو المريض كمحقق مساعد لكي يحافظ على مهمته الخيالية.
وينتهي الصراع بالوصول إلى مرحلة العلاج، وهي التي تتمثل في إدراك أندرو لشناعة فعلته، ويكون الخلاص على حساب حياته التي تنتهي بقراره إجراء العملية الدماغية والتي -كما قال- ستنهي حياته كوحش؛ الأمر الذي أجده في غاية الذكاء من المخرج؛ لأن أندرو وصل إلى إدراك الحقيقة عندما دخل إلى مرحلة اليقظة التي تسبق الموت، والتي يحاول فيها الدماغ العمل وكأنه شمعة تصل إلى أقصى توهجها عند اقترابها من النهاية، وهو ما يسميه الأطباء بـ"صحوة الموت الأخيرة". وهنا أنهي الحديث عن فيلم "جزيرة شاتر" لأتحدث عن رواية "المحاكمة" لكافكا: لقد حاول الكثير من النقاد تأويل رواية المحاكمة، وتعددت التفاسير بين الوجودي والأبوي والديني، وأنا أقدم تفسيراً رابعاً، ولا أدعي لنفسي امتلاك حقيقة الرواية المطلقة، ولكن اجتهدت في التأويل حسب قدرتي الفكرية والأدبية المتواضعة، وقدمت التفسير النفسي للرواية كبعد آخر لم يتطرق إليه الكثيرون.
الجريمة الغائبة الحاضرة:
أعتقد أن جريمة "ك" التي لم يتقبلها وحاول أن يمحوها من ذاكرته هي قتله لزوجته إلزا بدافع من الشك والغيرة، ولتبرير هذه الجريمة اعتبرها بائعة هوى. وهناك إشارات إلى علاقته الوثيقة بها، مثلاً: حديثه عن زياراته المستمرة لها، واعتبارها حبيبة له، وذكر بأنها كانت تتمنع على الرجال؛ في دليل على إيمانه ببراءتها من الخيانة، فلا يعقل أن تكون هناك بائعة هوى تتمنع على الرجال. إضافة إلى أن أغلب الحديث عنها يأتي بصيغة الماضي، ولو كانت حية -في رأيي- لكانت قد شاركت في الأحداث، مما يطرح إشكالية غيابها والذي أراه يرجع إلى قتل "ك" لها، وهو الذنب الذي أدخل "ك" في هذه الدوامة النفسية. وأختم حديثي عنها بأنها حتى لو لم تكن زوجته، فهي أكثر من بائعة هوى بالنسبة إليه.
المكان دماغ ك:
وبينما كان عالم أندرو هو الجزيرة، فإن "ك" صنع عالماً وهمياً يدور بين المحاكم ومنزله وعمله في البنك، محاولاً أن يستمر في حياته الروتينية وهو ينتقل في هذه الأماكن محافظاً على توازنه النفسي الغائب. وأرى أن كافكا قد أبدع في وصف ضيق الأماكن وانعدام قدرة "ك" على الراحة داخلها، لأنه كان يدرك حسياً أنه مقيد بالفضاء المكاني الحقيقي وهو الزنزانة. وأعتقد أنه ليس من المنطقي أن شخصاً يحاكم بتهمة أدت في النهاية إلى إعدامه أن يُسمح له قانونياً بمغادرة السجن والعيش بحرية مقابل حضور جلسات المحكمة، والتي أجد أماكن انعقادها في غاية العبثية، وكأنها تلميحات إلى عدم واقعية المكان، وهو ما أرى أنه يرجح تأويلي بأن المكان هو دماغ "ك".
الشخصيات الرموز:
أجد أن كافكا أيضاً حمّل شخصيات الرواية معانٍ متعددة؛ بدءاً بشريكته في السكن "بورستنر" التي أراها ترمز إلى العقلانية والمنطق إذ تسعى لإبقائه منطقياً في التعامل مع الأحداث، ولكن بمجرد اتصاله بالعم كارل تنقطع صلته بها، في إشارة إلى فقدانه الرابط بالواقع والمنطق. أما العم كارل فيوافق الادعاء والغرور، إذ يدعي أنه يسعى لحماية مكانة "ك" الاجتماعية عن طريق تقديمه إلى المحامي هولد الذي يرمز إلى الوهم، والذي لا يقدم أي مساعدة لجوزيف غير التسويف والوعود الكاذبة، ويعرفه إلى ليني رمز الإدانة والعقوبة والتي تبذل كل جهودها للتقرب من جوزيف والالتصاق به رغم محاولاته في الابتعاد عنها، وقد أفصحت عن غايتها بأنها دائماً تنجذب إلى المدانين. وعن طريق ليني والمحامي (الوهم والإدانة)، يصل "ك" إلى بلوك، والذي تقدمه الرواية في مظهر العاجز المتردد الخائف دائماً، وهو في رأيي يجسد فكرة الظل التي تحدث عنها يونغ كما ذكرت سابقاً، وهو في رأيي النسخة المشوهة من "ك" التي يرفض أن يتحول إليها. ويصارح بلوك "ك" بأن الأخير مذنب، وأن شفتيه دلتا على إدانته، في تلميح إلى أن "ك" اعترف أمام المحكمة رغم محاولته العقلية للإنكار.
الكاتدرائية والراعي:
وأما حادثة الكاتدرائية والقس الذي يتحدث لجوزيف "ك" عن قصة الراعي الذي يحاول الدخول إلى العدالة عن طريق أبواب يحرسها حراس أشداء، ولخوفه من مواجهتهم يجلس الراعي منتظراً طوال عمره أمام باب العدالة ويُحرم من الدخول إليها؛ في إشارة إلى أن القس يرمز إلى الجانب المؤمن من جوزيف، والذي يدفع "ك" إلى الاعتراف بالذنب، والاعتراف هو طريق الخلاص. ويحذره من الخوف من الحراس الذين يرمزون في نظري إلى مخاوف "ك" من مواجهة الإدانة والانحدار من المكانة الاجتماعية وتحمل العار. ومما يعزز فرضيتي أن القس تحدث مع "ك" من على منبر العظة، وكان "ك" وحده في الكاتدرائية؛ ومن المعلوم أن المنبر يستخدم في الحديث مع الجمهور، عكس الاعتراف الذي يتم في طقس انفرادي.
مشهد الجلد:
ويقدم مشهد الجلد تأكيداً على تأويلي للأحداث، فهو يعبر عن جلد "ك" لذاته وخوفه من العار الذي يلاحقه وخوفه المستمر من الإدانة، وهو ما يظهر في قول الشخص الذي يتعرض للجلد بأنه لا يريد أن يظهر أمام حبيبته بهذا المظهر المهين. ويتكرر مشهد الجلد مرتين بنفس التفاصيل في البنك، ويحاول جوزيف أن يقنع الجلاد بتخفيف العذاب عن الضحية، إلا أن الجلاد يرفض ويستسلم "ك" ويغلق الباب حتى لا يرى الموظفون الجلد، في إيحاء إلى محاولته المستمرة في التستر على ذنبه وهربه المتواصل من عار الجريمة.
الرسام رمز القانون:
أما الرسام فأجده تشخيصاً للقانون المجرد؛ لأنه أخبر جوزيف بأنه هو الذي يرسم القضاة ويعرف كل أسرارهم وتفاصيلهم وأنه خليفة أبيه، أي القانون الطبيعي. ورغم كل المحاولات التي يبذلها الرسام لتعريف "ك" بالحل القانوني لجريمته، إلا أنه يختار التسويف. وعندما يشتري "ك" اللوحات من الرسام، كانت أغلبها قاتمة وتحمل المظهر نفسه، في إشارة إلى إدانة "ك" الحتمية. ويسأل جوزيف الرسام عن إمكانية القضاة أن يتخلصوا من الرسام، يخبره الأخير بأن القضاة لن يجدوا من يرسمهم مثله، في إشارة إلى أن القضاة لا يستطيعون التخلص من القانون حتى لو كان في مظهره الشكلي، وإلا فقدوا شرعية وجودهم. ويحاول "ك" جاهداً أن يشوه القضاة، ويتصور أنهم منحطون جنسياً، مزيفون ومدعون، ويضيعون كل أوقاتهم في ملاحقة شهواتهم الجنسية والتفاخر والتباهي، وكأنه يحاول أن ينزع عنهم الشرعية الأخلاقية لمحاكمته، في تذكير منه لنا بقول المسيح: "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها".
الخلاص:
وتنتهي الرواية باستسلام "ك" لواقعه وإعدامه طعناً، وعندما يُطعن يتراءى له طيف أعتقد أنه طيف زوجته، ولذلك أحس بالخزي وأنه يموت كالكلب، في إشارة إلى ندمه على الجريمة التي ارتكبها بسبب الشك واعترافه بشناعة جرمه، ولذلك يحس براحة الخلاص أثناء الموت. وهذا يشبه نهاية فيلم "جزيرة شاتر"؛ ففي الوقت الذي اختار "ك" أن يستسلم للإعدام حتى ينال الخلاص، رأى أندرو في موته الذهني خلاصاً لروحه من الجريمة.
النهاية:
لا أخفي عن القارئ أنني كنت دائم التساؤل عن قول ميشيل فوكو: "إن المجنون هو الذي فقد كل شيء إلا عقله"، وكنت أتساءل قائلاً: كيف يمكن أن يحدث هذا التناقض فالمريض العقلي يعرفه الكثيرون بأنه فاقد العقل، وها هو فوكو صاحب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" يعتبر بأن المريض العقلي أو المجنون قد فقد كل شيء إلا عقله؟ ومن ثم بعد قراءتي للرواية ومشاهدتي للفيلم، تبين أن المجنون فعلاً لم يفقد عقله وإنما حُبس داخل عقله المريض وأصبح لا يميز بين عالمه الخارجي الحقيقي وعالمه الداخلي الذي يبدو لنا غير واقعي. وأختم هذا المقال بالتساؤل من جديد عن كيف نميز بين الواقع والوهم في حال ما أصبح العقل صانع المتاهة والخلط؟
#عمر_الشاطر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟