عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 18:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في ذكرى 11 يناير 1992: هل احتاجت
الديمقراطية إلى حماية الدبابة؟
11 يناير 1992 تاريخ سيُحفر طويلًا في ذاكرة الجزائريين، مقترنًا بالعنف والدم. ففي هذا اليوم أذاعت التلفزة الجزائرية خبر استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، وتوقيف الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، التي كان من الواضح أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ستكتسحها، كما فعلت في الجولة الأولى.
لم يُدرك الجزائريون يومها أن هذا الخبر سيكون بمثابة صندوق باندورا المحكي عنه في الميثولوجيا الإغريقية، والذي سيفتح باب الشر على الجزائر لعشرية كاملة، اعتُبرت حمراء لما سقط فيها من دماء أبرياء، راحوا ضحايا للاقتتال الوحشي الذي جرى بين الدولة والمجموعات الإسلاموية. ولكي نفهم ما جرى في جزائر التسعينيات، لا بد من أن نعود إلى أصل الحكاية.
الجزائر وكاريزما بومدين:
اتسم الطابع السياسي للجزائر منذ استقلالها بالأحادية الحزبية، حيث احتكرت جبهة التحرير الوطني قيادة المشهد السياسي للبلاد عقب الاستقلال في 5 جويلية 1962، وصعود الرئيس أحمد بن بلة المتحالف مع جيش التحرير الوطني، والذي كان يقوده الهواري بومدين، الرجل الثاني في البلاد، قبل أن يطيح بأحمد بن بلة في 19 يونيو 1965 وينفرد بزعامة الجزائر فيما سماه «التصحيح الثوري».
غير أن بومدين، الذي هاجم في بيانه الأول سياسة أحمد بن بلة الفردية، سار على المنوال نفسه حتى وفاته في ديسمبر 1978.
اقتصاديًا، نهجت الجزائر نمط الاقتصاد الموجّه والمخطط، واعتمدت الاشتراكية والتصنيع الثقيل أسوة بباقي الدول الاشتراكية حليفة الجزائر، وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي. وقد تحققت خلال هذه المرحلة العديد من الإنجازات، كان من أهمها تقليل الفجوة بين الطبقات، وتحقيق مجانية التعليم، إضافة إلى تأميم الجزائر لثرواتها النفطية في 1971.
زراعيًا، تم اعتماد سياسة المزارع الجماعية، التي سماها بومدين «الثورة الزراعية». غير أن الاقتصاد الجزائري بقي في مجمله اقتصادًا ريعيًا، خاضعًا لتقلبات أسعار البترول في السوق العالمية.
جزائر الشاذلي: ردة يمينية
كان لوفاة بومدين المبكرة في أواخر ديسمبر 1978 أبلغ الأثر على سياسات الجزائر، فقد ارتأى خلفه الشاذلي بن جديد أن يغير من سياسات سلفه بومدين. فعمل على تقليل تأثير التيار اليساري في جبهة التحرير والبلاد، وأوكل هذه المهمة إلى محمد الشريف مساعدية، أمين عام جبهة التحرير، خلفًا لمحمد الصالح يحياوي، شريك بومدين في فكره السياسي.
وقد عمل مساعدية على طرد اليساريين من جبهة التحرير وتحويلها إلى الخط اليميني، كما غضّت الدولة الطرف عن نشاط الإسلاميين، الذين استغلوا هذه الفترة للانتشار في الجامعات، وعملوا على مواجهة القوى اليسارية.
اقتصاديًا، شجع بن جديد على التخلي عن سياسة التصنيع، وسمح للرأسماليين الجزائريين بالنشاط والتوسع في السيطرة على المؤسسات الاقتصادية، وشجع كذلك سياسة الاستهلاك، مما ساهم في توسيع الفارق الطبقي وظهور طبقة برجوازية قوية.
الإسلاميون والشاذلي:
استفاد الإسلاميون من الفرصة التي سنحت لهم، وعملوا على التوسع والانتشار في الجامعات. وانقسمت الحركة الإسلامية الجزائرية إلى عدة قوى، وهي كالتالي:
التيار الجزائري المحلي (تيار الجزأرة):
كان يقدم نفسه على أنه امتداد لنشاط جمعية العلماء المسلمين، وكانت هذه الجماعة تعتبر المفكر مالك بن نبي أستاذها، ومن أبرز رموز هذا التيار محمد السعيد وعبد الرزاق رجام.
الإخوان الدوليون:
عرفت هذه الجماعة أيضًا بجماعة الموحدين، نسبة إلى بيان أعده محفوظ نحناح في سنة 1976 بعنوان «إلى أين يا بومدين؟»، ووقعه باسم جماعة الموحدين، ردًا على الدستور والميثاق اللذين طرحهما بومدين في السنة نفسها. وكان يتزعمها محفوظ نحناح وصديقه محمد بوسليماني، وقد انتمت هذه الجماعة رسميًا إلى الإخوان المسلمين بعد أن بايع محفوظ نحناح مرشد الإخوان عمر التلمساني في أواسط السبعينيات، كما ذكر الأستاذ الطاهر سعود في كتابه «الحركات الإسلامية في الجزائر: الجذور التاريخية والفكرية».
جماعة الإخوان المحليين (جماعة الشرق):
كانت تُعرف أيضًا بجماعة الشرق لتواجدها في شرق الجزائر، وكان يقودها عبد الله جاب الله، الذي تبنى فكر الإخوان المسلمين وتأثر بأدبيات حسن البنا وسيد قطب ومحمد المبارك، غير أنه تبنى محلية التنظيم والاستقلالية عن الجماعة الأم، بعدما اختار الإخوان محفوظ نحناح ممثلًا رسميًا لهم في الجزائر.
إضافة إلى هذه الجماعات، برز أيضًا نشاط سلفي شعبي، وخصوصًا في مساجد العاصمة، وكان من أبرز ناشطي هذا التيار علي بلحاج والهاشمي سحنوني، وقد تأثرت هذه المجموعة بالمد السلفي الوهابي الذي شهدته الجزائر في الثمانينات.
وكان اعتصام الجامعة المركزية في العاصمة سنة 1982 أول تعبير احتجاجي يقوده الإسلاميون ضد الشاذلي. فقد اغتيل ناشط ضمن الحركة الأمازيغية يُعرف باسم كمال أمزال، واعتُقل طلبة إسلاميون اتهموا بتصفيته. وردًا على اعتقال هذه المجموعة، أقام الإسلاميون اعتصامًا في الجامعة للمطالبة بإطلاق سراحهم، لكن الدولة قابلت هذا الاعتصام بالقمع، في دلالة على حيز المناورة الضيق الذي سمحت به للإسلاميين في إطار سياسة الشد والجذب؛ فقد دعمتهم لمواجهة اليسار، لكنها كانت على أتم الاستعداد لقمعهم إذا ما تطلعوا إلى معارضة سياساتها.
العنف الإسلاموي المبكر:
لم يرضَ الإسلاميون عن السياسة التي تتبعها الدولة معهم، وفي أواسط الثمانينيات ستظهر في الجزائر أول مجموعة إسلامية ترفع السلاح في وجه الدولة، وهو ما يدل على أن العنف الإسلامي بدأ مبكرًا، خلافًا للسردية التي تعيده إلى توقف المسار الانتخابي.
خلال عام 1985 ظهرت جماعة إسلامية سرية أطلقت على نفسها اسم «الحركة الإسلامية المسلحة»، كان يقودها مصطفى بويعلي، إمام أحد مساجد العاصمة. اختار بويعلي منهجية العمل المسلح ضد الدولة، وبدأ نشاطه بمهاجمة مدرسة الشرطة في الصومعة، التي تبعد عن العاصمة 49 كلم، في 26 أغسطس 1985، قبل أن يلقى مصيره لاحقًا في كمين للشرطة في يناير 1987. وسيُعتقل علي بلحاج بسبب ما قيل عن تورطه مع جماعة بويعلي.
أكتوبر 1988: خريف الشاذلي
شهد عام 1988 انخفاضًا حادًا في أسعار المحروقات، ما أثر سلبًا على الوضع الاقتصادي للجزائر، إذ تزامن هذا الانخفاض مع ارتفاع مهول في حجم المديونية الخارجية، التي بلغت 26.1 مليار دولار، بحسب تقرير البنك الدولي. وقد انعكس هذا الوضع سلبًا على القدرة الشرائية للشعب الجزائري.
وكانت الجزائر نتيجة لهذا الوضع على موعد مع احتجاجات أكتوبر الشهيرة، التي بلغت ذروتها يوم 5 أكتوبر 1988، حيث هاجم جمهور المحتجين مراكز الدولة السياسية والاقتصادية والمؤسسات الرسمية، تعبيرًا عن سخطهم على السياسات الاقتصادية للشاذلي، التي لمس الجزائريون أثرها السيئ على الوضع المعيشي.
ولم تتمكن السلطة من لجم هذه الانتفاضة إلا بعد نزول الجيش إلى الشارع، الذي قمع المظاهرات بعنف غير مسبوق في تاريخ الجزائر المستقلة، ونتج عن ذلك سقوط 159 قتيلًا حسب الجهات الرسمية، في حين تشير مصادر حقوقية إلى سقوط 500 قتيل. ورغبة من الشاذلي بن جديد في تهدئة الغضب الشعبي العارم، خرج ليخاطب الشعب معبرًا عن استنكاره لما حدث، ووعد بإجراء الإصلاحات الضرورية لمعالجة الوضع المحتقن.
التعددية: قرار في غير وقته
كان طرح الشاذلي بن جديد لدستور 1989 أولى خطواته الإصلاحية، فقد أقر هذا الدستور التعددية السياسية لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة، كما ألغى التوجه الاشتراكي للدولة رسميًا، وهو ما كان تتويجًا لسياساته الرأسمالية في الاقتصاد.
وكان قرار التعددية في صالح الإسلاميين، إذ كانوا آنذاك القوة الأكثر شعبية وتنظيمًا في البلاد، خلافًا لليسار الذي ظل نخبويا، محصورًا في أوساط المثقفين، ولم تمكنه الملاحقات الأمنية التي تعرض لها من توسيع قاعدته الشعبية. ولم تكن جبهة التحرير بأفضل حال، فقد تحولت إلى جهاز بيروقراطي ملحق بالدولة، أما فكريًا فقد تحولت إلى تنظيم يميني تحت قيادة محمد الشريف مساعدية.
وهكذا كان الإسلاميون الأكثر استعدادًا لاقتناص الفرصة، إذ سارعوا إلى تشكيل أحزاب، كان أهمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي تأسست في فبراير 1989، وضمت أطيافًا شتى من الإسلاميين: تيار الدعاة الشعبيين، وعلى رأسه عباسي مدني وعلي بلحاج والهاشمي سحنوني، إضافة إلى الشباب العائد من أفغانستان، المتأثر بأدبيات الجماعة الإسلامية المصرية وتنظيم الجهاد المصري.
كما اندمجت في الجبهة مجموعة الجزأرة بقيادة محمد السعيد، وانضم إليها بعض ناشطي جماعة الشرق، مثل علي جدي وعبد القادر حشاني.
ولم تكن وحدها في الساحة، فقد شكل محفوظ نحناح حركة المجتمع الإسلامي سنة 1990، في حين أسس عبد الله جاب الله حركة النهضة. كما تشكلت أحزاب مدنية أخرى، مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي أسسه سعيد سعدي، والحركة من أجل الديمقراطية التي أسسها الرئيس السابق أحمد بن بلة، في حين نالت جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين آيت أحمد الشرعية القانونية.
الإسلاميون والصندوق:
الانتخابات المحلية:
كان الجزائريون على موعد مع انتخابات المجالس البلدية في يونيو 1990، وقد تمكنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الفوز بنسبة 54 بالمئة، وهي نتيجة كانت متوقعة، بسبب استخدام الإسلاميين للخطاب الديني، وتراجع شعبية جبهة التحرير، إضافة إلى تقديم الإسلاميين خدمات اجتماعية للمواطنين، مثل إقامة الأسواق وتقديم المساعدات الدراسية المجانية.
وقد دق هذا الفوز ناقوس الخطر لدى الرئاسة والمؤسسة العسكرية، إذ كان النموذج الإيراني بعد 1979 حاضرًا في أذهانهم، كما كان للصراع في أفغانستان والخطاب العنيف لبعض القادة الإسلاميين أثره على الداخل الجزائري.
وشهدت هذه المرحلة صدامات مع بعض رؤساء البلديات الإسلاميين، الذين أصروا على رفع شعار «بلديات إسلامية» بدل الشعار الوطني الجزائري «من الشعب وإلى الشعب»، الذي اعتبروه ذا طابع «شيوعي». كما فاقم الاستقطاب تنظيم الإسلاميين مهرجان التضامن مع الكويت بعد غزوها من طرف العراق في أغسطس 1990، وتهديد عباسي مدني بالجهاد في حال عدم إجراء الانتخابات التشريعية، وتصريحات بعض الإسلاميين بقدرتهم على اللجوء إلى العنف في حال قمع نشاطهم السياسي.
حاولت السلطة المماطلة وتأخير موعد الانتخابات التشريعية، غير أن الإسلاميين دفعوا بقوة لإجرائها عبر تنظيم اعتصام جوان 1991، الذي قمعته الدولة بعنف شديد، واعتُقل على إثره عباسي مدني وعلي بلحاج في 30 يونيو 1991، في محاولة لإضعاف الجبهة.
نُظمت الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991، واكتسح الإسلاميون النتائج، حيث حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على 188 مقعدًا، مقابل 25 مقعدًا لجبهة القوى الاشتراكية، و15 مقعدًا لجبهة التحرير.
السير نحو المجهول:
شكلت هذه النتيجة صدمة للمؤسستين الرئاسية والعسكرية، وكان تنظيم الجولة الثانية بمثابة تسليم للسلطة التشريعية للجبهة الإسلامية، وهو ما اعتُبر تهديدًا لهوية البلاد المدنية واستقرارها.
وكان أمام القيادة العسكرية خياران:
إما تنظيم الجولة الثانية، التي من المحتم أن تفوز بها الجبهة الإسلامية، فتتحول البلاد إلى «أفغانستان جديدة» ويُطاح بالنظام الجمهوري، وإما توقيف الانتخابات، وهو إجراء يُعد إجهاضًا لأول تجربة تعددية حقيقية في الجزائر.
وقد فاقم الوضع قيام مجموعة من الإسلاميين بمهاجمة ثكنة عسكرية في قمار، جنوبي البلاد، في نوفمبر 1991.
ورغبة من حسين آيت أحمد في تخفيف الاحتقان، نظم تظاهرة وطنية رافعًا شعار «البديل الديمقراطي» بدل الخيارين الإسلاموي والأمني. غير أن الجزائر كانت تسير نحو المجهول، نتيجة تعنت قيادة الجبهة الإسلامية من جهة، ورفض المؤسسة العسكرية استمرار المسار الانتخابي من جهة أخرى.
وفي 11 يناير 1992 استفاق الجزائريون على قرار استقالة الرئيس، الذي تشير بعض المصادر إلى أنه تم بدفع من المؤسسة العسكرية. وكان تعطيل المسار الانتخابي بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الاقتتال الأهلي، وأدخلت البلاد في دوامة عنف متبادل، ذهب ضحيته آلاف الأبرياء، إضافة إلى إجهاض أول تجربة تعددية وإعاقة الانتقال الديمقراطي.
خلاصة تقييمية:
لم تكن العشرية السوداء ناتجة عن تعطيل المسار الانتخابي فقط، بل كانت حصيلة لصيرورة اقتصادية وسياسية بدأت منذ وفاة بومدين وحتى 1992، أدت إلى ارتفاع منسوب الفقر، واتساع الفارق الطبقي، وغياب دولة الرعاية.
كما أن ضعف القوى اليسارية والديمقراطية أتاح للإسلاميين التوسع القاعدي، واستغلال غضب الجزائريين من الوضع المعيشي، وتحويله إلى قوة مدمرة للتوازن والاستقرار الهش.
وجاء قرار التعددية في ظل أزمة، فكانت النتيجة «ديمقراطية مريضة»، بتعبير الأستاذ عبد الحميد مهري، الذي قال إن الديمقراطية التي تحتاج إلى حماية الدبابة هي ديمقراطية مريضة.
وبذلك أُنهي هذا المقال بالدعوة إلى مناقشة أزمة الديمقراطية العربية، التي لم يستطع التيار المدني الديمقراطي، للأسف، أن يُحسن استغلال فرص الانتقال الديمقراطي فيها، وكأن وطننا العربي كُتب عليه أن يظل دائمًا يندب فرصه الضائعة… وما أكثرها.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟