أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمر الشاطر - فيلم البريئ- عندما تقمع الحرية بالبراءة:















المزيد.....

فيلم البريئ- عندما تقمع الحرية بالبراءة:


عمر الشاطر

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 16:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تساؤل:
"صدام، ضرب، ثم ركض"؛ يبدو المشهد مألوفاً لديك عزيزي القارئ، فقلما تخلو مظاهرة في بلادنا العربية "الديمقراطية" (بين أكثر من ظفرين) منه. ولكن، هل تساءلت يوماً عن الدافع الذي يجعل ذلك المجند ينقض بوحشية،حاملاً هراوته في أحسن الأحوال، وفي أسوء الأحوال مستخدما رشاشه للتصويب على المتظاهرين رغم أنهم يطالبون بمطالب مشروعة وفي صالح الجميع، بما فيهم ذلك المجند؟
والغريب أنه إذا نزع بزته الأمنية، لم يبق سبب للعداوة بينه وبين الشخص الملقى على الأرض. والتساؤل نفسه يتعلق بذلك الشخص المغرر به والمدفوع بوهم خدمة الله، أو المبدأ الذي يرى فيه هو نبلاً، إلى تفجير نفسه وسط الأبرياء؛ سواء من أهله أو من شركائه في الإنسانية التي يفتقدها. ما هوالسبب الذي يحول هؤلاء الأشخاص من أبرياء إلى وحوش آدمية تفوق وحشيتهم
الضواري؟
فيلم البريء:
للإجابة على هذا السؤال، عدت إلى فيلم "البريء" الصادر في عام 1986،الذي يعتبر من بين أهم الأفلام التي طبعت الذاكرة العربية، ولا عجب؛ فهو من تأليف السيناريست الجريء وحيد حامد، وإخراج المبدع عاطف الطيب،وبطولة كل من النجوم: أحمد زكي، محمود عبد العزيز، جميل راتب، وممدوح عبد العليم، وصلاح قابيل.
يصور الفيلم قصة "أحمد سبع الليل" (أحمد زكي)، والذي يعيش في إحدى القرى المصرية الهادئة على الهامش المصري، ويحيا حياة الفقر والفاقة،ويتعرض للإهانة من شباب القرية بسبب ضعفه العقلي. تدفعه هذه الظروف التي يعيشها للالتحاق بجهاز الأمن المركزي بحثاً عن فرصة حياة أفضل،غير أن هذا الالتحاق لم يكن بوظيفة عادية، بقدر ما كان التحاقاً بآلة القمع الوحشية التي تدهس الجميع في دورانها حتى مشغليها في مشهد يعيدنا إلى أدب فرانز كافكا.
الآخر هو العدو:
ويُفرز سبع الليل للعمل في إحدى المعتقلات، تحت إشراف اللواء شركس (محمود عبد العزيز). هذا الأخير سيعمل على تحويل سبع الليل من شخص بريء إلى وحش آدمي، مستغلاً حاجة سبع الليل إلى الانتماء إلى هدف أسمى ومكانة عالية، وكذلك من خلال تحويل المعتقلين إلى أرقام وآخرين تنعدم الإنسانية لديهم في رأي اللواء شركس، ولا يستحقون التعاطف بسبب خيانتهم للوطن أو الإجماع أو المقدس في نظره.
وهو ما يستعيد في أذهاننا التقنية التي تستخدمها المنظمات التكفيريةوالإرهابية التي تحول المختلف إلى عدو؛ لكي تبرر لعضوها كل ما يمارسه ضد الآخر من إقصاء وقتل وعنف، فهو آخر يختلف عن أعضاء المنظمة أوعن الجهاز القمعي الأمني. فالجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر G.i.a في التسعينات، عندما ذبحت الأبرياء في "بن طلحة" و"الرمكة"، لم تكن تذبح في نظرها سوى مرتدين لا يستحقون الشفقة، وكذلك فعلت المنظمات اليمينية في "تل الزعتر" في العام 1976. تعدد القمع والإجرام والضحية واحدة دائماً؛ هي الإنسان.
تفاهة الشر:
وتمتاز شخصية اللواء شركس بالتعقيد والصعوبة، فهو يكتسي مظهرين: إنسان عاطفي ودود مع أهله وأطفاله، في المقابل يكتسي داخل المعتقل مظهر السادي الوحشي؛ يتلذذ بتعذيب المعتقلين والتقليل من إنسانيتهم، لا لشيء سوى إرضاء ميوله السايكوباتية، في استعادة من المؤلف لفكرة "تفاهة الشر" لدى المفكرة حنا أرندت، والتي تعتبر أن هناك من الجلادين من يعذب ضحاياه ويبالغ في إيذائهم لا لشيء سوى طاعة الأوامر المعطاة له من قبل مديره،وهكذا يصبح التعذيب لديه مجرد تفانٍ في العمل وإخلاص لمشغله.
الحدث الصدمة:
يستمر سبع الليل في تنفيذ مهامه بإخلاص حتى يتلقى صدمة حركت ضميره الغافي، وتمثلت هذه الصدمة في صراعه مع أحد السجناء (صلاح قابيل). هذا السجين حاول أن يهرب من السجن ولحق به سبع الليل، ودار بينهما صراع ما حرك وجدان سبع الليل هو قدرة السجين على قتله، لكنه فضل أن يموت على أن يقتل، في مشهد لا تليق إنسانيته بذلك المكان. وانتهت حياة السجين وهو يطلب من سبع الليل أن يفكر وأنه ليس عدواً له: "أنا مش عايز أقتلك، أنت مش فاهم حاجة يا حمار"، في حين كان سبع الليل يردد: "أنت عدو الوطن والله". لينتهي المشهد التراجيدي بوفاة السجين،والذي أنهى بوفاته سلام سبع الليل النفسي، وأدخله في دوامة أسئلة وجودية تدور حول: الغاية من وجوده في هذا السجن؟ والغاية من تعذيب هؤلاء المعتقلين؟ولم تفلح الترقية التي منحها شركس لسبع الليل في إنهاء هذه الدوامة.
موت الصديق ثمناً للاستفاقة:
أُلقي القبض على مجموعة من المعتقلين كان من بينهم "حسين وهدان" (ممدوح عبد العليم)؛ حسين كان صديق سبع الليل وابن قريته الذي لطالما صد عنه تحرشات المتطفلين من أبناء القرية، وعلمه دائماً معنى الوطن والوطنية. فكيف يتهم حسين بالخيانة للوطن ويقتل من قبل من زعم أنه حارس الوطن؟ وتاريخيا ألم يمت الرفيقين الخالدين فرج الله الحلو وشهدي عطية في السجون الناصرية؟ رغم تقدمية وإنجازات الزعيم جمال عبد الناصر إلا أن الجهاز البيروقراطي كان أقوى من طهرانيته ومثاليته وفشل ناصر في السيطرة على آلة القمع والتي كانت بمثابة ساق أخيل في نظامه التقدمي.
مثلت وفاة حسين ذروة الأزمة الوجودية التي مر بها سبع الليل، ودفعته إلى قتل اللواء شركس في سعي منه للقضاء على آلة القمع، لكن ما تحقق هو قتل المظهر، في حين بقي محرك الآلة وجوهرها شغّالاً. وهو ما تمثل في قتل مجند جديد لسبع الليل بعدما تخلص الأخير من شركس؛ هذا المجند سيتعلم بأن سبع الليل كان وحشاً خائناً، دون أن يدرك بأن مقتل شركس وسبع الليل كان تعبيراً عن الأزمة المكتومة التي يعيشها المجتمع الإنساني المحكوم بالقمع والخوف، ولتستمر أسطوانة القمع في الدوران دون توقف، إلى حين يستفيق الإنسان ويتخلص من خوفه ويدرك جوهر وجوده وأسمى قيمه؛ وهي الحرية.
ولو نظرنا إلى الفيلم من منظور هيغلي نجد أن المعتقلين قد انتصروا على الجلادين، عندما تحدوهم وثبتوا أمام وحشيتهم محافظين على إنسانيتهم، ومبادئهم وقد عبر مشهد رفض السجين لقتل سبع الليل عن إدراكه قيمة الحياة حتى لو كانت حياة جلاده وهي مفارقة أجدها في غاية السوريالية.
مصير فرانكشتايني:
والغريب أن هذا الفيلم جاء كاستشراف لما عاشته القاهرة في أحداث "تمرد الأمن المركزي" في فبراير 1986، حيث شهدت القاهرة مظاهر احتجاج وتمرد قام بها مجندو الأمن المركزي قبل أن يُقمع هذا الاحتجاج من قبل الجيش المصري بعد نزوله إلى شوارع القاهرة، في دلالة إلى خطر خروج الوحش القمعي وتحوله إلى غول "فرانكشتايني" ينقض على صانعه.
ولهذا السبب قامت الرقابة بحجب نهاية الفيلم الاصلية حتى العام 2005 حيث سيسمح بعرض الفيلم كاملا وبنهايته الأصلية.
آلة القمع هي المشكلة:
وقد اخترت أن أنهي هذا المقال بقول لعالم النفس والفيلسوف الشهير إريك فروم: "ليست المشكلة في الإنسان، بل في المجتمع الذي يحوله إلى أداة للاقتصاد". وأنا أقول: ليست المشكل في الإنسان، بل في آلة القمع والديكتاتورية التي تحول براءته إلى وحشية. فالإنسان لم يولد شريراً بطبعه بل جاء كصفحة بيضاء إلى هذه الحياة كما قال جون لوك، لكن ما يمر به من ظروف وأحوال هي التي تشكل شخصيته وتدمر براءته أحيانا.



#عمر_الشاطر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيلم البداية- هل عودتنا إلى اليوم الأول كفيلة بإصلاح الحاضر؟
- وردة الاتحاد بين اليناعة والذبول- كيف تحول الاتحاد من محاربة ...
- وردة الاتحاد بين اليناعة والذبول- كيف تحول الاتحاد الاشتراكي ...
- في ذكرى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل- الاتحاد من حشاد إ ...
- حينما تصبح الحياة سلعة - قراءة في فيلم The truman schow:
- البيريه والإذاعة- قراءة في الانقلابات العسكرية:
- في ذكرى 11 يناير 1992: هل احتاجت الديمقراطية إلى حماية الدبا ...


المزيد.....




- فيصل بن فرحان يوضح رؤية السعودية للعلاقة مع الإمارات والاختل ...
- الغموض يخيّم على شمال شرق سوريا مع مواجهة الأكراد لتهديدات ج ...
- قانون بوابة شرق المتوسط: خطوة أمريكية لتعزيز البنية التحتية ...
- فرنسا - الجزائر: سيغولين روايال تزور الجزائر على خلفية توتر ...
- إسرائيل تعلن استعادة رفات آخر رهينة بغزة وحماس تعتبر العملية ...
- كيف ستتعامل مصر مع قرار إسرائيل فتح معبر رفح بشكل محدود وتحت ...
- رئيس وزراء السنغال في المغرب.. هل تُطوى صفحة النهائي الساخن ...
- ترسلة.. من أثر تاريخي إلى قاعدة استيطانية عسكرية تهدد شمال ا ...
- الجزيرة ترصد تحركات روسية بمحيط مطار القامشلي في سوريا
- المطرب أحمد سعد يتراجع عن تصريحاته بشأن -ذا فويس- ويعتذر لجم ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمر الشاطر - فيلم البريئ- عندما تقمع الحرية بالبراءة: