أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي حمدان - التجديد الليبرالي للترات















المزيد.....



التجديد الليبرالي للترات


علي حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 18:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التجديد الليبرالي للتراث
إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني
كتب: وائل ابو عقصه*
ترجمة : علي حمدان

كان من أبرز التحولات في الخطاب الفكري العربي بعد عام 1967 انشغال فكري مكثف بمسألة التراث التاريخي، من قبل مثقفين ينتمون إلى تيارات سياسية علمانية غير إسلامية. وكان الافتراض النظري الذي استندت إليه معظم هذه الأعمال هو ضرورة إنتاج أساس إسلامي عربي "أصيل" للحداثة، لتجاوز ما وُصف بأنه أيديولوجيات "مستوردة" و"سطحية" و"غربية". وسعى الخطاب الفكري حول التراث إلى خلق أطر مرجعية جديدة لمسائل الشرعية في الفكر العربي، وهدف إلى تقديم تفسير وفهم حقيقيين للعصر المعاصر، الذي كان يُنظر إليه على أنه يمر بأزمة.
أدى صعود وسقوط النقد الماركسي الحديث وأزمة الفكر العلماني في أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى ظاهرتين متناقضتين بين المثقفين اليساريين: تحول ميتافيزيقي نحو التراث الإسلامي، وبداية انتقال نحو الليبرالية بلغ ذروته في نهاية الحرب الباردة. شهدت سبعينيات القرن العشرين صعود الإسلام السياسي. وقد أدى انهيار الفكر اليساري السائد (الناصرية) بعد حرب 1967، والدور القيادي لدول الخليج النفطية المحافظة في السياسة الإقليمية العربية، وصعود السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا، إلى تراجع النظام الإقليمي ومفاهيمه السياسية - "المعسكرات المحافظة والرجعية" مقابل "المعسكرات التقدمية والجمهورية" - التي شكلت الخطاب السياسي لما قبل عام 1967. وقد عززت الثورة الإيرانية عام 1979 صعود الإسلام السياسي.
شكلت التغيرات الرئيسية على المستوى السياسي سياق الانشغال الفكري بالتراث. بالإضافة إلى التغيرات الداخلية العربية، تجلّى ذلك في تراجع نظرية المعرفة الثورية (الثورة) وشهدت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين ظهور نقد يساري جديد متأثرًا بصعود ما بعد الحداثة (وخاصة أعمال ميشيل فوكو)، والذي هدف إلى تفكيك أسس التنوير، والمركزية الأوروبية، والعقلانية. نجح الإسلام السياسي من جهة وما بعد الاستعمار من جهة أخرى في فرض نقدهما على موضوع أصالة الفكر العربي، خاصة خلال الثمانينيات والسنوات التي تلتها.
تتميز الأعمال في مجال التراث بالشمولية، كما يتضح في المشاريع الفلسفية التي استكشفت مفاهيم مستمدة من مجال المعرفة، كالعقل العربي والإسلامي. وقد أثمر هذا الاهتمام أبرز وأشمل الأعمال في مجال الفكر والفلسفة باللغة العربية في العصر الحديث. بعض العلماء، مثل محمد عمارة، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، عرّفوا أنفسهم بالقومية العربية والإسلامية؛ وآخرون، مثل حسين مروة وغالي شكري، وطيب تيزيني، عرّفوا أنفسهم بالماركسية؛ بينما عرّف آخرون، مثل زكي نجيب محمود، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، أنفسهم بالليبرالية؛ وقد أثرى هؤلاء جميعًا الساحة الفكرية العربية بأعمال ركزت على قضية التراث من منظورات أيديولوجية مختلفة. شمل الجدل الدائر حول التراث مجموعة متنوعة من المواضيع السياسية مثل الهوية السياسية، وروايات التاريخ الوطني، والأخلاق، ووضع الدين في الدولة.
كان تركيز الخطاب الفكري خلال سبعينيات القرن العشرين وما بعدها على موضوع التراث مصحوبًا باهتمام عام ومؤسس تجلى في تنظيم مؤتمرات وندوات عامة في العديد من الدول العربية. رأى ماركسيون بارزون هذا التوجه بين اليساريين واليساريين السابقين، والليبراليين، على أنه رجعي. واعتبروه في المقام الأول تجسيدا لتزايد نفوذ الإسلام السياسي على الخطاب السياسي العلماني ومظهرا من مظاهر أزمة اليسار التقدمي.
على سبيل المثال، علّق جورج طرابيشي عام 1974 على البيان المشترك للعلماء المجتمعين في الكويت لمناقشة قضية التراث. جادل بأن هذا البيان يُمثّل أزمة المثقفين التقدميين ويُكرّس "الشعور بالتخلف". اتفق الفيلسوف المصري اليساري الشهير فؤاد زكريا مع هذا الرأي، وأكّد على الصلة بين الخطاب الفكري والممارسة الاجتماعية. ورأى أن المأساة الكبرى لهذا التوجه هي تجلّيه الشعبي، حيث تمّ من خلاله تجنيد العلماء لحماية الحجاب، وإطالة اللحى، وارتداء الأزياء "الإسلامية" الأخرى التي تُعتبر جزءًا من النهضة الأصيلة المتوقعة. وجد التنوير العربي، الذي وُصف بـ"العلماني"، نفسه في موقف دفاعي عندما تمّ تقديم "العلمانية" بصورة سلبية، باعتبارها رأس حربة للإمبريالية الثقافية. كان انشغال المثقفين العلمانيين بالنصوص الدينية، بالنسبة له، تعبيراً عن هزيمة مطلقة.
كان الدافع الرئيسي للنقد اليساري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين والافتراض بأن انشغال اليسار بالتراث يعني تبني موقف نسبي تجاه الثقافة. وقد قوضت هذه النسبية وحدة التنويرين خلال استخدام تعريفات للأفكار والمعايير التي تعود أصولها إلى الأيديولوجية الإسلامية السياسية. جادل الخطاب الإسلامي بأن التراث" هو الأصل الأصيل للأمة الإسلامية؛ وبالتالي، فإن أي أيديولوجية لا جذور لها في هذا الإطار ليست إلهية هي دخيلة. وقد تبنى العديد من اليساريين هذا الافتراض خلال سبعينيات القرن العشرين. في الواقع، على الرغم من النقد اليساري للانشغال الفكري بالتراث، فقد أصبحت فكرة أهمية التراث الإسلامي في الحياة السياسية العربية مفهومًا سائدًا. بعد سبعينيات القرن العشرين، أدرك المفكرون العلمانيون ضرورة أن تكون أيديولوجيتهم السياسية متجذرة في التاريخ المحلي. ومن الأمثلة على هذا التحول الفكري تطور فكر الطرابيشي، الذي انخرط بعمق في مفهوم التراث خلال أواخر ثمانينيات القرن العشرين على الرغم من الاقتباسات المتكررة من سبعينيات القرن العشرين من مرحلته الماركسية.
خلال ثمانينيات القرن العشرين، أبرزت حدود التعريف العربي الإسلامي للتراث التصورات العرقية الدينية لدى المثقفين الذين تم تعريفهم بالقومية العربية والإسلاموية. استند نقدهم الثقافي إلى فكرة أنه لا يمكن أن يكون هناك بناء أيديولوجيا و اجتماعي أو سياسي مشروع خارج إطار التراث العربي الإسلامي. على سبيل المثال تم تصوير التاريخ العربي الحديث للقرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الذي أطلق عليه العديد من المفكرين العرب اسم النهضة على أنه نتاج ثقافة منحطة متبناة من الغرب الإمبريالي، وبالتالي أدى الى الفشل. أحد الفلاسفة البارزين الذين يمثلون هذا التوجه هو محمد عابد الجابري، الذي كتب عام 1980 أن الليبرالية تساوي "الاستغلال الطبقي، والتلفيق الأيديولوجي، والهيمنة الإمبريالية.
يتناول هذا الفصل الانشغال بالتراث من منظور الأفكار السياسية المنهجية. ونقدم بالتفصيل إسهامات السيد القمني جدل التراث في سياق الصراع بين مختلف الأيديولوجيات. وقد يكشف عرض أعماله في السياق العام للفكر العربي عن الانقسام السياسي الكامن وراء النقاش الفكري العربي في مواضيع مثل الذاكرة الجمعية، والقومية، والديمقراطية، والدين، والأخلاق، ومن هذا المنظور، نبين كيف تشكل أعمال القمني المتعلقة بـالماضي والحاضر أيديولوجية ليبرالية شاملة أو رؤية للعالم تم التعبير عنها باللغة العربية بمصطلح "الليبرالية" – وهي تيار سياسي يمثل احد رموزها.
السيد القمني عالم مصري بارز، انخرط بعد ثمانينيات القرن العشرين انخراطاً عميقاً في المسعى الفكري العربي لإعادة تعريف موضوع التراث. وسعى القمني من خلال مؤلفاته إلى إرساء أساس معرفي لرؤية عالمية ليبرالية تهدف إلى تعزيز الجذور الأصيلة للنظرية الليبرالية في التاريخ الوطني المصري.
وُلد القمني عام 1947؛ وكان والده تاجرًا وخريجًا من الأزهر. بدأ مسيرته الفكرية كقومي، وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين - لا سيما بعد الغزو العراقي للكويت -تحوّل إلى الليبرالية. منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، أصبح القمني أحد أبرز المدافعين عن الليبرالية المصرية، وربما الأكثر انتقادًا للإسلام السياسي. لم يقتصر نشاطه الجدلي على المؤلفات المكتوبة، بل امتدّ إلى وسائل الإعلام الشعبية أيضًا. في هذا الصدد، يجدر بالذكر أنه شارك ثلاث مرات في مناقشات على أحد أشهر البرامج التلفزيونية باللغة العربية، برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، حيث هاجم الإسلام السياسي بشدة. كتب أطروحته للدكتوراه تحت إشراف فؤاد زكريا. وفي عام 1988، نشر أطروحته ككتاب بعنوان "رب الثورة: أوزريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة".
تنقسم أعمال القمني إلى ثلاث فئات رئيسية: أعمال تركز على التاريخ القديم للمنطقة (وقد جُمع بعضها تحت عنوان
الإسرائيليات أو "التراث اليهودي العبري")؛ وأعمال تركز على تأسيس الإسلام (والتي جمعها تحت عنوان الإسلامية أو "الأعمال الإسلامية")؛ ومجموعته من المقالات حول المواضيع اليومية التي كتبها للصحف والمجلات المصرية.

توسيع حدود التراث: تعدد الماضي، وتنويع الحاضر
في كتابه "الأسطورة والتراث" (1991)، يؤكد القمني أن الاهتمام الكبير الذي أبداه الباحثون العرب بموضوع التراث كان نتيجةً لفشل مشروع الحداثة العربية الذي تبناه المفكرون والأنظمة الثورية التقدمية ويتابع قائلاً: "إلى هذا الفشل العام، لم يجد الفكر العلماني العربي قاعدة اجتماعية راسخة في المجتمعات العربية".ويعزو السبب الأبرز لهذا "التوجه الهائل" نحو الماضي إلى الأثر السلبي لإسرائيل على جيرانها. إضافةً إلى الجرح الغائر للفخر القومي العربي، قدّم النظام الإثني الديني الإسرائيلي نموذجا لاتجاهات مماثلة في البيئة العربية.
يوضح القمني أن "الجماهير العربية" تشعر بالحاجة إلى أيديولوجية جماعية تستمد مرجعتيها في الإسلام. فبالنسبة لهم، يصبح الإسلام المُؤَدلج بالنسبة لهم أمة وعرق"، وبالتالي يشمل جميع المسلمين في كل مكان. ويتابع قائلاً إن المنطق الأيديولوجي الذي تجاوز هذا التجنيد الهائل، أطال المواجهة مع إسرائيل وحوّل النزاع العربي الإسرائيلي إلى نزاع مسلم-يهودي - صراع بين "أفضل أمة أُخرجت للبشرية [الشعب المسلم] ضد الشعب المختار [الشعب اليهودي]".
هكذا يفهم القمني، الذي يعتبر نفسه ابنًا لهزيمة عام 1967الحنين العربي إلى التراث. مثله مثل العديد من العلمانيين السابقين، وخاصة الماركسيين، يعتبر هذا الانخراط الفكري نتيجة ازمة ثقافية عميقة. أدت هذه الأزمة إلى تقديس مفهوم التراث، الذي شكل جوهر الشرعية في النهضة العربية المنشودة. من هذا المنظور، تشكل أعمال القمني محاولة مستمرة لإعادة تعريف، وتوسيع، وتحدي التعريفات التي تطورت في سياق الأزمة الثقافية. يُعرّف التوجه الأيديولوجي الذي شكل تفسيره للتاريخ بأنه الليبرالية، التي تبناها كـ "مبدأ، أيديولوجية ونموذج لإنقاذ" مصر.
على غرار المدرسة المصرية الليبرالية القومية في فترة ما بين الحربين العالميتين، التي أسسها أحمد لطفي السيد وطه حسين، يتبنى القمني الليبرالية كأيديولوجية شاملة. ففي حالته، لا تقتصر الليبرالية على كونها جوهر موقفه من التيارات السياسية والقيم الاجتماعية والدينية فحسب، بل إنها تُشكّل أيضًا تصوره للتاريخ والذاكرة الجمعية. ويؤكد القمني أن التعريف العربي للتراث لا ينبغي أن يقتصر على التراث الإسلامي العربي في العصور الوسطى، كما حدده المفكرون القوميون العرب والسياسيون. يرى أن الحدود الزمنية للتراث ينبغي أن تشمل أيضاً تاريخ ما قبل الإسلام وما قبل العرب للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ولا ينبغي حصر بدايته في "عصر التدوين".

يشير القمني إلى هذا النقد في "مشروع" الجابري الذي بدأ بكتابه "نحن والتراث" (1980)، واستمر من خلال سلسلته كتاب "نقد العقل العربي" (2002). الجابري، الذي ينحدر من خلفية عربية جامعة، حصر تعريفه للتراث في التاريخ الإسلامي العربي، وتحديدًا في عصر التوثيق في القرن الثامن الميلادي. يرى أن هذا العصر شهد بداية تطور العقل العربي، أو الوعي التاريخي العربي. وقد مثلت هذه التعريفات الزمنية بداية بناء ما سيُعرف بالتراث، أو كما يقول الجابري، "إطار الشرعية والإحالة إلى الجانب العربي من الأمور". وآخرون، مثل محمد أركون، وسّعوا تعريف التراث ليشمل "التقاليد الإسلامية الواسعة"،بحيث يمكن أن ينعكس مظهره في الأساطير والقصص الشفوية. وقد لعبت هذه العناصر دورًا فاعلًا في تشكيل "الخيال" الذي شمل في مراحل لاحقة في مسيرة أركون التراث المتوسطي التوحيدي.
يُوسّع القمني، الذي يكتب بصفته مصريًا لا عربيًا أو مسلما التعريفات الزمنية للتراث. ويؤكد أن المثقفين العرب والإسلاميين يستخدمون هذه التعريفات لتأسيس الذاكرة التاريخية والهوية السياسية، وهي عملية تنظر إلى التاريخ القديم على أنه غريب أو تعترف به فقط بعبارات سلبية، مثل الجاهلية، أي "العصر البربري" الذي حكمه الطغاة والزنادقة.
يرى القمني أن مفهوم الذاكرة الوطنية لمصر كقصة تبدأ بالفتح الإسلامي لعمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي هو مفهوم خاطئ تماماً. فقد بدأ تاريخ مصر قبل ذلك بآلاف السنين، وسجل تاريخها القديم أول مملكة في تاريخ العالم.
لا تقتصر الموروثات التاريخية المصرية على التاريخ العربي فحسب، بل تشمل أيضًا التاريخ الفرعوني واليوناني والروماني والمسيحي والإسلامي. ينبغي إدراج جميع هذه الموروثات في تعريفات تاريخ مصر والدول العربية المجاورة لها. يرى القمني أن المرحلة التاريخية العربية والإسلامية لمصر هي إرث احتلال لا يختلف عن إرث الرومان أو أي ثقافة أخرى أثرت بعمق في النسيج المصري المحلي. ويجادل بأن الفتح الإسلامي لمصر كان في الواقع شكلاً من أشكال الاستعمار تضمن الاستيطان وفرض ثقافة أجنبية.
لا يقتصر مفهوم القمني للتراث على مجرد ادعاءٍ بالتاريخ الوطني؛ بل إن تعريفه قائم على حججٍ وضعية. والمنهجية التي يقوم عليها تتأثر بشدة بأعمال المؤرخ السوري المتخصص في الأديان والأساطير القديمة، فراس السواح، ومؤلفات من مجالاتٍ كالفرويدية والبنيوية. وتستند افتراضات القمني النظرية على فكرة أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى تفسير حياتهم ووجودهم. ويتجلى هذا الميل في اللغة والدين والأساطير، وكل تعبير ثقافي يُستخدم للحفاظ على بنى المعنى الخفية. وبهذا المعنى، يُنظر إلى تاريخ المنطقة على أنه متسق، قبل وبعد ظهور التوحيد.
يستخدم القمني هذه المنهجية لتفسير تاريخ الأديان في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السلطة. ويسلط الضوء على العلاقات بين الأديان التوحيدية، والأساطير والتقاليد الوثنية ما قبل الإسلام وما قبل التوحيد. ويتأصل نهجه العلماني في تصوره القومي، الذي يفترض أن جزءًا من ثقافة مصر القديمة قد تحول ونجا من التوحيد والإسلام. ويتسم نهجه بالعقلانية، إذ يؤكد أن العقلانية تتجاوز تطور الأساطير والأديان وتحولاتها.
على عكس القوميين العرب، والإسلاميين اليساريين، والليبراليين مثل الجابري، وحسن حنفي، وزكي نجيب محمود، الذين سعوا إلى التأكيد على التقاليد العقلانية داخل الإسلام، وبالتالي إهمال أو تجاهل التقاليد الأخرى التي يعتبرونها غير عقلانية، يرى القمني أن فهم التاريخ دون عنصر الأساطير ليس دقيقًا ولا علميًا لأنه يتجاهل تأثير التقاليد الجاهلية على الإسلام. وينتقد هذه المناهج الانتقائية بحجة أن هؤلاء الكتاب يعتبرون الأسطورة خرافة، وقد أشار القمني إلى أن تجاهل دور الأسطورة في صياغة التوحيد يشوه التاريخ الوطني بفصل شعوب المنطقة عن تراثها الوطني.
في كتابه "رب الثورة"، أطروحته للدكتوراه التي نُشرت لاحقًا ككتاب، ركّز القمني حصريًا على التاريخ الفرعوني. وناقش تطور فكرة "الإيمان بالأبدية" في مصر القديمة. هذه الفكرة، وفقًا لتفسيره، هي نموذج أولي لمفهوم الإله الموحد ككيان أبدي ويفسر تطور هذا المفهوم في مصر القديمة كنتيجة للصراع الاجتماعي بين الطبقات الدنيا والعليا. هذا الصراع أدى إلى الثورة التي أنهت الأسرة السادسة ومثّلت ظهور عن آلهة جديدة تُعنى بمصالح عامة الشعب بدلاً من الأرستقراطية. من بين استنتاجات القمني الادعاء بأن الديانة المصرية القديمة كانت أول من أنتج فلسفة ما وراء الطبيعة، حتى قبل الإغريق، وأن العقيدة المصرية القديمة احتوت على فكرة الخلق كنتيجة للوغوس وقدمت نموذجًا أوليًا لفكرة الجنة والنار. بالإضافة إلى ذلك، كانت أفكار شائعة مثل الخلود، والبعث، والخلاص، وطقوس مثل المعمودية والحج قد تطورت بالفعل في مصر القديمة.
يُفصّل القمني هذه الحجج في كتابه "الأسطورة والتراث"، مُجادلاً بأن:ظهور التوحيد هو المرحلة الأخيرة في تطور الدين، الذي يبدأ بـ "طقوس مُخصصة للطبيعة، وعبادة الأجداد... والشرك وإله قومي" وينتهي بـ "الإله الكوني" . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يستكشف القمني تحوّل الأساطير عبر الديانات الوثنية القديمة إلى اليهودية والمسيحية والإسلام. ومن بين الأفكار والطقوس المُتحولة العديدة التي يصفها: مفهوم المسيح أو النبي الملك؛ فكرة التضحية؛ قصة الطوفان؛ وقصة الخلق. خصص كتابه "قصة الخلق" (1994) لهذا الموضوع، مقارنًا بين الروايات الأوغاريتية والبابلية للقصة والروايات التوحيدية اللاحقة.
باستخدام هذا التفسير، يجادل القمني بأن جزءًا من التراث الإسلامي للشعب المصري ذو أصل أجنبي، ومستمد من القصص التوراتية. هذه القصص موروثة من ثقافات ما قبل العبرية، جمعها العبرانيون القدماء، وحرّفوها لتناسب دينهم القومي، ولتبرير احتلالهم وتأسيس مملكتهم.على سبيل المثال، تُفسَّر قصة قابيل وهابيل التوراتية، وفقًا لمنهجه، على أنها قصة تُظهر الله مُفضِّلًا العبرانيين الرحل (الذين يُمثِّلهم هابيل الراعي) على المصريين والكنعانيين والبابليين، وهم سكان المنطقة الزراعيون (الذين يُمثِّلهم قابيل).
انطلاقًا من هذا التصور للتاريخ القديم، يجادل القمني بأن القومية العربية والإسلام السياسي قد تبنّيا روايات عبرية أجنبية (الإسرائيلية) حول التاريخ الوطني لشعوب المنطقة هذه قدّمت الروايات الفرعونية والكنعانية وغير العبرية لشعوب المنطقة بصورة سلبية. وتم تصوير تاريخ المنطقة قبل العرب وقبل التوحيد كعصر من الهرطقة والهمجية. وقد تبنّت المسيحية والإسلام هذا التراث المشوّه وقامت القومية العربية والإسلام السياسي بإضفاء الطابع المؤسسي عليه. لذا، فإن تعريب أو أسلمة التراث يُعدّ بالضرورة تشويهاً تاريخياً للذاكرة الوطنية وللتراث الأصيل: "إن غياب الوعي الحقيقي بالتراث الأصيل، كنتيجة لغياب التوجه النقدي، هو الخطر الحقيقي الذي يُهدد هذه الأمة [مصر]... وهو أسوأ أنواع الاستعمار." هذا المفهوم هو الأطروحة الرئيسية التي استندت إليها أعمال القمني في التاريخ القديم. من منظور سياسي، تُفكك أعماله في هذا السياق القصص التوراتية من خلال تقديم روايات بديلة وعلمانية عن أنبياء اليهودية، المسيحية، ثم الإسلام لاحقًا، وبذلك أعاد بناء التاريخ الوطني لـمصر والدول المجاورة لها. وختامًا، فإن نقد القمني الليبرالي للتراث لا يقتصر على التاريخ العربي والإسلامي فحسب، بل يشمل أيضًا التاريخ القديم قبل العرب وقبل الإسلام. يرتكز تصوره على منهج علماني يعتبر التعريفات العربية والإسلامية للتراث امتدادًا للتوحيد. ومن خلال توسيع النطاق الزمني للتراث، سعى القمني إلى تقديم خطاب سياسي بديل لكل من القومية العربية والإسلام السياسي. وتختتم الرسالة السياسية لأعماله التاريخية بالقول ان جميع روايات الأديان التوحيدية، بما فيها الإسلام، تؤكد في الواقع أسس الصهيونية. كان توحيد الخصوم الداخليين (القومية العربية والإسلام السياسي) والخصوم الخارجيين (الصهيونية) استراتيجيته الحاسمة. وفي هذا الصدد، شكّل رفض الدولة العرقية الدينية والتطلع إلى نموذج ديمقراطي ليبرالي نظرته إلى موضوعين أساسيين: الدين والهوية الجمعية.

تحرير الدين، تحرير الوطنية
القمني ليس عالم آثار محترفًا ولا مؤرخًا. يُعرّف مجاله بأنه علم اجتماع الدين، ويُفسّر اهتمامه الكبير بالإسلام بأنه نابع من خشيته من أن الإسلام السياسي بدأ يفرض نمطًا جديدًا من الحياة. تتأثر أعماله في مجال التاريخ تأثرًا عميقًا بالتحديات اليومية التي واجهها الليبراليون في مصر. ومن هذا المنظور، فإن لأعماله التاريخية التفكيكية وظائف سياسية. وتؤكد هذه الملاحظة الغالبية العظمى من مقالاته القصيرة في الصحف والمجلات التي تُركز على الإسلاموية والقومية العربية. في الواقع، يُعدّ نقاش التاريخ أسلوبًا يستخدمه في جدالاته السياسية الواقعية.
أكثر أعماله إثارةً للجدل في التاريخ هي تلك التي تركز على الإسلام. وأبرز كتبه في هذا الصدد هو كتاب "الحزب الهاشمي" "وتأسيس الدولة الإسلامية" (1996). في هذا الكتاب، يتحدى القمني التصور التقليدي الجامد لتأسيس الإسلام. ويحلل الأسس الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت خلفية ظهور الإسلام وعصره النبوي في مكة المكرمة في القرن السابع الميلادي. ويرى أن فكرة التوحيد العربي قبل الإسلام (الحنفي) قد طورها جد النبي، عبد المطلب بن هاشم، الذي رغب في تأسيس مملكة هاشمية وتوحيد شبه الجزيرة العربية تحت حكمه وحكم أبنائه من بعده. وقد تأثر عبد المطلب بالفكرة التوراتية للدولة التي يؤسسها ملك نبي. أما ما تبقى من العصر النبوي فيُوصَف بمصطلحات علمانية تُبرز العلاقات الاستراتيجية بين الهاشميين والقوى الأخرى في مكة التي كان من المقرر أن تُقام مثل هذه الدولة. وكانت خلفية ظهور الإسلام صراعًا اجتماعيًا سياسيًا بين الأمويين طبقة النبلاء في مكة والهاشميين، الذين شجعوا الطبقات الدنيا من النساء والعبيد على الثورة ضد أسيادهم الأمويين. وكما في مؤلفاته عن مصر القديمة، يؤكد القمني على الدوافع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية التي تقوم عليها الرواية الإلهية للنبي وآل بيته. وقد طور هذه الأفكار في كتابه "حُروَبُ دَولَةِ الرَّسُولِ" (1993)، حيث يقترح تفسيرًا علمانيً لسيرة محمد. وكما في مؤلفاته التي تركز على نبيي التوراة إبراهيم وموسى يطبق القمني سياقه العلماني والتاريخي على تاريخ النبي والإسلام في كتابه.
أثارت منشوراته حول تاريخ الإسلام جدلاً واسعاً من المثقفين المحافظين والشخصيات الإسلامية البارزة. هاجم فهمي هويدي "الحزب الهاشمي"، واصفاً إياه بأنه "كتابات عربية شيطانية". هويدي،الذي تناول كتاب القمني بعد مناقشة رواية سلمان رشدي آيات شيطانية، زعم أن عمل القمني – ومحمد أركون - أسوأ من رواية رشدي لأنه يدمر العقيدة الإسلامية "بصمت ودون أي ألم". ويكمن خطر هذه الأعمال، كما أضاف، في قدرتها على "التسلل إلى العقل والروح".
انتقد الإسلامي عصام الدين أبو العزيم كتاب القمني، مشيرًا إلى أن الكتاب يتضمن في الواقع هجماتٍ خفيةً وعلنيةً على الإسلام والكعبة والنبي ووصف كتاب القمني بأنه يحتوي على أفكارٍ أسوأ حتى من أفكار الكافر الذي يكره الإسلام وهاجم إسلامي آخر، هو محمد أحمد المسير، القمني، قائلاً: إن الإنسان في هذا الكون ليس إلهًا صغيرًا، ولكنه يتحرك بإرادة الله.
كانت القضية الأكثر إثارة للجدل في هذه المناقشات هي منهج القمني في التاريخ. انتقده الإسلاميون لمحاولته علمنة الرواية الإسلامية للتاريخ. اقترح هويدي حلاً لهذه "المشكلة": "إذا كانت هناك حاجة لمثل هذا النقاش [حول المقدس]، فليكن بين علماء من النخبة الدينية (أهل العلم والخاصة) لأن إشراك عامة الناس في نقاش حول الدين قد يؤدي إلى الفتنة."
إلى جانب تفسير التاريخ القديم والإسلامي، تتناول مؤلفات القمني القرآن الكريم أيضًا. ففي أحد مؤلفاته المبكرة، نشر نصًا حول ظاهرة النسخ في القرآن. وفي هذا العمل، يؤكد على ما طرحه مفكرون بارزون سبقوه، مثل نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، حول ضرورة وضع آيات القرآن الكريم في سياقها التاريخي في سياق إعادة التقييم الإسلامي. من هذا المنظور، يقترح القمني رفض التصنيفات التقليدية للنسخ، وبالتالي تجاوز حتى التفسير الجريء لأبي زيد، الذي استُخدم لاحقًا كدليل في محاكمته، مما أدى إلى مأساة.
يستند القمني في ادعاءاته إلى المنهج العلماني. وهو يفسر حديث الغرانيق (حديث الكركي المتوج) وفقًا لما يلي: إلى التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته مكة في القرن السابع الميلادي. ووفقًا لهذا التقليد، في بدايات الإسلام، صلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين طبقة قريش. وبينما كان يتلو آية تتعلق بآلهة العرب قبل الإسلام، تابع بالدعاء طالبًا شفاعتهم. وينسب القرآن الكريم هذه الأحداث إلى تدخل الشيطان في وحي النبي. يقترح القمني، الذي يستشهد بالحديث والتفسير القرآني، فهم تغير "موقف الوحي" تجاه آلهة الجاهلية كتطور للإيمان. ويفسر حديث الغرانيق في سياق التحول من الدولة القبلية إلى الاتحاد العربي (ضد البيزنطيين والفرس) ومنح امتيازات لأرستقراطية مكة في النظام الجديد. وكان النسخ في الواقع هو الأسلوب الإجرائي لهذا التحول.
علاوة على ذلك، يتفق القمني مع ما طرحه علماء الليبرالية السابقون أركون في سبعينيات القرن العشرين وأبو زيد في ثمانينياته حول التعقيد الناجم عن الترتيب غير الزمني للآيات في جمع عثمان للقرآن. جادل هؤلاء العلماء بأن هذا يجعل الفهم التاريخي للقرآن صعبًا. يؤكد القمني على ضرورة إعادة ترتيب آيات القرآن وفقًا لتسلسلها الزمني (أو على الأقل
موضوعاتها) وليس وفقًا لطولها، كما في النسخة التي جمعها عثمان. وبالتالي، فإن القراءة الصحيحة للقرآن ينبغي أن تكون من النهاية – من أقدم الآيات - إلى البداية. يرى القمني أن الخطر الأكبر في هذا الوضع هو الخلط بين الآيات المنسوخة والآيات الصحيحة، وبين الآيات التي تتحدث عن الحرب وتلك التي تتحدث عن السلام وحرية المعتقد، وبين فرض الإسلام. ويخلص القمني إلى أن النتيجة كانت أن المسلمين يواجهون صعوبات في فهم الدين البسيط. وقد أدى هذا الوضع إلى الحاجة إلى "رجال دين في دين لا يعترف برجال الدين"، ونشأت فئة من الناس يفسرون إرادة الله، وأصبحوا وسطاء بين المؤمنين والله.
شكّلت هذه الأعمال المذكورة أعلاه بداية صراع مستمر بين القمني والإسلاميين. وحدثت واقعة مهمة عام 1997، حين أوصى مجمع البحوث الإسلامية، وهو هيئة معتمدة داخل الأزهر، المحكمة بحظر كتاب القمني "رب الزمان". اتُهم القمني باستغلال الدين، ومحاولة إثارة الفوضى، وتشويه صورة الإسلام، والاستهزاء بالعلماء والتراث، والإضرار بالوحدة الوطنية. ُبرئ القمني من هذه التهم، وألغى القاضي قرار حظر نشر الكتاب. وبلغ هذا الصراع ذروته في الفترة 2004-2005، حين اتُهم القمني بالردة، وتلقى تهديدات بالقتل من حركة الجهاد المصرية ومن أحد فروع تنظيم القاعدة في العراق. بعد هذه الحادثة، نشر رسالة ندم وأعلن توقفه عن الكتابة؛ إلا أنه عاد إلى الكتابة بعد نحو عامين. وفي عام 2009، حصل على إحدى أرفع الجوائز الوطنية في مصر (جائزة الدولة التقديرية)، وهي مناسبة أصبحت محور جدل واسع.
يعتقد القمني أن الإسلام في العصور الوسطى لا صلة له بالعصر الحديث. ويرى أن الإسلاموية كأيديولوجية سياسية مدمرة للحداثة، وستؤدي إلى الفاشية. ويؤكد أن الإسلاموية أيديولوجية شمولية تسعى إلى تشكيل الأخلاق الإنسانية، والمعايير، والسلوك، والعلاقات بين الأفراد والعالم. وتنبع هذه الأيديولوجية من رؤية للعالم قائمة على وجود الحقيقة اللاهوتية في النص المقدس الخالد للقرآن الكريم. في نظر مؤيديه، ليس مجرد دين أو خطاب ديني بل هو مشروع شامل يهدف إلى تغيير الوضع الراهن وفرض العقيدة الإسلامية على العالم. يزعم القمني أن أوضح تناقض داخلي في هذا المشروع يكمن في افتراض الإسلاميين أن إرادة الله هي فرض تصور إلهي أبدي واحد غير تاريخي للنص في مختلف الظروف والفترات. ويجادل بأن الدين لا يمكن أن يكون إلا مسألة فردية، وبالتالي فهو قابل للتغيير.
يؤكد القمني في مؤلفاته على التناقض المزعوم بين الإسلام في العصور الوسطى والأفكار الحديثة كالقومية والديمقراطية وحرية الإيمان والمساواة بين المرأة وغير المسلمين. ويزعم أن جميع هذه الأفكار قد رفضتها مختلف تيارات الإسلام السياسي. على عكس العديد من المصلحين الإسلاميين، يرفض القمني الادعاء التبريري بأن الإسلام في العصور الوسطى يجب أن يكون مصدر أي فكرة سياسية أو أخلاقية يتبناها المسلمون. ويجادل بأن الأفكار الليبرالية الحديثة غريبة عن تقاليد الإسلام في العصور الوسطى، ويجب على المسلمين المعاصرين تبنيها. ويؤكد أن أهم رسالة يجب أن يتعلمها المسلمون من الوحي القرآني هي التكيف مع العصر: فتكيف الإسلام مع عالم متغير هو "السمة المميزة للإسلام مقارنة بالأديان الأخرى".
يتحدى القمني العديد من التصورات السائدة عن الإسلام السياسي. في العديد من المقالات، يجادل بأن الشورى (التشاور) ليس ديمقراطية؛ وأن التصور "القديم" للإسلام لا يزال يضطهد النساء وغير المسلمين. بل إنه يدعو إلى إلغاء التعاليم الدينية المتعلقة بقوانين الرق (فقه العبودية) وإلى إلغاء الشرعية القانونية لـ 23 آية قرآنية تُجيز الرق. ويجادل بأن أتباع الإسلام السياسي يصرون على أن الإسلام هو أول دين يُرسي حقوق الإنسان، بينما يرفضون الحريات الأساسية كحرية المعتقد. ويتابع قائلاً إن الإسلاميين يشيرون إلى أن الإسلام هو أول دين منح المرأة حقوقها، مع أن الشريعة تنص في الوقت نفسه على أن المرأة ترث نصف ما يرثه الرجل، وأن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد، ولا يجوز للمرأة أن تكون حاكمة دولة.
في مجموعته "شكرًا... بن لادن!" (شكرًا لك... بن لادن!)، يكتب أن ربما أهم حقيقة انكشفت للعالم الحر بعد
11 سبتمبر 2011، هي الخطأ الفادح الذي ارتكبته هذه الدول مع الشعوب العربية عندما قررت التحالف مع أكثر الأنظمة استبدادًا والإسلام السياسي "الإجرامي". ويؤكد أن الحركات الإسلامية لا تختلف جوهريًا، بل تختلف فقط في الاستراتيجيات، لا في الأهداف. علاوة على ذلك، يرفضون الإرث الليبرالي للديمقراطية ولا يتبنون سوى المبدأ التقني للانتخابات.

في إحدى مقالاته، يقارن القمني بين أفكار يوسف القرضاوي، الذي يُنظر إليه من قِبل العديد من المسلمين على أنه معتدل، وفهمي هويدي، الذي يُنظر إليه على أنه مستنير. وينقل عن القرضاوي، الذي كتب عن المبدأ العلماني المتعلق بحياد الدولة في المسائل الدينية، قائلاً: "قد يكون هذا مقبولاً لدى المسيحية... لكن الإسلام يطالب بتشكيل الحياة وفقًا لقوانينه ومبادئه... فطبيعة الإسلام هي القيادة لا "الانقياد". وينقل كذلك عن هويدي، الذي ذكر أنه "لا توجد صلة ضرورية بين الديمقراطية والعلمانية". يخلص القمني إلى وجود تناقض بين الدولة الليبرالية ومُثُل الإسلام السياسي. ووفقًا لوجهة نظره، فإن الديمقراطية التي يطمح إليها الإسلاميون ليست ديمقراطية ليبرالية.
إضافةً إلى نقد القمني المستمر للإسلاموية، فإنه ينتقد أيضًا القومية العربية. ويزعم أنه لا توجد فروق جوهرية بين هاتين الأيديولوجيتين رغم تاريخ الصدام بينهما. فمن وجهة نظره، تُشكل كلتا الأيديولوجيتين خطابات سياسية جماعية تسعى إلى توحيد العرق أو الدين ضد الأعراق أو الأديان الأخرى. كما أن كلا التيارين السياسيين يدعوان إلى الشعبوية التي تسحق الفرد المدني. ويطرح القمني بديله الليبرالي بالقول إن العلاقة بين الوطن (الوطني) والمواطن يمكن تحديدها بقوانين دستورية واضحة تعتمد بالدرجة الأولى على حريات المواطن الفرد، دون النظر إلى دينه أو لونه أو عرقه. لا يمكن للوطن أن يكون وطنًا بدون التاريخ الذي صنعه شعبه. ينبغي أن تكون هذه نقطة انطلاق كل نقاش سياسي.
لا يعترف تعريف القمني للهوية السياسية الجماعية بأي سمات سياسية عرقية أو دينية. فمن وجهة نظره، تقوم القومية على الشراكة القانونية للدولة القومية المصرية، لا على الدين (الإسلام السياسي) أو العرق أو الثقافة (العروبة). وكما هو الحال في المدرسة الليبرالية المصرية في فترة ما بين الحربين، تُصاغ الليبرالية مفهوم الهوية الجماعية. بالنسبة للقمني، فإن الحجة المؤيدة للقومية المصرية ليست مجرد نقاش حول هوية المجتمع السياسي، بل هي حاجة ملحة في النضال السياسي ضد من يُسيّسون العرق والدين. وهو يجادل بأن بناء أيديولوجية وطنية على الدين، كما يفعل الإسلام السياسي، سيؤدي إلى الطائفية، بينما بناء أيديولوجية وطنية على العرق، كما تفعل القومية العربية، سيؤدي إلى العنصرية. وكما في حججه حول التاريخ القديم، يؤكد القمني على العلاقات المفترضة بين النماذج العرقية الدينية للقومية العربية والإسلاموية والصهيونية.

الخلاصة
من منظور سياسي، قدمت الأعمال التاريخية للقمني للمفهوم القومي بعده "المتخيل" استناداً إلى تصوره في أعماله، يُقدّم سردًا وطنيًا لتاريخ مصر، يسعى إلى تعزيز التعددية العرقية والدينية. يبدأ هذا السرد في مصر القديمة والوثنية، ويستمر عبر العصور. يُنظر إلى الغزو العربي الإسلامي على أنه على قدم المساواة مع الغزو اليوناني والروماني، أي حكم مصر من قِبل غير المصريين. يُنظر إلى عهد محمد علي ومصر الملكية نظرة إيجابية، لأنهما حفّزا تأسيس دولة قومية مصرية. تُعتبر فترة ما بين الحربين العالميتين عصرًا من التقدم نحو التحرر والديمقراطية، انتهى بصعود الناصرية القومية العربية وانقلاب عسكري أدى إلى إقامة نظام استبدادي .بالنسبة للقمني، ازدهرت الثقافة المصرية في كل مرة نجح فيها المصريون في خلق استقلالهم الذاتي وثقافتهم التعددية.
يتحدى سياق أعمال القمني التصورات القومية العربية والإسلامية للماضي، وذلك من خلال إعادة بناء بديل ليبرالي قومي. يمثل فكره أيديولوجية ليبرالية شاملة تُصاغ من خلالها مفاهيم التراث والأخلاق والدين والهوية والديمقراطية والقومية.

• محاضر اول في الجامعة العبرية بالقدس، قسم العلوم السياسية.
المصادر:
Academia.edu.
سيد القمني، رب الزمان، مؤسسة هنداوي، القاهرة، مصر، 1996 .
سيد القمني، حروب دولة الرسول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 1993.
سيد القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 1996.
سيد القمني، الأسطورة والتراث، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 1999.
سيد القمني، الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الاسلامية، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 2019.



#علي_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نيتشه والديمقراطية
- قراءة في صناعة النفط الفنزويلي
- فلسفة الفوضى
- انهيار الدولار ودول الخليج
- استراتجية ترامب الأمنية
- التحول العالميً الكبير
- فاتيمو جياني ( 2023-1936)
- عهد جديد للجمهورية الإسلامية
- الذروة في الصراع الاسرائيلي - الإيراني
- الرأسمالية في طورها المتأخر
- الخيار النووي
- نغوجي واثيونغو، الكاتب الذي أدان المستعمرين والنخب
- حرب ترامب التجارية
- اوجلان والقضية الكردية
- كيف سينظر الغرب إلى الابادة في غزة؟
- الذات والسلطة ميشيل فوكو 3
- تأملات حولً القرن الدولوزي
- الذات والسلطة ميشيل فوكو 2
- الذات والسلطة ميشيل فوكو
- الأدب ما بعد الكولونيالي


المزيد.....




- شاهد كيف تدير هذه الروبوتات مطعمًا في الصين؟
- خبراء: عودة جزئية للإنترنت في إيران بعد 20 يومًا من الانقطاع ...
- قوة نارية كثيفة وضربة متعددة الأبعاد.. ماذا تُحضّر واشنطن لإ ...
- لماذا اهتمت الولايات المتحدة بالسيطرة على العديد من الجزر؟
- هل هناك مبالغة في تقدير فوائد فيتامين سي؟
- زيارة ستارمر إلى الصين ستكشف عن رؤيته لمكانة بريطانيا في الع ...
- أخبار اليوم: إسرائيل توقف ساعة حساب زمن اختطاف الرهائن بعد 8 ...
- التنمر المدرسي.. كيف يؤثر على صحة أطفالنا؟
- الولايات المتحدة: سيارات الأجرة ذاتية القيادة… هل هي آمنة؟
- الهند والاتحاد الأوروبي يوقعان اتفاقية تجارة حرة شاملة


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي حمدان - التجديد الليبرالي للترات