عمر الشاطر
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 18:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
استهلال:
في يومٍ باردٍ من أيام مارس 1971، كان الصحفي دوغان أفجي أوغلو يجلس في صالون بيته في أنقرة؛ كان يدخن بشراهة وقلق، وأذنه على المذياع، يترقب سماع البيان الذي طال انتظاره. ما إن دقّت الساعة الواحدة ظهرًا حتى صدحت إذاعة «تي آر تي» بالنشيد الوطني التركي، ثم أعقبه المارش الحربي. وفجأة، سمع صوتًا جهوريًا ثقيلًا يعلن أن قيادة الأركان -التي يشغلها ممدوح تاغماتش- وقيادات القوات البرية فاروق غورلر، والجوية محسن باتور، والبحرية جلال إيجي أوغلو، قرروا التقدم لرئيس الجمهورية، جودت صوناي، بطلب استقالة الحكومة الحالية التي يرأسها سليمان ديميرال، وحل البرلمان؛ إنهاءً للفوضى الحالية التي تعيشها البلاد والاقتتال الداخلي، مما يهدد وضعية البلاد ومبادئ أتاتورك.
لم يكن هذا هو البيان الذي كان يراهن دوغان على سماعه، وأدرك حينما سمع اسمي "غورلر" و"باتور" أن مشروعه الثوري قد تعرض للخيانة، وأن فرصة الثورة التي لطالما حلم بها قد أجهضت لصالح اليمين التركي. لم تمض أشهر إلا وقد أقبلت فرقة أمنية اقتادته إلى المعتقل في شهر يوليو بتهمة الإعداد والتخطيط لانقلاب عسكري. ولكي نفهم ما جرى حينها، لا بد من العودة إلى أصل حكاية دوغان أفجي أوغلو؛ الصحفي الذي راهن على البيان العسكري.
البداية: ولد دوغان أفجي أوغلو في مدينة بورصة في عام 1926، ودرس بها حتى السلك الثانوي، ثم رحل إلى فرنسا حيث تلقى تكوينه الجامعي في معهد الدراسات السياسية بباريس. هناك رأى مدى التقدم الذي تعيشه فرنسا مقارنة بتركيا التي كانت لتوها قد خرجت من عباءة السلطان العثماني، ودخلت الحداثة السياسية والاجتماعية مع الزعيم مصطفى كمال أتاتورك، الذي شهدت في عهده انسلاخاً عميقاً من جذورها العثمانية والإسلامية.
تركيا الجديدة:
في سعيه لتحقيق "أوربة" تركيا، ألغى أتاتورك كل ما يذكر الأتراك بالعهد العثماني من قوانين وأزياء، وحتى الأبجدية حولها إلى أبجدية لاتينية عوض العربية. واقتصادياً، عمل أتاتورك على نهج "رأسمالية الدولة" من خلال سياسة الاقتصاد المخطط والدولتي، في محاولة منه لخلق قاعدة صناعية حديثة وقوية، لكن وفاته المبكرة في العام 1938 وتولي خليفته عصمت إينونو أبطأ من هذه السياسة الثورية.
ورغم الإصلاحات التي تحققت في عهد أتاتورك وإينونو، فقد بقي الريف التركي يعيش في مرحلة الإقطاع حيث كانت تسود الملكية الكبيرة للأرض. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية تحولت تركيا إلى قاعدة غربية لصد الأطماع السوفيتية، الأمر الذي أهلها للحصول على المساعدات الاقتصادية الأمريكية ضمن ما عرف بـ "مشروع مارشال". وسياسياً، تبنت تركيا الديمقراطية والتعددية منذ 1946 وسمح إينونو بإنشاء الأحزاب؛ الوضع الذي استغلته الطبقة الإقطاعية لإنشاء "الحزب الديمقراطي" الذي ضم في صفوفه البورجوازية الكبيرة والإقطاع، واستطاع هذا الحزب أن يصل لرئاسة الجمهورية ممثلاً في مرشحه جلال بايار، ورئاسة الوزراء ممثلاً في مرشحه عدنان مندريس الذي سيحكم تركيا فترتين رئاسيتين حتى 1960. خلال عهده الرئاسي تقاربت تركيا مع الغرب؛ حيث دخلت إلى حلف الشمال الأطلسي وانضوت كذلك ضمن "حلف بغداد" الذي تأسس في العام 1954.
تركيا ومندريس:
انتعش الاقتصاد التركي بداية بفعل المساعدات الاقتصادية قبل أن يشهد ركوداً وتضخماً في أواخر عهد مندريس، وتزامن هذا التراجع مع تنامي نشاط حزب الشعب الجمهوري بزعامة إينونو، وكذلك ارتفعت وتيرة النشاط الطلابي المعارض لمندريس. وعمل الأخير على نهج سياسة قمعية تمثلت في إغلاقه الصحف المعارضة ومحاولته رفع الحصانة عن النواب المعارضين؛ ولم يكن مندريس يدر أنه بسياساته يقترب من موعد نهايته، والتي رسمها الجيش بمهارة واحتراف، حيث تحركت القوات العسكرية صبيحة 27 مايو 1960 وقامت باعتقاله، واعتقلت أيضاً رئاسة الجمهورية وحكومته، وزجت بهم في محاكمات جزيرة "ياسي أدا" التي ستحكم على مندريس ووزيره للمالية حسن بولاتكان وفطين رشدي زورلو وزير الخارجية بالإعدام، والذي سينفذ خلال العام نفسه.
تركيا الستينيات:
بعد الإطاحة بمندريس كان أمام المجلس العسكري مساران للبلاد: إما أن تحكم بمجلس عسكري ينفذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المطلوبة (ومثل هذا الاتجاه طلعت أيدمير)، وإما أن تجرى انتخابات ديمقراطية ويُعد دستور جديد للبلاد. هذا المسار الأخير رأى فيه الكثير من الضباط الراديكاليين تراجعاً عن حلم مواصلة طريق أتاتورك وعودة إلى الصراعات السياسية والحزبية الضيقة. وبعد أن رأى طلعت أيدمير أن البلاد تسير نحو المسار الديمقراطي –حيث أجريت الانتخابات فاز بها عصمت إينونو وتولى جمال كورسيل رئاسة البلاد– حاول طلعت أن يقوم بانقلابين في 1962 و1963 على التوالي؛ وفيما أخفق في استعادة الثورة، نجح في المقابل في الوصول إلى ساحة الإعدام في 1964 وتفرق أنصاره من الضباط، فنُقلوا إما كملحقين عسكريين إلى الخارج وإما تقاعدوا (نموذج جمال مادان أوغلو).
كان دوغان خلال هذه الأحداث قد عاد من فرنسا وانخرط في حزب الشعب الجمهوري، الأمر الذي سهل له أن يُعين كنائب في المجلس التأسيسي الذي وضع دستور 1961، ثم عُين كموظف في مركز دراسات تابع للحزب. هذه الوظيفة نبهت دوغان إلى مدى تخلف تركيا ووضعية الفلاحين المأساوية نتيجة الإقطاع، وهو ما سيدفعه إلى تشكيل مجلة "يون" (Yön) والتي تعني "الاتجاه" في 1961، وأعلن عن تأسيسها من خلال بيان وقعه ألف اسم من أهم المثقفين الأتراك عبروا فيه عن وجهة نظر اليسار الكمالي، واحتجوا فيه على الأوضاع التي تعيشها تركيا وطالبوا بضرورة الثورة، طارحين "الحل الاشتراكي الثالث" كبديل للرأسمالية والشيوعية، وذلك للتحرر من التبعية الأمريكية.
البحث عن ناصر تركي:
تأثر دوغان بالنموذج الناصري في مصر، وما حقق ناصر من إنجازات في شتى المجالات مما ساهم في تعزيز صورة النموذج الناصري عالمياً. واعتبر دوغان الناصرية هي الحل لتركيا؛ إذ رأى فيها تطوراً يسارياً لأفكار أتاتورك من خلال التركيز على العدالة الاجتماعية والثورة الوطنية. وشكلت انتخابات 1965 صدمة لدوغان دفعته للكفر بالمسار الديمقراطي؛ إذ فاز "حزب العدالة" الذي يقوده سليمان ديميرال، وريث مندريس في نهجه السياسي، معتمداً بشكل أساسي على الدعم الإقطاعي والبورجوازي.
ولهذا رأى دوغان في الديمقراطية الليبرالية وسيلة لـ "تأبيد" معاناة الفلاح التركي؛ فهو لا يستطيع مخالفة "الأغا" صاحب الأرض، كما أن العامل لا يستطيع أن يصوت لغير مصالح رب العمل. لذلك فكر في حل آخر لإنهاء هذا الوضع؛ كان اليسار يطرح خيارين هما: إما الثورة الشعبية بقيادة الطبقة العاملة (الأطروحة الشيوعية التقليدية)، والرأي الثاني هو الاعتماد على تحالف شعبي مكون من بقايا الضباط الراديكاليين داخل الجيش إضافة إلى المثقفين اليساريين لإنهاء تحالف رأس المال المستغل والإقطاع الرجعي.
تركيا أمام بركان السبعينات:
أثارت هذه الأفكار مخاوف حكومة ديميرال، والتي كانت تعاني من ضغط الجيش بسبب سماحها لقدماء الحزب الديمقراطي بالعودة للعمل السياسي. وفي خضم هذه الأحداث كانت تركيا تغلي بسبب التضخم وانهيار الليرة التركية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الإضرابات والاحتجاجات العمالية، كما شهدت الجامعات حرباً داخلية بين الفصائل اليسارية (منظمة ديسك الطلابية) والقومية اليمينية (الذئاب الرمادية) التي شكلها ألب أرسلان توركش. وتأسس كذلك خلال هذه الفترة أول حزب تركي إسلاموي هو "النظام الوطني" الذي أسسه نجم الدين أربكان، وبدأ أربكان بمهاجمة نظام الدولة العلماني ويطالب بنظام بديل.
حركة 9 مارس- ثورة ناصرية مجهضة:
انقسمت المؤسسة العسكرية التركية تجاه الأوضاع إلى اتجاهين: اتجاه يميني يرى في الحفاظ على النظام حلاً موضوعياً ويقف على رأسه ممدوح تاغماتش، واتجاه يساري يقف على رأسه الضابط المتقاعد جمال مادان أوغلو -المتأثر بأطروحات دوغان- لمواصلة ثورة أتاتورك وتحرير تركيا من "الاستعمار الجديد". ولتعزيز قوته تحالف هذا الجناح مع الضباط الموالين لحزب الشعب: فاروق غورلر ومحسن باتور، واتفقوا على جعل التاسع من مارس موعداً للحركة العسكرية.
12 مارس- عندما يخون الرفاق :
لم تسر الأمور كما تمنى دوغان وجمال؛ فقد وشى "فاروق" و"محسن" لرئيس الأركان باتفاقهم مع الجناح اليساري. وخوفاً من تطور الأزمة، قرر رئيس الأركان القيام بضربة استباقية في 12 مارس 1971، وهو ما تم تنفيذه بنجاح؛ حيث طُرد الضباط اليساريون، وأُقيلت حكومة ديميرال، وحُل البرلمان، وعُينت حكومة تكنوقراط برئاسة نهاد إيريم؛ العضو السابق لحزب الشعب وأحد الموقعين على إعلان "يون"!
وفي مفارقة غريبة، كان أحد الموقعين على الإعلان اليساري هو صاحب "المطرقة" التي حطمت اليسار التركي؛ حيث طالت الاعتقالات أغلب المثقفين في يوليو 1971، ومن بينهم دوغان أفجي أوغلو وإلهان سلجوك في معتقل "زيفير باي" السيئ الصيت. كما أُعدم دينيز جزميش ورفاقه بعد محاولتهم القيام بثورة في الجبال، غير أن محاولتهم باءت بالفشل بسبب انعزالهم وضعف إمكانيتهم.
دموع في بويوك أدا:
جزيرة "بويوك أدا" في صباح نوفمبري بارد؛ كان دوغان جالساً في حديقة بيته بعد الإفراج عنه وتبرئته، يتأمل في رحلته الطويلة. كان على طاولته علبة سجائره وكأس قهوته، جلس يفكر في ذكرياته مع حزب الشعب ومع أصدقائه المثقفين وتذكر أيام مارس 1971، وسالت دمعة على خده عندما تذكر ما شهده من تعذيب في المعتقل وقال: "يا للعجب! كيف لم أدرِ أنني في محاولتي بعث أتاتورك وناصر من رماد النضال الوطني في تركيا كنت أبعث بينوشيه وخورخيه فيديلا من جحيم التبعية التركي؟ وفي سعيي لجر الجيش إلى الشعب كنت أزيده تشبثاً بالقمع وبامتيازاته؟ وهكذا هي الحياة أحياناً تخيب آمالنا، وكثيراً ما تفعلها".
خاتمة:
وأختم هذا المقال بالإشارة إلى الأستاذ ميشيل عفلق الذي أرى فيه "دوغان العرب"؛ فهو حلم ببعث الأمة عن طريق الثكنات، مفضلاً الطريق السهل، لكنه لم يدرِ أنه سينهي حياته في منفاه في باريس يتجرع غصة الوحش "الفرانكشتياني" الذي أخرجه من قمقمه في بغداد ودمشق. وهكذا التاريخ؛ محطات متشابهة، وأفكار متقاربة، وأسهل الطرق.. أصعبها
#عمر_الشاطر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟