عيسى طاهر اسماعيل
الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 23:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كتب الصديق العزيز رزكار عقراوي مقالا في "الحوار المتمدن" - نُشر لاحقا في مواقع عديدة أخرى- بعنوان: "القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المواطنة؟" مع عنوان فرعي: "بين القومية والمواطنة: رؤية يسارية لبدائل التحرر". ويأتي المقال في سياق ما تشهده الساحة السورية حاليا، في كانون الثاني 2026، من هجمات تشنها الجماعات التكفيرية على مناطق الإدارة الذاتية الكردية.
توصيف الصراع: بين النفوذ والوجود
يفتتح المقال بتوصيف ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه "صراعات قومية دموية"، ويضع القضية الكردية ضمن هذا الإطار العام، ثم يطرح السؤال: الدولة القومية أم دولة المواطنة؟
المأزق الأول في هذا الافتتاح ليس مأزقا أخلاقيا فحسب، بل هو مأزق مفاهيمي أيضا؛ فليس كل ما يُسمّى صراعا قوميا واحداً في طبيعته أو دلالته. إن إدراج نضال الكرد ضمن سلة واحدة مع صراعات دول قومية مكتملة السيادة يتنازع أطرافها النفوذ والحدود، هو تسوية قسرية بين غير المتكافئين. الصراع الكردي ليس صراع امتيازات، بل صراع اعتراف؛ ليس صراع توسع، بل صراع بقاء. وحين يُمحى هذا الفرق الواضح والبيّن منذ السطر الأول، يصبح كل ما سيأتي لاحقاً محكوماً بتغيير جذري في المفاهيم يُساوي بين الجلاد والضحية باسم التحليل.
فهل من الإنصاف إدراج نضال شعب كالشعب الكردي، الذي يناضل من أجل وجوده، في بوتقة تلك الصراعات القومية في المنطقة؟! قبل أن نجيب ونبيّن، علينا أن نطرح السؤال التالي: ما هو الصراع القومي؟
أولاً، يجب أن نفرّق بين صراع القوى بين دول قائمة، وبين صراع الهوية أو الوجود لجماعات تسعى للاعتراف بها أو تقرير مصيرها. نعم، لا يقتصر الصراع القومي على الدول فقط، بل يُعرَّف بأنه صراع ينشأ عندما تتعارض أهداف أو مصالح أو هويات مجموعتين بشريتين أو أكثر، ترى كل منهما نفسها أمة. لكن يمكن تقسيم هذا المفهوم إلى مستويين:
صراع بين دول قومية: مثل النزاع التاريخي بين فرنسا وألمانيا، حيث تتصادم دول ذات سيادة.
صراع قومي داخل الدولة: وهو الأقرب للصراع الكردي، حيث يطالب الكرد بحقوق سياسية أو استقلال داخل حدود دولة تهيمن عليها قومية أخرى.
يندرج نضال الكرد تحت مسمى "الصراع القومي الإثني" ولكن بخصوصية عالية جدا تجعل من صراعهم مع القوى الأخرى صراع وجود، وليس صراعا على الموارد والمواقع. لماذا يُسمى نضال الكرد صراعا قوميا؟ لأن المحرك الأساسي هو الهوية القومية؛ فالكرد يناضلون بصفتهم أمة لها لغة وتاريخ وجغرافيا مشتركة، في مواجهة سياسات دول تبنت قوميات أحادية وسعت لصهر الكرد فيها. ولماذا هو نضال وجودي؟ لأن الأنظمة الحاكمة غالبا ما أنكرت وجود الشعب الكردي أصلا (مثل مصطلح "أتراك الجبل")؛ لذا يتحول الصراع من خلاف سياسي على النفوذ إلى صراع من أجل البقاء. والأصح والأنصف اعتبار نضال الكرد نضالا تحرريا وطنيا وليس صراعا قوميا بالمعنى التقليدي السائد.
الاعتراف بالاضطهاد القومي: من المقدمة إلى التجريد
يعترف المقال بوضوح بالاضطهاد القومي التاريخي الذي تعرض له الكرد، ويقدّم أمثلة دامغة، ثم يربط هذا الاضطهاد بطبيعة الأنظمة الاستبدادية الشاملة. هذا الاعتراف ضروري، لكنه يبقى ناقصا حين يُختزل إلى مجرد فصل تمهيدي سرعان ما يُجرَّد من نتائجه السياسية. فالاعتراف بالاضطهاد لا قيمة له إن لم يُستكمل بالاعتراف بالحق الذي نتج عنه تاريخيا وهو حق تقرير المصير. إن تحويل الاضطهاد القومي إلى مجرد "أحد وجوه الاستبداد العام" يذيب خصوصيته، ويحوّل الكرد من شعب مُستهدف في وجوده إلى مجرد فئة ضمن جمهور واسع من الضحايا المتساوين نظريا، المختلفين فعليا.
يطرح المقال سؤاله "الجوهري": بناء دول قومية منفصلة أم النضال من أجل دولة المواطنة؟ إن من يقرأ هذا السؤال سيعتقد أن المنطقة برمتها في حرب لبناء دول قومية، بينما الواقع شاهد على أن الشعب الكبير الوحيد المحروم من دولة هو الشعب الكردي. بحسب منطق المقال، على الكرد أن يؤجلوا حلمهم بكيان يحميهم ليسعوا خلف "دولة المواطنة" التي ربما لن تأتي؛ أي تأجيل حلم بحلم. ومن يقرأ الواقع سيدرك أن دولة المواطنة حلم بعيد المنال، بينما قد يكون تغير خرائط المنطقة أقرب منالا. ما يسكت عنه الخطاب هنا هو مطالبة الكرد بانتظار مواطنة غير موجودة في مخيال الأنظمة، بينما تُقصف قراهم وتُسبى نساؤهم. تصوير الاستقلال كـ "طوباوية" والمواطنة تحت الاستبداد كـ "إمكانية واقعية" هو قلب للمنطق؛ فالدولة المستقلة تملك على الأقل قوة تحميها، بينما المواطنة في ظل القمع تظل وعودا بلا رصيد.
من القومية المظلومة إلى السلطة (إقليم كردستان وقسد)
ينتقل المقال إلى نقد تجربة إقليم كردستان وقوات سوريا الديمقراطية، معتبرا أن القومية المظلومة تحولت إلى سلطة فاسدة. النقد هنا مشروع من حيث المبدأ، لكنه يتحول إلى أداة نزع شرعية حين يُستخدم لإسقاط الحق لا لتقويم التجربة. الفساد لا يُبطل حق الوجود، وإلا لوجب نزع الشرعية عن معظم دول العالم الثالث.
أما في الحالة السورية، فإن مساواة تجربة الإدارة الذاتية بسلطات مستقرة هو تجاهل للسياق الوجودي. "قسد" ليست دولة قومية مكتملة، بل بنية دفاعية نشأت في فراغ الدولة وتحت تهديد الإبادة. محاسبتها بمنطق "الدولة الطبيعية" فيما تُهاجَم من جماعات تكفيرية، هو نقل للنقد من حقل السياسة إلى حقل التجريد المعزول عن الواقع.
تهميش النضال الطبقي: قراءة ميكانيكية
يرى المقال أن الصراعات القومية تهمّش الصراع الطبقي. هذا التحليل يصيب في القوميات المهيمنة، لكنه يخطئ حين يُسقط ميكانيكيا على المضطهدين. النضال القومي الكردي لم يكن بديلا عن الصراع الطبقي، بل كان شرطا أوليا لإمكانيته؛ فلا يمكن الحديث عن وعي طبقي في ظل إنكار اللغة والوجود. الجائع قد يثور، لكن المنكَر وجوده يُسحق قبل أن يُنظّر.
هل الدولة القومية ممكنة؟ والرهان على الخارج
يشكك المقال بإمكانية قيام دولة كردية بسبب الجغرافيا المعادية. السؤال الحقيقي: هل يُشترط الضمان المسبق لمنح الحق؟ لا توجد دولة وُلدت بضمانات أخلاقية، والفشل المحتمل لا يُبرّر المصادرة المسبقة. أما عن العلاقة مع واشنطن، فالتحالف مع قوة دولية ليس ولاء أيديولوجيا بل ضرورة وجودية. المفارقة أن الأنظمة التي يُطلب من الكرد الاندماج فيها هي نفسها مرتهنة لقوى أكثر توحشا. لوم الضحية على بحثها عن مظلة حماية، فيما يُعفى الجلاد من ارتهانه، هو اختلال أخلاقي.
دولة المواطنة كبديل.. ومهمات اليسار
دولة المواطنة ليست مشكلة كنموذج نظري، بل كمطلب فوري يُقدَّم بديلا عن حق تقرير المصير. المواطنة لا تُفرض بل تُبنى على الاعتراف، والاعتراف يمر أولا عبر الإقرار بحق الانفصال، كما قال لينين بوضوح: "لا وحدة طوعية بلا حق في الانفصال". دون ذلك، تتحول المواطنة إلى اسم جديد لوحدة قسرية قديمة.
إن اليسار الذي يقف على مسافة واحدة بين الضحية والجلاد ليس يسارا، بل هو حياد أخلاقي مقنّع. الأممية لا تعني الصمم عن الاضطهاد القومي، بل تعني الانحياز للمضطهد. المسألة ليست صراعا بين قومية ومواطنة، بل بين تأجيل الحق وممارسته. حق تقرير المصير لا ينتظر اكتمال الفضيلة في العالم، ومن دون هذا الحق، تبقى كل الدعوات الأخرى - مهما بدت نبيلة- شكلا من أشكال تأجيل الوجود.
****************************
مقال رزكار عقراوي: القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المواطنة؟
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=903033
#عيسى_طاهر_اسماعيل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟