أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد السلام انويكًة - حول تصوف تازة ومعتقد المدينة الشعبي ..















المزيد.....

حول تصوف تازة ومعتقد المدينة الشعبي ..


عبد السلام انويكًة
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 09:06
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


خبايا ماض مستمر هي مدن المغرب العتيقة التي بإحالات باعثة على أسئلة تراث وثقافة وسلوك وتعبير..، فضلا عن معتقد شعبي بما في ذلك ما لا يزال "مقدسا" هنا وهناك من رمزية أمكنة "بركة". زخم انساني سسيولوجي انتروبولوجي مؤثث منذ زمان، ارتأينا منه ما بتازة من تجلي وجمعي بين اسوارها وجوارها. ويسجل أنه بقدر ما يطبع المدينة من عمارة وامتداد وهوية مستقر، بقدر ما لا يزال أثرها الرمزي هنا وهناك بمساجد وجوامع وزوايا وصلحاء بل أيضا بين حجر وشجر وممر..، ولعل من تصوف وبركة تازة من أولياء نجد ضريح الشيخ سيدي علي بن بري، وسيدي بن عطية، وسيدي بلفتوح، وسيدي مصبح، وسيدي امحمد بن يجبش، وسيدي بوقنادل، وسيدي علي الجبار، وسيدي عزوز، سيدي علي الدرار، وسيدي عبد الله الدرعي، وسيدي عبد الله، وسيدي عبد الله بودربالة، وسيدي واضح، وسيدي محمد بلحاج ... فضلا عن شتات أضرحة مجهول شاهد، يسمح بما كان ولا يزال من هيبة زمن مضى. ومخيال محلي يؤثثه قاموس تعبير محلي ووعي من قبيل ”شايْ الله آرِجال لبلاد”. دون قفز عما لا يزال من ثقافة كرامة وبركة وشفاء وأمن وعون وضمان، ضمن إرث ثقافي ومعتقد ومقدس ووجدان جمعي شعبي.

هكذا بإحالات قصص وأسرار بركة بيئة شجر وحجر وماء وأبواب وأقواس غيرها وبعض أوجه مقدس تازة الشعبي، وهكذا بعض ذاكرة هذا الأخير ضمن  زمن ثقافي مستمر، مع أهمية الاشارة لِما لبعض هذا المقدس من أثر محلي وآخر بصدى أكثر امتدادا وعلاقة ودلالة. وأن بقدر ما هناك من حضور عابر بقدر ما هو مصدر نبض حياة وعيش بين أزقة ودروب وساحات (سيدي مصبح، الزاوية الجبشية، سيدي بلفتوح ..)، ذلك الذي يسمح بنسيج مقدس شعبي مؤطر تظهر معه تازة بتفرد هوية وغنى وسط عتيق، لا يزال حتى الآن رغم كل حداثة وايقاع تحول وتفاعل وتمظهرات. ولعل مقدس تازة وبركة امكنتها لا يعكس طبيعة انتماء وتركيب تراثي فحسب، انما أيضا سفر في ماضيها ووقائعها وما كانت عليه من أدوار وجذب وحيوية ممر، مع أهمية ما كان لهذا الأثاث الرمزي الانساني من أثر في عمارة وأمن وأمان وسلم وسلام وأصول وتجدر وجود ووعي وقرب وتقارب ومشترك. وعليه، ما يسجل حول مقدس المدينة عموما من سبل وملمح استقرار، علما أنه كان دوما ولا يزال موضع توقير وتقدير وحرمة وهيبة موقع.

والحديث عن مقدس و"بركة" تازة لا يمكن أن تكتمل صورته، دون ذكر وليها الصالح سيدي عزوز الذي يتوسط مجالها العتيق، ذلك الذي لا يزال برمزية وهيبة موقع وقبه وماض مستمر عابر للزمن لِما هناك من تبرك وزيارة وقُبلة رمزية ومعتقد. وهو بقدر مكانته في أعين اهل البلد وذاكرتهم بقدر ما هو عليه من سؤال أصول، وكان ابن الطيب الشرقي قد أورد ضمن رحلة حجية له عبر تازة نهاية ثلاثينات القرن الثاني عشر الهجري قائلا : ”فيها من المساجد ما فيه غنية للراكع والساجد ومن المزارات.. ما ينتفع بقصده .. وقد زرنا.. من مشاهدها .. سيدي محمد بن الجبش وسيدي عزوز وسيدي واضح، وسيدي أبي الفتوح وسيدي على الدرار وسيدي عبد الله.. وفي خارجها الامام علي بن بري وغيرهم ممن لم نعرف اسمه نفعنا الله تعالى بهم وأعاد علينا وعلى جميع المسلمين من بركاتهم”. وولي تازة “سيدي عزوز” هذا الذي جزء من مقدسها الشعبي، لم يرتبط اسمه وذكره لا بقصيدة ولا بسلطة معينة ولا بجهاد ولا باسم آخر ولا بإرث صوفي ولا بمريدين ولا بنشاط روحي خاص طبع حياته ولا بمنظومة صوفية ولا بانتماء لطريقة أو شيخ ما ولا بشرح وحضرة وذكر وتلقين ولا حتى بكرامات ما. كما أن اسمه لم يرتبط لا بخلوة ولا بأبناء ولا بعلم ولا بقبيلة أو زاوية أو برَكة ولا بتاريخ ميلاد ووفاة ووصية، اللهم ضريحا وقبرا ومزارا منذ على الأقل بداية القرن الثامن عشر الميلادي، هو نتاج بيئة محلية بنوع من الغموض. واللهم ما يرتبط به أيضا في وعي جمعي وافكار تحكم وتطبع كيان مجتمع ومكان وزمن ومن ثمة امتداد وتلاقح اجيال وإرث وذاكرة.
هكذا ولي تازة “سيدي عزوز” مقدس شعبي ضمن اثاث المدينة الثقافي، وما هو عليه من حرمة وعتبة تقدير واحترام وتمثلات بأنوار شموع وأبخرة وعطور وغطاء وهمسة زائر وهدية عبر ثقب. وغير خاف عن مهتمين عارفين بحنطة زمن المدينة وتراثها، كون المدينة كانت بموسم خاص بهذا المقدس من خلال احتفاء خاص سنوي بمناسبة المولد النبوي الشريف، وما ارتبط به من احتفاء وإعداد فرجة عيساوية ودعاء وإطعام وزيارة وحضرة وتعبير فني تراثي، موسم كان الى عهد قريب من تقاليد تازة صوب مقدسها اللامادي. ولعل من أثر تازة الشعبي ممثلا في وليها الصالح هذا، ما كان من إقبال للمدينة في شخص اهلها على اسم ”عزوز” . بل الى عهد قريب كانت مواكب أعراس أسر تازة العتيقة، تصل الى جنبات الضريح اعتقادا منهت في بركة ورزق وعافية وحفظ. ولِما كانت له من هيبة ايضا كان يتم الاحتماء به واللجوء اليه لإثبات براءة من خلال قسم على مصحف شريف بداخله، واعتبارا لمكانته في نسق المدينة، كثيرة هي منشآتها ومؤسساتها فضلا عن محلات خاصة حملت إسمه، من قبيل ثانوية سيدي عزوز وخزان الماء سيدي عزوز ... وكان سيدي عزوز موضوع أشعار وزجل وقصائد مدح تم التغني بها في مناسبات عدة، ويسجل أن من أجمل ما كتب حول سيدي عزوز  من زجل، قصيدة رفيعة للفنان الحاج نور الدين العماري التي كثيرا ما تغنى بها أهل تازة منذ عقود. ولا يزال ضريح هذا الأخير وغيره من اضرحة المدينة وزواياها، من مزارات المدينة كل جمعة فضلا عن مناسبات دينية، ورغم أنه بأصول مجهولة فهو بمكانة خاصة لدى الأهالي وبطقوس زيارة، منها خلع الحداء والطهارة والصلاة على النبي عند بابه فضلا عن قراءة الفاتحة بعد دخول رحابه. ولعل بقدر قدم عادة زيارته، بقدر ما يطبعها من اعتقاد يخص تذكر صالحين من عباد الله تعالى، اقتداء بهم واستحضارا لِما كانوا عليه من صفات وعلم ودين وفكر وتربية واشعاع.

وعن مقدس تازة الشعبي في علاقة بأضرحتها نذكر ما هناك من اعتقادات في ذهنية الأهالي، فهذا سيدي عبد الله اشتهر بعلاج المس من الجن وعليه يشترط بحسب الاعتقاد المبيت فيه ثلاثة ايام مع ذبيحة، وهذا ضريح سيدي عيسى الذي اشتهر في المخيال الشعبي المحلى بعلاج الأطفال المضطربين نفسيا، بحيث يؤخذ المريض اليه ويوضع بجواره قبره لبعض الوقت، وهذا سيدي علي ابن بري امام القراء المغاربة الشهير يعالج المس من الجن أيضا إنما عبر زيارة لثلاثة ايام خلال كل خميس. أما سيدي عزوز مقدس تازة الشعبي الأكثر صدى محليا والذي ينظر اليه أنه بكرامات عدة، قد يكون جاء قادما من غرب المغرب ونواحي سلا تحديدا، بعدما كان بعلاقة هو وجماعة من اصحابه مع أحد صلحاءها الذين تميزوا بعلم وجهاد وقيم وعبادة وتصوف وصلاح، وأن ظروفا ما قد تكون دفعته لفراقه ومعه جماعته ايضا، وقد اختار ربما بخلافهم التوجه صوب شرق البلاد حيث نزل بتازة في زمن غير محدد قد يكون بداية القرن الثامن عشر الميلادي. إن مقدس تازة العتيقة الشعبي، جزء من طبيعة بنيات وتقليد عابر للزمن ضمن اطار جمعي محلي بتداخل وتشكل لصور عيش. وهذا المقدس كما في جل مدن المغرب العتيقة لا يزال مؤسسا لاستمرارية معينة محاطا بحضن وتمثلات وقيم مجتمع. وليس سهلا عزل هذا المقدس عما هو ذهني محلي وعمران بشري، وأنه ليس أمرا جامدا بل بتلاقح وتنشئة وعادات وتقاليد وماض. ومقدس تازة الشعبي الذي بتباين نشأة وأزمنة وأمكنة وصدى، والذي لا يمكن استثناء فيه المدينة عن باديتها في جملة جوانب، هو احتفاء مستمر بإرث ثقافي روحي ونوع من الموسم الحاضر في معيش الأهالي مند القدم. وهذا المقدس الذي بحضور ظاهر وباطن في زمن المدينة، هو أيضا ذلك الذي تعج به لحظاتها وأيامها وأسابيعها وأشهر سنتها وفصولها بين حدث وآخر وذاكرة وأخرى. وأن هذا المقدس الشعبي الذي تستعيد به تازة عبقها عبر أثرها اللامادي، هو غوص يومي في أصول ما هناك من سلوك ووجدان نمط عيش وموت وحياة وبقايا أثر بركة سلف. 

رئيس مركز ابن بري للأبحاث وحماية التراث



#عبد_السلام_انويكًة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنموكًاز العجوز الذي هوى بتازة ...
- حول أنموكًاز الذي هوى بتازة .. ؟
- مسبح تازة الأولمبي ؟ ..
- حول ثقافة التعايش في زمن المغرب ..
- ماذا قد يكون يعني أصل إسم تازة ؟ ..
- تازة .. ذلك الوعاء الأثري المتفرد ..
- القفطان المغربي ذلك التراث ..
- حول الذاكرة والتاريخ وكائن السينما المغربية ..؟
- تازة : حول فن الهيت والكنوز البشرية الحية بالمغرب ..
- حول شجرة اللوز والاحتفاء بأكنول شمال المغرب ..
- في الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء بالمغرب ..
- المغرب الجامعي وأساسيات الجغرافيا البشرية ..
- أكنول : الاحتفاء بشجرة اللوز تثمين لتراث المنطقة اللامادي ..
- حول عناصر القانون الدستوري المغربي ..
- جماعة بوحلو وورش الذكاء الترابي الطبيعي ..
- الدين بين دوغمائية الأولين وتحريفات التابعين ..
- بين المغرب وايران ذاكرة ومشترك تاريخي..
- حول المنتدى التربوي السنوي بصفرو في دورته 12 ..
- موسم الزهر في ربيع تازة البهي ..
- أرشيف المغرب بالمعرض الدولي للكتاب بالرباط ..


المزيد.....




- في البيت الأبيض منذ عصر نيكسون.. كبير خدم رؤساء أمريكا الأسب ...
- تحليل CNN يكشف -دقيقتين حاسمتين- وتفاصيل مخاطر جمّة واجهتها ...
- غزال يقتحم نافذة أحد المصارف ويتسبب بإطلاق الإنذار
- فيديو - أطفال غزة 2026.. حياة معلّقة بين ألم الفقد ومرارة ال ...
- روبوتات في شوارع دافوس: عرض مبتكر يلفت الأنظار
- -أسطول ضخم- يتحرّك نحو إيران.. تحذيرات ترامب ترفع أسهم الحرب ...
- نجل مادورو يستغيث للإفراج عن والديه ويتهم واشنطن باختطافهما ...
- كيف تفاعل الغزيون مع خطة كوشنر لإعادة إعمار غزة؟
- موسكو: اجتماعات روسية أوكرانية أميركية في دولة الإمارات
- سوريا.. فيديو لسقوط الثلوج في حلب وهذا ما تتوقعه الأرصاد


المزيد.....

- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد السلام انويكًة - حول تصوف تازة ومعتقد المدينة الشعبي ..