أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عزيز باكوش - الصناعة الثقافية في المغرب: هل يمكن للثقافة أن تصبح صناعة دون أن تفقد روحها؟ أي مستقبل للصناعة الثقافية بالمغرب؟















المزيد.....

الصناعة الثقافية في المغرب: هل يمكن للثقافة أن تصبح صناعة دون أن تفقد روحها؟ أي مستقبل للصناعة الثقافية بالمغرب؟


عزيز باكوش
إعلامي من المغرب

(Bakouch Azziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 18:19
المحور: الصحافة والاعلام
    


من حيث المبدأ، تقتضي مقاربة الصناعات الثقافية في المغرب الابتعاد قدر الإمكان عن النظرة الاحتفالية أو الموسمية للثقافة، والانتقال إلى تصور استراتيجي تركيبي يجمع بين الثقافة كقيمة رمزية وكرافعة اقتصادية، وكأداة للذاكرة والهوية. وهنا تحديدا يمكن اقتراح مقاربة متعددة المستويات أولا: الإطار المفاهيمي أي كيفية الانتقال من الثقافة إلى الصناعة الثقافية. ذلك أن الصناعة الثقافية المأمولة لا تعني تسليع الثقافة، بل تنظيم إنتاجها وتداولها واستدامتها. في المغرب ما يزال الخلط قائما بين الدعم الثقافي والاستثمار الثقافي عند الحديث عن الصناعة الثقافية في شكلها الخام مثل السينما والدراما التلفزيونية النشر والكتاب الموسيقى والفنون التعبيرية المهرجانات التراث المادي واللامادي الصناعات الإبداعية الرقمية (الألعاب، المحتوى، المنصات) ولم تغادر بعد منطقة الغموض والالتباس من النشاط الثقافي إلى التظاهرة والمشروع -الإبداع والمقاولة الثقافية.

بعين فاحصة يظهر التشخيص النقدي للواقع المغربي اختلالات بنيوية لعل أهمها غياب سياسة ثقافية وطنية مندمجة وواضحة الأهداف. هيمنة منطق الريع والدعم الظرفي بدل منطق المشاريع القابلة للاستمرار. وإذا أضفنا ضعف التنسيق بين وزارات الثقافة، الاتصال، السياحة، التعليم، والاقتصاد. اتضح أمامنا وبشكل مريب هشاشة وضعية المبدع (اجتماعيا وقانونيا.

معظم المقاربات تختزل صناعة الثقافة في التظاهرات ذات الطابع الوطني كالمهرجانات بالنظر إلى ضخامة الميزانيات المخصصة لها، مقابل تهميش الكتاب القاعات السينمائية المسارح الأرشيف. الامر الذي يجعل من الثقافة واجهة سياحية موسمية لا ترتقي إلى مستوى رافعة وعي وآلة إنتاج تنموية.
جانب آخر على قدر كبير من الأهمية، يتعلق بضعف الاستثمار في الذاكرة التاريخية والمقاومة الوطنية على صعيد الإعلام والإنتاج التلفزيوني مقابل سيادة محتوى سريع الاستهلاك على حساب العمق السردي والجمالي. تلفزيون رمضان نموذجا صارخا. حيث يتجلى بوضوح غياب ربط الإنتاج الدرامي بالبحث الأكاديمي والأرشيف الوطني.

لابد من تفعيل المقاربة المؤسساتية بدء بإصلاح الحكامة الثقافية عبر إحداث مرصد وطني للصناعات الثقافية. مراجعة أدوار المؤسسات القائمة، وزارة الثقافة، اعتماد دفاتر تحملات واضحة تربط الدعم: بالجودة بالأثر الثقافي بالتشغيل. مع تفعيل بنود الشراكات الموقعة بين القطاعين العام والخاص لتصبح ملزمة ولا خاسر فيها.
أمر آخر على جانب كبير من الأهمية، ويتعلق بتشجيع الاستثمار الخاص في السينما النشر الموسيقى عبر إحداث تحفيزات ضريبية للمقاولات الثقافية. دعم حاضنات المشاريع الإبداعية. والعمل بواقعية على إدماج الثقافة في النموذج التنموي الجديد كقطاع منتج. ولا تستقيم هذه المقاربات إلا بقياس الأثر أو رجع الصدى لاستبيان القيمة المضافة للثقافة من فرص الشغل الانتقال من ثقافة الدعم إلى اقتصاد الإبداع.
المقاربة الرمزية والهوياتية وهنا بيت القصيد في السياق المغربي تستوجب الاستثمار في الذاكرة التاريخية (المقاومة، الاستعمار، الهامش) التراث الأمازيغي والحساني واليهودي المغربي وتحويل الأرشيف (الرواية، الصورة، الشهادة) إلى: أفلام مسلسلات روايات مصورة منصات رقمية. وهو ما ينسجم تماما مع مشروع سبق أن تقدمنا به للمنتجين والمشتغلين بالسينما حول رواية -الخبز الأسود- للكاتب المغربي الدكتور عمر الصديقي باعتبارها منجم سردي للصناعة الثقافية.
إن دور التعليم والتكوين في إدماج الصناعات الثقافية في: الجامعات معاهد الصحافة مدارس الفنون من أجل تهييئ وتكوين منتجين في المجال الثقافي ومديري مشاريع ووسطاء ثقافيين مركزي وأساسي في أفق تصور عملي يمكن تلخيصه في ثلاث كلمات: رؤية – حكامة – استدامة. والسؤال الجوهري هنا ليس هل نملك ثقافة غنية؟ بل هل نملك القدرة على تحويلها إلى صناعة دون تفريغها من معناها؟
إن التحدي الحقيقي الذي يجب رفعه حتى تنتقل الصناعة الثقافية في المغرب من منطق التظاهرة إلى رهان الاستدامة. هو الاقتناع الرسمي بأن الثقافة في سياق التحولات العالمية لم تعد اليوم فعلا رمزيا أو تعبيرا جماليا معزولا، وإنما أضحت قطاعا إنتاجيا قائما بذاته. حيث تتقاطع الإبداعية مع الاقتصاد والذاكرة مع السوق، والهوية مع الاستثمار. غير أن مقاربة هذا المفهوم في المغرب ما تزال تثير أسئلة عميقة حول الرؤية والحكامة، وجدوى السياسات المعتمدة.
من مقتضيات التحديث أن تقوم الصناعة الثقافية على تنظيم إنتاج الثقافة وتداولها وضمان استدامتها، دون اختزالها في منطق الربح الخالص. وهي تشمل السينما والدراما التلفزيونية والنشر والموسيقى والفنون التعبيرية والمهرجانات، والتراث والصناعات الإبداعية الرقمية. غير أن الإشكال في السياق المغربي يكمن في استمرار الخلط بين الدعم الثقافي والاستثمار الثقافي، وبين التظاهرة الظرفية والمشروع طويل النفس، ما يجعل الثقافة أسيرة منطق المناسبات لا رافعة للتنمية. وهو ما يوسه الهوة بين المفهوم والالتباس.
ورغم إقرار الجميع باختلالات بنيوية مزمنة ناجمة عن معاناة حقيقية لقطاع الثقافة راجعة بالأساس إلى غياب سياسة وطنية مندمجة واضحة الأهداف، قادرة على ربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فإن طغيان منطق الريع والدعم غير المشروط على حساب منطق المشاريع القابلة للاستمرار والتقييم. هو العملة السائدة اليوم. يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية وهشاشة الوضعية القانونية والاجتماعية للمبدعين مما يحول دون تشكل مقاولات ثقافية حقيقية.
على صعيد آخر. لا يمكن إنكار الدينامية التي أحدثتها المهرجانات في المشهد الثقافي المغربي. غير أن تضخمها المالي والإعلامي رافقه تراجع الاستثمار في البنيات التحتية الثقافية الأساسية القاعات السينمائية المسارح، المكتبات، والأرشيف. تحولت الثقافة في حالات كثيرة إلى واجهة سياحية أو أداة تلميع رمزي بدل أن تكون مشروعا مجتمعيا لبناء الوعي وتراكم الإنتاج.
يبرز القصور بشكل جلي في مجال الإنتاج التلفزيوني، حيث يلاحظ تغييب شبه ممنهج للذاكرة التاريخية، خاصة تاريخ المقاومة الوطنية والكفاح ضد المستعمر الفرنسي او الاسباني مقابل هيمنة محتوى سريع الاستهلاك ضعيف الصلة بالبحث الأكاديمي والأرشيف. إن هذا الخلل لا يعكس فقرا في المادة السردية، بل غياب إرادة حقيقية لربط الصناعة الثقافية بالذاكرة والهوية، وتحويل التاريخ إلى مادة فنية جذابة وذات قيمة.
إن تجاوز هذه الإشكالات يمر عبر إصلاح عميق لحكامة القطاع الثقافي، من خلال إرساء رؤية وطنية للصناعات الثقافية. ربط الدعم العمومي بالجودة والأثر الثقافي والتشغيل. تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. تحفيز الاستثمار في المقاولات الثقافية عبر آليات ضريبية وقانونية.
يشكل المغرب خزانا هائلا من الذاكرة التاريخية والتعدد الثقافي الأمازيغي، الحساني اليهودي المغربي وتجارب المقاومة والهامش. غير أن هذه الثروة لا تزال غير مستثمرة صناعيا. فتحويل الأرشيف، والرواية، والشهادة، والصورة إلى أفلام، ومسلسلات، وروايات مصورة، ومنصات رقمية، يمثل مدخلًا حقيقيًا لبناء صناعة ثقافية ذات معنى.
لا يمكن للصناعة الثقافية أن تتطور دون تكوين مهني متخصص، يدمج الثقافة في الجامعات ومعاهد الإعلام والفنون، ويخرج منتجين ثقافيين، ومديري مشاريع، ووسطاء قادرين على الربط بين الإبداع والسوق. إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في التساؤل عمّا إذا كان المغرب يملك ثقافة غنية، بل في قدرته على تحويل هذه الثقافة إلى صناعة مستدامة دون تفريغها من بعدها الرمزي.
فالصناعة الثقافية ليست ترفًا، بل خيارًا استراتيجيًا، يتطلب الانتقال من منطق الدعم الظرفي إلى اقتصاد الإبداع، ومن الاحتفال العابر إلى المشروع الثقافي طويل المدى.



#عزيز_باكوش (هاشتاغ)       Bakouch__Azziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام والتحولات الأسرية في العصر الرقمي: نحو خطاب إعلامي م ...
- في الجزء الأول من رائعة دوستويفسكي – الجريمة والعقاب التركيز ...
- صديقنا الكاتب والمسرحي لا يهوى الجلوس في مقاهي المدينة إلا ل ...
- المقهى الثقافي -لاكوميدي- - La comedie بفاس- المغرب - هي ذاك ...
- متحف الحاج عبد الكريم الرايس لتراث الموسيقى الأندلسية بفاس - ...
- فخ العولمة - الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية - تأليف هانس ...
- عولمة العولمة - لعالم المستقبليات د المهدي المنجرة
- ديوان - جواد ليس لأحد- للشاعر الدكتور إبراهيم ديب صدر في الع ...
- التحليق بأجنحة الحداثة في الشعرية العربية - للأستاذ الشاعر ا ...
- عبد الكريم الدرقاوي في ندوة المهرجان يكشف عن مفارقة مؤلمة في ...
- اسئلة النقد السينمائي بالمغرب :من يشاهد الآخر ؟ من يصور الآخ ...
- بنكهة الجرح الجميل يسم الشاعر يحيى عمارة ديوانه الثامن -كرنف ...
- تازة وباديتها - المغرب - من خلال الأرشيفات الأجنبية والتراث ...
- سيارة تشبهني
- ابتلاعات -قصة رجل ظل يقف طويلا بباب رئيس المجلس البلدي عند ب ...
- -ذاكرة الأسامي- للأديب الراحل محمد الفشتالي - أجمل القراءات ...
- ليام نيسون Liam Neeson يضفي إنسانية على أدواره عندما يتقمص ا ...
- - JUSQU AU BOUT DU COEUR - حتى آخر القلب - للشاعرة المغربية ...
- الروائية الشابة فاطمة الزهراء بنموسى - الخيال مفتاح اللغز- د ...
- قراءة متجددة لكتاب -- ملامح الكتابة الصحفية- السمات اللغوية ...


المزيد.....




- أغرب لحظات ترامب خلال عامه الأول في البيت الأبيض
- عبدالله بن زيد: رئيس الإمارات قبل دعوة من ترامب للانضمام إلى ...
- -انهيار الاتفاق- بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية ...
- كل ما تحتاج معرفته بشأن -مجلس السلام- لترامب
- الهند: مطاردة الساحرات.. نساء يدفعن حياتهن ثمنا
- تونس: مصرع 4 أشخاص بسبب سقوط أمطار غزيرة وفيضانات
- -حكاية جدار- لناصر ابو سرور-: سيرة ذاتية كتبت من جدران الزنا ...
- ماكرون: ما يحدث هو -?تحول نحو عالم بلا قواعد، حيث يُدهس القا ...
- ترامب يتحدى الأعراف الدولية وينشر رسائل -خاصة- تلقاها من ماك ...
- شائع الزنداني.. دبلوماسي مخضرم على رأس الحكومة اليمنية


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عزيز باكوش - الصناعة الثقافية في المغرب: هل يمكن للثقافة أن تصبح صناعة دون أن تفقد روحها؟ أي مستقبل للصناعة الثقافية بالمغرب؟