أحمد جرادات
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 00:35
المحور:
التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
مرَّةً أُخرى: لَكُم دِينُكم ولـيَ دِينْ
لِمَنْ أُقدِّم استقالتي!! !
)ولِمن لا يَهمُّه الأمر، هذا ليس سؤالاً استفهاميًا، بل سؤال استنكاري(.
خلفيَّة
منذ اليوم التالي لعقد "المؤتمر التوحيدي" للحزب الشيوعي الأردني في 12 أيار/مايو عام 2023، الذي كُلِّفتُ برئاسته، وتولَّيتُ إدارته ملتزمًا بالتوافقات الحزبية بين أطراف الشيوعيين المتباعدة والمتباغضة والمتوجِّسة، ومؤتَمنًا على تنفيذها بحذافيرها بأمانة، وكنتُ بذلك الشاهد العَيان على آماله المعقودة ومآلاته البائسة، بدأتْ مجموعة عُصبوية في قيادة الحزب- سأصفها من هنا فلاحقًا بـ "الطُغمة الانقلابية الليبرالية/الطُغمة"- بالتخطيط والتدبير والعمل المستهدف لِحياكة انقلاب ليبرالي على الحزب وبرنامجه الوطني ونظامه الأساسي وأمينه العام الرفيق سعود قبيلات الذي تم اختياره في المؤتمر. وبعد مرور ما يربو على سنتين استمرَّت هذه الطُغمة، على نحو مُمنهج، في إغراق الحزب في المؤامرات والدسائس وتكبيله بالارتباطات والولاءات المتعددة والمتعدِّية، فضلاً عن ارتباط بعضهم بمصادر التمويل الأجنبي لمصالحهم الخاصة، من قبيل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "يو إس أيد"، وشلِّه بالممارسات والسلوكات المُشينة والغريبة على تاريخ الحزب، من بينها استخدام "فُتوَّات" فُجَّار لترهيب الرفاق والرفيقات الذين يعارضونهم في المواقف السياسية والفكرية والتنظيمية (وقد افتتحَ أولئك "الفتوات" أُولى غزواتهم بالهجوم على منصة رئاسة المؤتمر التوحيدي للحزب والاعتداء على الرئيس لأنه رفضَ تمرير مؤامرتهم).
وفي الوقت الذي ما زالتْ شعوبنا وبلداننا تخضع لأقسى الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ ما يربو على قرن.. من الاحتلال الصهيوني الهمجي لغزة وتدميرها بأكملها وإبادة أهلها وتهجيرهم واستخدام تجويعهم سلاحًا حربيًا في واحدة من أبشع مجازر التاريخ بدعم كامل ومشاركة مباشرة من الولايات المتحدة والغرب الاستعماري.. إلى عمليات تدمير وتجريف المخيمات و القرى والأحياء وقتل الفلسطينيين واعتقالهم والتنكيل بهم في الضفة الغربية المُقطَّعة الأوصال بالمستوطنات والخاضعة فعليَّا لسلطة الجيش الإسرائيلي بوجود وكيل أمني للاحتلال في السلطة الفلسطينية، وإعلان خطط وقرارات ضمِّها إلى الكيان الصهيوني وتهجير أهلها إلى الأردن بهدف تصفية القضية الفلسطينية نهائيًّا على الأرض الأردنية وإقامة الوطن البديل فيها أو عليها.. إلى العدوان الغاشم على لبنان وتدمير الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية والبقاع واغتيال قادة وكوادر المقاومة وحزب الله، وعلى رأسهم الأمينان العامَّان للحزب، وصدور قرار بتكليف الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله، مع الإعلان عن خطة أميركية -إسرائيلية قيد التنفيذ لنزع سلاح الحزب بالقوة والقضاء عليه، الأمر الذي لا يمكن أن ينصاع له الحزبُ الذي وُلد ونشأ في خضم حرب التحرير، ولا مقاومتُه التي حرَّرت الجنوب اللبناني في عام 2000 وانتصرت في حرب تموز العدوانية في عام 2006، ولا بيئتُه التي حقَّق لها حريتها وكرامتها ورسَّخ حيثيتها الاجتماعية والسياسية. وقد تشتعل حرب أهلية ضَروس ما فتئتْ الجماعات الموالية لإسرائيل واميركا والغرب الاستعماري تنفخ في صوُرها، وستكون بالنسبة لحزب الله حربَ وجود كربلائية ولأعدائه وخصومه حربَ إلغاء فاشيَّة.. إلى العدوان الثلاثي التركي- الإسرائيلي-الأميركي على سوريا واحتلالها بجحافل الإرهابيين التكفيريين المصنَّفين والمطلوبين عالميًا من هيئة تحرير الشام- سَليلة تنظيميْ القاعدة وداعش- وإسقاط النظام فيها وتسليمهم مفتاح دمشق.. إلى العدوان االإسرائيلي- الأميركي المباشر على إيران وتدمير منشآتها النووية واغتيال العديد من قادتها العسكريين والسياسيين، والاعتدات العسكرية على اليمن.. إلى الكوارث الجيو- سياسية الأشد خطرًا على المنطقة برمَّتها منذ مؤامرة "سايكس بيكو"، وذلك بإعادة تقسيمها وتفتيت شعوبها إلى جماعات طائفية ومذهبية وإثنية متحاربة وموالية للعدو، وتغيير الخرائط السياسية والديموغرافية، التي أغرَتْ سفَّاحًا كبنجامين نتنياهو على تقديم نفسه كنبي جديد لليهود اختاره ربُّه لتحقيق حلمهم القديم، وإعلان عزمه على إقامة إسرائيل الكبرى التوراتية، التي تشمل دولاً عربية مُسالمة لها أو مطبِّعة معها وقوى صديقة أو تابعة أو عميلة لها.
- وفي الوقت الذي تُحْدق بفلسطين والأردن والشعوب العربية كافَّة كل هذه الأخطار الوجودية المَهولة، وربما القادم أخطر، تكتفي الطغمة الانقلابية الليبرالية المهيمنة على الحزب بإصدار بيانات شجب واستنكار معلوكة وممجوجة، وتتلهَّى بطبخة حصى حل الدولتين الذي تعلن إسرائيل رفضها القاطع له، وبذلك تكفي نفسَها "شرَّ النضال"، بل وصل الأمر بجماعة سلطة أوسلو في الطغمة الانقلابية إلى حد الدفاع عن "أُطروحة" الدعوة إلى نبذ المقاومة المسلحة في قطاع غزة والضفة الغربية واعتبارها مسؤولة عن جرائم الإبادة الجماعية والدمار الشامل ولم تثمر سوى الخراب، وإلى تبنِّي العمل السياسي والمقاومة الشعبية (الاسم الكودي لإدانة المقاومة المسلحة في القطاع والضفة)، وتَحضُّ الأطروحة "الذهبية" البديلة المقاومة الفلسطينية على التخلي عن سلاحها. وبأسلوب الإعلانات التجارية عن السلع، تطلب من الشعب الفلسطيني أن "يجرِّب المقاومة الشعبية، ففيها إيجابيات كثيرة، ولها موقع في ذاكرة الشعوب" (تَذَوَّقوها فإنها لذيذة). وتمضي "الأُطروحة" في القول إن "الترحيل والتهجير لا يُفشله سوى الحراك الشعبي المنظَّم، الذي بمقدوره أن يهزم جميع العقبات المعترضة" (هي إذن مسألة تغلب على عقبات معترضة وليست تحرير أرضه المحتلة). وقد أدَّى كل ما ذُكر آنفًا في النهاية إلى خَلْق مُعضلة مستعصية وحالة ميؤوس منها، حيث تُحوِّل الطُغمة الانقلابية الليبرالية الحزب الشيوعي المجيد والعريق إلى دكان سياسي مُفلس، وتُشكِّل داخله، وبدلاً منه، كيانًا هزيلاً "يلعب" في ملعب مُفصَّل على مقاسهم، وتحت سقف "على قدِّ" هاماتهم، وحتى بلا جُمهور على مدرَّجاته.
- ورفضًا للانقلاب الليبرالي البغيض الذي نُفِّذ بتساوق تام مع مُقتضيات مرحلة الانحطاط التاريخية الراهنة؛
- واقتناعًا من جانبهم باستعصاء الأزمة البنيوية التي تعصف بالحزب والتي خلَقَتْها تلك الطغمة الانقلابية، وبالتالي استحالة التغيير، أو حتى الإصلاح؛
- ولكلِّ ما تقدَّمَ وغيره مما سيَرِد لاحقًا لم يَعدْ أمام عدد من المناضلين الشيوعيين من قادة الحزب وكوادره وأعضائه على إعلان استقالاتهم من الحزب، منهم مَن قدَّمها فعلاً ومنهم من ينتظر، يحدوهم أملٌ سَرابٌ في التغيير أو حتى الإصلاح، "فما أضيقَ العيش لولا فُسحة الأملِ" (مؤيد الدين الطغرائي).
نَصُّ الاستقالة
الديباجة
بِنشوة الحنين الرومنسي الثوري، أو ربما "متلازمة" النوستالجيا، لكن بعميق الحزن والألم والفجيعة، أطوفُ في ذاكرتي، فأرى حزبنا العتيق العظيم وهو ينوء تحت نِير هذه الطُغمة الانقلابية الليبرالية التي اختطفتْه، وأرى رفاقيَ من المعادن العتيقة الثمينة، الراحلون منهم أو الباقون على قيد الحياة، وهم يقارعون هذ الطغمة التي تصنع مخلوقًا هجينًا، وزومبي ميِّتًا يمشي، وكيانًا رثًّا لا يُشبههم ولا يُشبهونه، وليس له من اسمه أدنى نصيب. هذا المخلوق/الكيان الهجين الذي تقوم الطغمة الانقلابية الليبرالية بتصنيعه على صورتها لا يَمُتُّ بأية صِلة إلى:
- الأرض التي قام المناضلون الشيوعيون بفلاحتها بأسنانهم وأظافرهم، وهو ليسَ فرعًا أو غُصنًا من الشجرة الخضراء التي غرَسها الشيوعيون وسقوها بتضحياتهم من أجل وطنهم وشعبهم، بل غابة حَطبٍ يابس لا نَسغَ في عروقها ولا تَصلُح إلا لتلْقيم مَواقد حطَّابين لا أرواحَ في أجسادهم..
- ولا إلى الطريق الذي سارَتْ عليه خُطاهم بثَبات، والهواء النقيِّ الذي تنفَّسوه، والنبع الصافي الذي شربوا من مائه الزُلال، والبيت الدافئ الذي تركوا إرثهم إلى عائلاتهم في جَنَباته..
- ولا إلى مكتبة التاريخ التي أودعوا فيها كتابهم الذي سطَّروه بعقولهم وقلوبهم، واللحن الثوري الذي صدَحوا به لأجيال الشباب القادمة، والشعار الجميل الذي رفعوه فوق هاماتهم: "وطنٌ حُر وشعبٌ سعيد" ونالوا بسببه القيود والشقاء باختيارهم الواعي..
- ولا إلى الهدف النبيل الذي عاشوا من أجل تحقيقه وسَفحوا في سبيله عذاباتهم تحت أرفع عنوان: "الاشتراكية أو الهمجية"، والنشيد الأمميّ الذي طالما ردَّدوه في فضاء الإنسانية جمعاء، ومنظومة القِيَم الراقية والمُثل العُليا التي آمنوا بها، ومِصباح الضميرِ الصافي الذي هدَى مسيرتهم الطويلة الشاقَّة..
- وليسَ في قاموس هذا المخلوق/الكيان بابٌ لمانيفستو ماركس وإنجلز مُذيَّلاً بالنداء العظيم: "يا عمال العالم اتَّحدوا"، فقد حَلَّتْ محلَّه عندهم رَطانةُ فوكوياما وهنتنغتون النيوليبرالية "نهاية التاريخ والإنسان الأخير وصدام الحضارات وموت الماركسية اللينينية"، وإن تشدَّق بغير ذلك..
- بل ما هوَ إلا مخلوق هجين، وكيان رثّ، وزومبي ميِّت يمشي، يُدمِّر كل شيء في طريقه، يتشبَّثُ بغريزة البقاء وهو يتحلَّل ويتفسَّخ، لا يُشبهنا ولا نُشبهه، وليس له من اسمه أدنى نَصيب.
إنني إذْ أدعم خطوة الرفاق الذين قدَّموا استقالاتهم، وأتفهَّم الرفاق الآخرين الذين يعلٍّلون النفس بآمال التغيير أو حتى الإصلاح وأخشى عليهم من صدمة الشعور بخيبة الأمل، أتساءلُ مستنكرًا: لِمن أُقدِّم استقالتي، فردًا كان أم جماعةً أم عصابة؟ ألِطُغمة الانقلاب الليبرالي التي هدَمتْ الصرح المَهيب الذي شيَّدتْه أجيال من الشيوعيين الأردنيين بتضحياتهم وعذابات عائلاتهم على مدى ما يربو على سبعين عامًا؟ أم لِزُمرةٍ لا علاقة لها بقضايا الشعب والوطن، لا أعترفُ بها ولا أحترمُها؟ إنني لا أجدُ في هذه الطغمة مَن يستحق تقديم استقالتي له لأنها غاليةٌ على قلبي، أغلى من أن أُقدِّمها لأحد. ولن ألجأَ إلى بِدعة "النأي بالنفس"، ولا أقبل الاكتواء بجمر انعدام التصالح مع الذات مرَّتيْن، من السُلطة والطُغمة، مرَّةً كمأساة ومرَّةً كملْهاة.
الإعلان
ولذا، فإنني أتوجَّه إلى جماهير شعبنا الأردني، التي قَضيتُ جُلَّ حياتي في النضال من أجلها وباسمها- حتى لو كان ذلك حُبَّا من طرف واحد- مُرتحلاً بين السجون ومراكز الاعتقال والاختفاء القسري، ومُعرَّضًا لأشكال التنكيل، ومعزولاً من الوظيفة وممنوعًا من العمل والسفر طوال حقبة الأحكام العرفية المكارثية، لأُعلنَ لها أنني أُغادرُ هذه الطغمة الانقلابية الليبرالية المهيمنة على الحزب الشيوعي الأردني، وأُدينُها وأُحمِّلُها المسؤولية التاريخية عن التدمير الممنهَج لهذا الحزب المَجيد، وأنني أُفارقُها ما بَقِيَتْ جاثمةً على صدره، وأقول لها بأوْجزِ الكلام وأبْلَغِه:
" لَكُم دِينُكم وليَ دِين.."
وإلى أن تَزولَ هذه الغُمَّة ويَنقشعَ هذا الليلُ البَهيم، ويحرِّر الحزب نفسه ويستعيد مجده.. اعْلَموا أنَّ التاريخ لا يأبَهُ باللحظات العابرة ولا يُقيمُ وزنًا للعابرين.
#أحمد_جرادات (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟