أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وسيم وني - سياسة التجويع والبرد: كيف تُدار الإبادة دون صوت في غزة…بقلم د. وسيم وني














المزيد.....

سياسة التجويع والبرد: كيف تُدار الإبادة دون صوت في غزة…بقلم د. وسيم وني


وسيم وني
كاتب

(Wassim Wanni)


الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 23:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم الدكتور وسيم وني - عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين

في غزة، لم يعد الموت حدثًا مفاجئًا تقوده الطائرات أو تُعلن عنه صفارات الإنذار، بل بات زحفًا بطيئًا، صامتًا، يتسلّل إلى الأجساد عبر البرد والجوع والحرمان ، هناك، حيث يُفترض أن يكون الشتاء فصلًا عابرًا، تحوّل المنخفض الجوي الأخير إلى أداة قتل، وإلى شاهد جديد على مأساة لا تنتهي، تُدار هذه المرة بلا قنابل، ولكن بسياسة متعمدة لترك شعبنا الفلسطيني وحيدًا في مواجهة الطبيعة.

آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة باتت اليوم تعيش بلا بيوت، بعد أن أُجبرت على النزوح تحت وطأة القصف والتدمير، خيام مهترئة، لا تقي من الرياح ولا تصمد أمام سيول الأمطار، وأصبحت مأوى مؤقتًا لأطفال ونساء وشيوخ ، ومع اشتداد موجة البرد، تحوّل هذا “المأوى” إلى فخ قاتل للأطفال الرُضّع الذين فارقوا الحياة بسبب انخفاض درجات الحرارة، ومسِنّون لم تقوَ أجسادهم المنهكة على الاحتمال، ومبانٍ متصدعة انهارت فوق من احتموا بها، في مشهد يعكس انهيار الحد الأدنى من شروط البقاء على قيد الحياة لا أكثر .

والخطير في هذه المأساة أنها ليست نتاج كارثة طبيعية مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لسياسات وإرهاب دولة منظم وممنهج ضد أبناء شعبنا الفلسطيني ، فالاتفاقات التي نصّت على إدخال مساعدات إنسانية عاجلة، وتأمين مأوى مؤقت لأبناء شعبنا ، جرى الالتفاف عليها بشكل متعمد من قبل سلطات الاحتلال ومنع دخول الكرفانات والخيام الجاهزة ومواد الإغاثة الأساسية لم يكن عجزًا لوجستيًا، بل قرارًا سياسيًا واعيًا ومخططاً له، يترك شعبنا برمته عُرضة للبرد القارس، وكأن الطبيعة استُدعيت لتُكمل ما بدأته الحرب.

حين يُحرم الإنسان من المأوى في ذروة الشتاء، فإن ذلك لا يُصنّف إهمالًا، بل يدخل في إطار استخدام الظروف الحياتية كسلاح ، نعم إنها الإبادة الصامتة ، لا تثير الضجيج، ولا تُظهر صور الدمار المباشر، لكنها تُنتج النتيجة ذاتها: موتٌ بطيء، ومعاناة ممتدة، واستنزاف شامل للحياة ، فهنا، لا يُقتل الإنسان دفعة واحدة، بل يُترك لينطفئ تدريجيًا تحت وطأة البرد والمرض والجوع.

وفي الوقت الذي تغرق فيه خيام غزة تحت الأمطار، ينشغل العالم بملفات أخرى، وتُدفع المأساة الفلسطينية إلى هوامش التغطية الإعلامية والسياسية ، وهذا التجاهل لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، لأن الصمت في مثل هذه الظروف يتحول إلى موقف، وإلى غطاء يسمح باستمرار الجريمة ،حين تُترك صرخات الأمهات بلا صدى، وتُمحى صور الأطفال الذين قضوا بردًا من الذاكرة الجماعية، يصبح العالم شريكًا في الإبادة، لا مجرد شاهد عليها.

فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، تنص بوضوح على حماية المدنيين وقت النزاعات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع العقاب الجماعي بكافة أشكاله ، غير أن هذه القواعد تُفرغ من مضمونها عندما لا تُقابل بآليات محاسبة حقيقية ، فما يجري في غزة يُشكّل انتهاكًا صارخًا لهذه المبادئ، ويكشف عجز النظام الدولي عن حماية أبسط حقوق الإنسان حين يكون الضحية شعبًا كاملاً محاصرًا برمته.

إن ما يحدث اليوم في غزة يتجاوز كونه أزمة إنسانية طارئة، ليصبح نموذجًا خطيرًا لتطبيع المعاناة، واختبارًا قاسيًا لمدى جدية المجتمع الدولي في الدفاع عن القيم التي يرفعها ، حين يُترك شعب كامل ليواجه الشتاء بلا مأوى، وتُستخدم الاتفاقيات كأوراق تفاوض لا كالتزامات ملزمة، فإننا أمام جريمة سياسية مكتملة الأركان، تُرتكب ببطء وتحت غطاء الصمت.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المركّبة، لا يمكن إغفال الجهود التي تبذلها القيادة الفلسطينية في سبيل رفع المعاناة عن أبناء شعبنا في قطاع غزة، سواء عبر التحركات السياسية والدبلوماسية المتواصلة، أو من خلال مخاطبة المؤسسات الدولية والأطراف الفاعلة للضغط باتجاه إدخال المساعدات الإنسانية وتأمين الحماية للمدنيين ، ورغم محدودية الأدوات في ظل واقع الاحتلال وغياب الإرادة الدولية الجادّة، تواصل القيادة الفلسطينية مساعيها لتثبيت القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وفضح السياسات التي تُمارس بحق شعبنا باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

في النهاية إن ما يجري في غزة اليوم يفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تقع على عاتق الاحتلال وحده، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي يملك أدوات المحاسبة ويختار تعطيلها ، وبينما يستمر شعبنا في دفع ثمن هذا الصمت، تبقى الجهود الرسمية الفلسطينية جزءًا من معركة الدفاع عن الحق في الحياة، وعن كرامة الإنسان الفلسطيني، في مواجهة سياسات الحرمان والتجويع والقتل البطيء ، فغزة لا تحتاج إلى بيانات تضامن، بل إلى فعل دولي يُنهي الجريمة، ويعيد للقانون الدولي معناه، وللعدالة وظيفتها، قبل أن يتحوّل الصمت إلى حكمٍ نهائي على الضمير الإنساني.



#وسيم_وني (هاشتاغ)       Wassim_Wanni#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجون الاحتلال بين السياسة والجريمة: حين يتحوّل الإذلال إلى إ ...
- الأقصى على أبواب اختبار خطير: ماذا تُخبّئ أيام “الحانوكاه” ل ...
- تآكل الشرعية وتصدع القيادة: إسرائيل تدخل مرحلة الخطر الوجودي ...
- استهداف القيادة الفلسطينية: قراءة في خطورة التحريض الممنهج ض ...
- واحد وعشرون عاماً… ولا يزال أبو عمار حالة من النهوض الوطني ا ...
- أسرانا خلف جدران العزلة.. جريمة صامتة تفضح سقوط الإنسانية …ب ...
- الدبلوماسية الفلسطينية تُربك إسرائيل وتعيد تموضع القضية دولي ...
- فلسطين تُعترف بها دوليًا : نجاح سياسي وإنساني يعزز مكانة فلس ...
- حين يصبح الموت أهون من النزوح ..غزة بين الإبادة والتهجير الق ...
- الإعلام الفلسطيني في لبنان.. معركة الوعي وحماية الهوية...بقل ...
- غزة… الجوع كقنبلة صامتة في وجه الإنسانية...بقلم د. وسيم وني
- الأقصى بعد نصف قرن من إحراقه: من ألسنة اللهب إلى مخطط الإحلا ...
- في غزة المُجوَّعة.. حوامل يواجهن الموت، وأجنّة يُحاصَرون في ...
- المساعدات الإنسانية بين القانون الدولي وممارسات الاحتلال غزة ...
- في يوم الأسير الفلسطيني لابد للقيد أن ينكسر مهما طال أمد الا ...
- اسرائيل الكيان الخارج عن القانون
- إنهاء الأونروا تمهيد لتصفية القضية والعمل بصفقة القرن مع عود ...
- هل تشهد المنطقة بداية النهاية للحرب؟..
- عداد الموت والدمار في غزة لا يتوقف مع استمرار المجازر اليومي ...
- الفلسطيني يتحدى آلة الموت الإسرائيلية ويتمسك بأرضه..


المزيد.....




- انفجار كبير يهزّ وسط مدينة أوتريخت الهولندية: انهيار عدة مبا ...
- -خطوة في الاتجاه الصحيح-.. حماس تدعم تشكيل لجنة تكنوقراط في ...
- ما الدور الذي يلعبه -الموساد- في اضطرابات إيران؟
- كحل العيون... كيف صمد هذا التراث لآلاف السنين؟
- كلمة -انتفاضة- تقود ناشطا فرنسيا إلى المحاكمة
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين: ترامب طلب تجهيز ...
- إثيوبيا تصادر آلاف الطلقات وتتهم إريتريا بتسليح متمردين في أ ...
- وزير باكستاني: ترتيبات جارية لاتفاق دفاعي مع السعودية وتركيا ...
- أرعدت الامبريالية الأمريكية في كاراكاس فهل تزبد في طهران؟
- مسؤول خليجي لـCNN: أربع دول عربية ساعدت في خفض التوتر بين أم ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وسيم وني - سياسة التجويع والبرد: كيف تُدار الإبادة دون صوت في غزة…بقلم د. وسيم وني