أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - -أرى ترامب يمتطي حصانا-.. صورة بونابرت تعود في القرن الواحد والعشرين















المزيد.....

-أرى ترامب يمتطي حصانا-.. صورة بونابرت تعود في القرن الواحد والعشرين


احمد الكافي يوسفي

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 22:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أحمد الكافي يوسفي: باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

مقدّمة : "بين حصانين"
بين صورة الطائرات الأمريكية فوق فنزويلا وصور نابليون فوق حصانه، تمتد مهزلة تاريخية واحدة، أو قل يعيد التاريخ نفسه في شكل مهزلة. لقد لبس ترامب اليوم عباءة بونابرت، مقلدا خطاب التحرير ذاته لتمرير الهيمنة، فيما تهلل له نخب في الجنوب مقتنعة أنها تشهد فتحا حضاريا جديدا. ههنا نحفر في جذور هذه المهزلة المتكررة: كيف يتحول الغازي إلى "محرر" في وعي المغلوب، وكيف تغذي تبعية الوعي أبدية دورات الغزو والاحتلال، ههنا نحفر في ارشيف "الروح المشوّهة" وسنداتها داخل مجتمعاتنا التي تستقبل سيف المحتلّ المغلّف بشعارات الحرية بوصفه بُشرى، بدلا من أن تراه محنة تتكرّر.
1) المشهد المتكرر: من جبال الألب إلى بحر الكاريبي
يرى البعض في مشهد ترامب وهو يقود عملية عسكرية ضد فنزويلا تجسيدًا لفكرة الحريّة والتقدّم والإنسانية. فهناك من لا يحملون عمق هيغل الفكري، لكنهم يرون العالم بمنظاره التقدمي الأحادي، فيتخيلون أن "روح العصر" الحديثة و"قيم الأنوار" تتجسد في القوة الغازية، لتخلص فنزويلا – في زعمهم – من الاستبداد والإرهاب والمخدرات التي تهدد الشعب الأمريكي. وهكذا يُصَوَّر الغزو على أنه مسيرة تحريرية تقدمية.
ففي خضمّ الأحداث العسكرية المتسارعة في فنزويلا، يصدح صوتٌ من الجنوب مؤيدا للعملية العسكرية الامريكية "الباهرة" بلغة ترامب، وهو صوت الرئيس الأرجنتيني، خافيير ميلي، الذي رفع شعار "الحرية تتقدّم. تحيا الحرية يا للعنة!»،( LA LIBERTAD AVANZA VIVA LA LIBERTAD CARAJO) ليقدّم موقفا يجعل من الاجتياح الأمريكي لحظة تاريخية تحريرية.
في هذه الرؤية، لا تُصوَّر الحملة العسكرية على أنها مجرد عمليّة لمكافحة المخدرات أو تدخّل في سيادة دولة، بل تُرفع إلى مرتبة "تقدّم" لروح الحرية الحديثة، التي تجتاز الحدود، وتحقّق ذاتها بالقوّة، فيحوَّل بذلك الصراع إلى مسالة فكرية تتعلق بنشر الحرية والحضارة ضد الفساد والتوحش ، حيث يلعب الأسطول الأمريكي دور أداة نشر الحضارة، ويُصبح النظام الفنزويلي مجرد عائق ماديّ في طريق "التقدّم" الذي لا يقهر. هذا الخطاب لا يشرعن الفعل العسكري فحسب، بل يمنحه قوّة أخلاقية ومبرِّرا تاريخيا، مكرّسا تناقضا بين قوى "التحرير" التقدمية وقوى "الاستبداد" الرافضة لمسار التاريخ.
في هذه الرؤية، لا يعدو ترامب أو نابليون كونهما شخصين، بل هما تجسيد لـ"روح العالم" المتمثلة في الفكر والتقدم والحرية، التي تتخذ هيئة بشر وتزحف على الجغرافيا. ففنزويلا، أو أي بقعة أخرى مثل سوريا أو ليبيا أو غزة (التي طُلب من سكانها المغادرة سابقًا)، تصير مجرد "أمكنة" على خريطة هذه الروح، تُهَدم ليمرّ فيها قطار العقل المزعوم ويكمل مسيرته الحتمية. إنها رؤية تقوم على الغزو والاحتلال و تختزل الشعوب والأوطان في مجرد عوائق تحول دون تحقق هذا المطلق.
لكن ما يعنينا، نحن في بلدان الجنوب، هو أمر آخر. فليس بيننا هيغل يقرأ التاريخ، بل حفنة من "المثقفين" والمفكرين" – دينيين كانوا أم يساريين أم حقوقيين – الذين تحولوا إلى أدوات. هؤلاء يرون في غزو أوطانهم وتدميرها تحقيقا للحرية والحداثة. فهم يبررون الوصاية والاحتلال تحت شعارات حداثية وحقوقية وانسانية. وهذا هو التحدي الحقيقي: مقاومة هذا الخطاب الذي يتسلل كحصان طروادة. فالمحتل سيظل محتلا، ولن يُردع إلا بمقاومة شاملة، مادية وفكرية نقدية معا.
2) تشريح "الروح المشوَّهة
إن "الروح" التي يصفها البعض بـ"التحريرية" هي في جوهرها روح غربية مركزية ، مُصمّمة عبر برامج التعليم والثقافة والسياسة، ومتغلغة في مؤسسات المجتمع عبر دعم النخب الموازية. الأخطر هو أن هذه "الروح المشوّهة" يحملها اليوم من يتكلمون بألسنتنا ويدينون بديننا. لذا، يجب فضح تناقضاتها وكشف "عارها" الفكري: كيف تبرر الغزو والاحتلال باسم التقدم، وتدافع عن التوحش باسم الإنسانية، وتفرض العبودية باسم الحرية. إنها حداثة زائفة، وتحرير كاذب، ينتج الفوضى والتمزق، كما شاهدنا ذلك في دول كثيرة.
هؤلاء، الذين هم أقل من هيغل فلسفيا، يصدقون زيف هذه الروح ويصطفون مع الغزاة . إنهم أحصنة طروادة الداخلية، والبنادق التي تطلق إلى الخلف. هم أكبر عائق أمام تقدم شعوب الجنوب: بنية فكرية منافقة تدعي الكونية وهي تمارس الهيمنة. إن تبريرهم لغزو فنزويلا لمصالح إمبريالية، سواء تحت ذريعة المخدرات أو الإرهاب، هو دليل على هذا الزيف. فهم يكذبون مع الكاذبين على شعب قد يكون صادقا يوما في محاسبة المتآمرين الداخليين قبل النظر إلى الخارج ومحاسبة أفعاله المتوحشة وأشكال إبادته عبر التاريخ.
هكذا يتحول راعي البقر "الكوبوي" ، في معجم المتآمرين، إلى فارس محرّر للشعوب في السردية المهيمنة، بينما الواقع يسفّههم ويعرّي عوراتهم في كل محنة من محن الشعوب المضادة للأمركة.
3) من المهزلة إلى المأساة: سيناريو التدمير الخلاق
التاريخ الحديث يحذرنا من عواقب "عمليات التحرير" الأمريكية. العراق (2003) وليبيا (2011) هما مثالان صارخان: دول مركزية تحولت إلى فوضى ودويلات طائفية، وبنى تحتية مدمرة، ونسيج اجتماعي ممزق. في كلتا الحالتين، استُبدل "استبداد" محلي (غالبًا ما يُبالغ في تصويره كشر مطلق) بفوضى عنيفة مستدامة، وبروز تنظيمات أكثر تطرفًا.
فنزويلا اليوم تواجه المخاطر نفسها. الدولة هشة، والاستقطاب الاجتماعي حاد، والتدخل الخارجي قد يكون الشرارة التي تحول الأزمة إلى حرب أهلية شاملة. "التحرير" الأمريكي لا يجلب حرية، بل دمارًا خلاقًا: تدمير البنى القائمة لخلق واقع جديد يخدم المصالح الخارجية، حتى لو كان الثمن دمار الشعب نفس
الخاتمة: نحو كسر الدورة التاريخية ومقاومة المهزلة
مهزلة " ترامب- بونابرت" ليس قدرا محتوما، و إمكانية "العود الأبدي" لهذه المهازل ليست قانوناً طبيعيا، بل هي نتيجة لخلل في المناعة النقدية. لذلك، فإن مواجهة "ترامب القرن الحادي والعشرين" لا تكتمل بمجرد فضح مشروعه الإمبريالي؛ بل تستلزم "محاكمة مصيرية" داخلية أصعب: محاكمة ذلك الوعي الخاضع الذي يلبس ثوب النخبة، والذي يبرر التبعية باسم التحديث، والاحتلال باسم الشراكة، والتخلف باسم التقدم. مقاومة المهزلة تعني كسر هذه الدورة عبر "مقاومة مزدوجة": مقاومة مادية للقوة الغازية، ومقاومة فكرية جذرية للخطاب الذي يغسل جراح الهيمنة بطلاء "الحرية" الزائف. " بهذه المعركة على الجبهتين نستحق أن نكتب فصلاً جديداً في تاريخنا، لا أن نكون مجرد جمهور متفرج—أو أسوأ، مشجع—على مهزلة نعرف نهايتها المأساوية، ومع ذلك نسمح بتكرارها.



#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقاومة المُترحّلة والدّيسمبريون الدّيكولونياليّون - نحو اب ...
- -الفيلسوف- عبد العزيز العيّادي حسب عبارة الفيلسوفة انجل كريم ...
- توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي
- توتّر الفلسفة واليومي: انغراسا ومروقا
- الكولينياليّة والديكولونياليّة من خلال شخصية المُقاوم التونس ...
- في تلوّث مُقاومة التلوّث- أو في تمزّق الوعي الايكولوجي
- الميتافيزيقا وتوتّراتها: قراءة فلسفية في الحرب الروسية-الأوك ...
- الفلسفة بما هي نقد المافيات


المزيد.....




- ترامب لـCNN: -الجميع سعداء للغاية- بإطار الاتفاق بشأن غرينلا ...
- السخرية من ماكرون وأهم 3 كلمات عن غرينلاند.. خطاب ترامب في د ...
- سوريا.. رد رسمي بعد دعوات التكبير بالمساجد عند تحرير مناطق ش ...
- ماذا نعرف عن -مجلس السلام- الذي سيعلنه ترامب رسميا اليوم في ...
- زيارة مرتقبة لرئيسة فنزويلا بالوكالة إلى واشنطن هي الأولى لم ...
- أرملة شاه إيران: -لا عودة إلى الوراء- والمواطنون سينتصرون في ...
- أمين عام الناتو: لم أناقش مع ترامب -السيادة على غرينلاند-
- منظمة دولية: السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم ...
- ترامب: لن نسمح لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا
- تمويل الناتو وملكية غرينلاند وانتخابات 2020.. ما حقيقة أقوال ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - -أرى ترامب يمتطي حصانا-.. صورة بونابرت تعود في القرن الواحد والعشرين