أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد القاسمي - عن أمّ كلثوم، وليس عن فيلم -الستّ-















المزيد.....

عن أمّ كلثوم، وليس عن فيلم -الستّ-


أحمد القاسمي
(Ahmed Alqassimi)


الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 02:14
المحور: الادب والفن
    


يروي المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد أنّه حضر ذات يوم في القاهرة فقرة غنائيّة لأم كلثوم، كانت ستعقبها فقرة موسيقى كلاسيكية. يصف أمّ كلثوم أثناء غنائها وكأنها شخص يتلوّى من ألم سببه مغص حادّ، ويقول إنه كان يتململ في مقعده بانتظار بدء فقرة الموسيقى الكلاسيكية. قد تكون هذه المقدمة صدمة لقرّاء كثيرين تعوّدوا على تبجيل أم كلثوم وأغانيها. لكن ذائقة إدوارد سعيد، التي ستبدو شاذة للكثيرين، ستكون مفهومة، إذا تذكّرنا أنه كان مثقفاً غربياً أساساً، وعازف بيانو مهتماً بالموسيقى الكلاسيكية. أنا أيضاً أريد تناول فنّ أمّ كلثوم بالنقد بعد قليل. لكني بدايةً سأتفق مع رأي محبّيها في أنها كانت متمكّنة من الغناء وأن صوتها كان قوياً ونادراً. كما أن من الصحيح القول إنها كسيّدة نجحت في إثبات نفسها في عالم الرجال في مصر في بدايات القرن العشرين.
يبدو أن الترفيه هو أساس عمل المغنّين في الغرب والشرق، فهذه الوظيفة مرتبطة بقوة بالغناء كفنّ. لا بأس بذلك طبعاً، لكن لا يجب أن يُحاط أي من هؤلاء المغنّيين بقداسة لا يستحقها. يمكن طبعاً بيان تأثير فنّان ما ودوره، فللفن، ويشمل ذلك الغناء، وظائف متعددة لها علاقة بالانتماء والوجدان والهوية والذاكرة. لكنّي أعترف أني لا أولي الفنّ الغرامي أهمية كبيرة، بل أفضّل الفن الاحتجاجي الراقي الذي يتناول هموم الناس واحتياجاتهم، لكن هذا حكم شخصي فقط.
ورغم ذلك لا أعتقد أن إنجازات أم كلثوم تكفي لتحويلها إلى "محمية فنّية" لا يجوز المساس بها، كما يعاملها بالفعل مصريون وعرب كثيرون، حتى ممّن لا يستمعون لأغانيها. هذا ما ظهر مؤخراً في ردود الفعل على فيلم "الستّ" الذي يتناول سيرة حياتها. النظر لفنّ أم كلثوم من منظور مختلف سيُظهِر، برأيي، أنها مغنية ترفيهية محافظة أخرى، حققت جماهيرية كبيرة بسبب قوتها الفنّية والأدائية وملحنيها وانسجامها مع الذائقة الفنية للحقبة التي ظهرت فيها. تحتلّ أمّ كلثوم المرتبة الأولى عالمياً، كما قرأتُ ذات مرة، من ناحية طول الأغنية الواحدة. ولنا أن نتصوّر كم يحتاج المستمع إلى أغانيها من وقت ليستمع إليها وكأنها "تتلوّى من ألم مغص حاد" وتشكو في كثير من أغانيها من غدر الحبيب أو بُعده أو الخيبة والهجر والألم والفراق. أما على الجانب السياسي فكانت أمّ كلثوم، مثلها مثل أغلب المغنّين العرب والغربيين، تغني لمَن يرعاها ويدفع لها أكثر. غنّت للملك فاروق، ثم، وبعد الإطاحة بالنظام الملكي في مصر، شعرت بقلق شديد من أن زمنها قد ولّى، قبل أن يتصادف أن جمال عبد الناصر كان من مستمعيها، فأعادها لتغني للثورة وله، متناسية، أو متبرّئة، من كل ما يتعلّق بالملكية. وبعد نكبة عام 1967 حمّلها بعض المثقفين المصريين جزءاً من المسؤولية عن الهزيمة، بسبب أغانيها التي اعتبروها تخديراً وبكائيات محبطة، وبسبب تمجيدها للسلطة ـ فيما يُسمى خطأً ـ بـ "الأغاني الوطنية". وقد يقول لي قارئ الآن: الموسيقى ترفيهية، وليس من واجباتها خلق مجتمع أفضل، فهذه مهمة الأديان والعلم وعالم السياسة، والآداب والعلوم الاجتماعية، وهنا سأقول له إنّي أوافق على هذا الرأي تماماً. وهذا بالضبط ما يجب أن يحدّد النظرة إلى أم كلثوم. فقد كانت سيّدة مشتغلة بالغناء، وهو فن ترفيهي أساساً، ولكنها لم تتجاوز شروط عصرها ولم تُنتج شيئاً خارج ما هو معروف في عالم الغناء العربي.
ورغم ذلك ظهر فنانون "عضويّون" في الغرب يجمع بينهم استخدام موسيقاهم وأغانيهم للتعبير عمّا يؤمنون به ويناضلون لأجله بعيداً عن إرث الغناء كفنّ ترفيهي فقط. مقارنتي لأمّ كلثوم بهم هنا هي مقارنة وظيفيّة فقط، وليست تاريخية طبعاً، لاختلاف الظروف في مصر والعالم العربي عنها في الغرب. تناولتْ أغانيهم مواضيع كالحرب والتمييز العنصري وقهر السياسة ونفاقها والاغتراب والبؤس الذي تتسبّب فيه، سواء داخل أو خارج حدودها. توجد أمثلة معاصرة لأمّ كلثوم، كما فعل ذلك المغنّي الأمريكي بوب ديلان في انتقاده لحرب فيتنام والتمييز العنصري في أمريكا. أما المغنّي الجامايكي بوب مارلي فلا يزال بعد أكثر من أربعين عاماً من رحيله أيقونة عالمية، بأغانيه التي تناولت الحب والثورة ومجابهة التمييز العنصري وسوء تعامل الشرطة والدعوة للمحبّة بين البشر. أما فرقة بينك فلويد البريطانية فانتقدت السياسة والنظام المدرسي ونفاق المجتمعات والأفراد والروح الاستهلاكية من بين مواضيع أخرى عديدة في أغانيها. لا يكاد المرء يجد أغنية حبّ واحدة لدى فرقة بينك فلويد، ورغم ذلك فهي من أشهر فرق موسيقى الروك في العالم. كما أن موسيقى الهيب هوب، أو الراب، في التسعينيات أصبحت شأنا يهتمّ به المؤرّخون والسوسيولوجيون وعلماء السياسة، بسبب تأثيراتها المجتمعية والسياسية ونقدها للظلم المجتمعي والسياسي.
كانت أمّ كلثوم إذن جزءاً من مشهد فنّي عربي لا يتوقع من المغنّيين شيئاً غير مواضيع الغرام، ولم تغادر هذا التصنيف إلا في أغانيها الدينيّة، أما أغانيها الوطنية فشبيهة بكل "الأغاني الوطنية" الأخرى التي تكيل المديح للقادة والزعماء دون حساب. لم تعد أغاني أم كلثوم تُسمَع كما كانت قبل بضعة عقود، وقلّة من الأجيال الشابة تستمع إليها. وهذا يعني أنها لم تصمد في اختبار الزمن، وبودّي أن أضيف: لحسن الحظ. لم أشاهد فيلم "الستّ"، ولا أريد فعل ذلك، لأن تجاربي مع السينما العربية عموماً ليست سارّة، لكني شاهدت شريطه التشويقي في يوتيوب، وظهر فيه اقتباس من جريدة الغارديان البريطانية يشيد بأمّ كلثوم. ولعمري إنها عقدة الخواجة، فما شأن جريدة بريطانية بمغنية مصرية، وهل يستمع البريطانيون مثلاً لأم كلثوم كي يكون لرأيهم فيها قيمة؟ أما ما يثير استغرابي حقّاً، فهو انتقاد المصريين وغيرهم من العرب، كما قرأتُ في الإنترنت، لمشاهد أظهرت أم كلثوم بخيلة أو بمشاهد اعتبروها مسيئة لرمزيتها بشكل ما، رغم أن مخرج الفيلم كان "حكيما" بما يكفي فتجنّب التطرّق إلى جوانب شخصية أخرى لحياتها كانت ربّما ستثير ردود فعل جدليّة أكبر بكثير. ردّت الدولة المصرية على هذه الانتقادات بإعادة عرض مسلسل قديم يتناول حياة أمّ كلثوم، لأنه، على ما يبدو، كان "معقّماً" ولم يعرض إلا محاسن المغنية الراحلة. سلوك الدولة المصرية مفهوم، فسببه سياسي طبعاً، وكل الدول الوطنية بحاجة إلى رموز لتوظيفها في تشكيل الهوية. وهذا فعل تقوم به دول العالم مع مبدعيها، بالاعتماد على شهرتهم، وليس بالضرورة على إنجازاتهم الحقيقية. ورغم ذلك أودُّ أن أقترح على الدولة المصرية أن تفكّر بالمغنّي الشيخ إمام مثلاً كأيقونة مصرية حقيقية، فهو الذي يتيح لمستمعيه ملامسة روح مصر، بعظمتها وبؤسها. لكن هيهات، فأم كلثوم مغنية السلطة في حياتها وبعد مماتها، حتى وإن كانت بعيدة عن شروط الأيقونية.



#أحمد_القاسمي (هاشتاغ)       Ahmed_Alqassimi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية -المحطّة-، نقد متأخّر
- الطيور والأجور
- حسين البصري والفنّ الملتزم
- الاختناق بالسياسة في العراق
- ترجمة مقال : تطوّر مسار العلاقات الألمانية العراقية منذ حرب ...
- ترجمة محاورة : الرأسمالية زمن الشراء العالمي دخول السوق إل ...
- اللعب والفن محطّتا استعداد لجدّية الحياة المستقبلية؟
- لماذا لا يجب تقسيم العراق؟
- مَن هو العراقي؟
- ثلاثة نماذج للجيش العراقي
- حنا بطاطو والعراق، قصة حب أكاديمية؟
- القوة الشريرة دائمة الثبات - راينهارد هالر
- الأزمة الاقتصادية كحادث نتج عن العجالة والسرعة المفرطة مقاب ...
- العراق: من الغزو المغولي إلى العراق الحديث المستقل
- نصّان قصيران ل فرانتس كافكا
- -لُغة القلب-


المزيد.....




- اللغة والنوروز والجنسية.. سوريون يعلقون على مرسوم الشرع بشأن ...
- فيلم -الرئيسيات-.. وهم السيطرة البشرية في سينما الرعب المعاص ...
- -في رأيي لقد سقط النظام-.. المخرج جعفر بناهي عن الاحتجاجات ا ...
- ميلادينوف: لجنة التكنوقراط تمتلك مزيجا جيدا من الخبرات الفني ...
- الممثل السامي لغزة في مجلس السلام: تقليل الفترة الانتقالية ل ...
- من -الحرب- إلى -الأزمة الإنسانية-.. كيف تغير لغة المؤسسات ال ...
- فيلم -التمزق-.. المؤسسات الأميركية على حافة الانهيار
- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية
- لغز الـ100 مليار شجرة.. هل كُتب تاريخ روسيا على لحاء أشجارها ...
- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد القاسمي - عن أمّ كلثوم، وليس عن فيلم -الستّ-