أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل عبدالله - أسطورة الشاعر رامبو بين مقالتي - ما لم يقله أحدٌ عن رامبو- و كتاب الشاعر الراحل سامي مهدي - رامبو بين الأسطورة و الحقيقة-















المزيد.....


أسطورة الشاعر رامبو بين مقالتي - ما لم يقله أحدٌ عن رامبو- و كتاب الشاعر الراحل سامي مهدي - رامبو بين الأسطورة و الحقيقة-


عادل عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 15:56
المحور: الادب والفن
    


أسطورة الشاعر رامبو
بين مقالتي " ما لم يقله أحدٌ عن رامبو"
و كتاب الشاعر الراحل سامي مهدي " رامبو بين الأسطورة و الحقيقة"

في أحد أيّام الجُمع، حيث كنا نلتقي صباحا في مقهى "حسن عجمي" انشغل المثقفون و الأدباء الجالسون على أريكتين متقابلتين، بموضوع مقالي المنشور على الصفحة الثقافية من جريدة الثورة، التي كان الشاعر الراحل سامي مهدي، محررا لها فضلا عن كونه رئيسا لتحرير الجريدة. كان عنوان المقال الذي أثار النقاش المستعر " ما لم يقله أحدٌ عن رامبو"
قال الشاعر الراحل خالد علي مصطفى: المشكلة أنّ الأدلة التي تقدّمها ضد رامبو لا يمكن دحضها،
و قال الشاعر الراحل خليل الخوري – و كان مترجما لأعمال رامبو – لو أنّ هذا المقال نُشر في باريس، فربما تتعرض للقتل، لأنك هدمت أحد رموز الشعر الفرنسي.
أمّا الشاعر الراحل سامي مهدي، فقال: كانت فكرة المقال، تراودني منذ زمن بعيد، و كنت أرجئ كتابتها، ربما سأكتب في المستقبل كتابا عن الموضوع نفسه – ثم ضحك و قال لي – سأذكر أسمك و مقالك في مقدمة الكتاب طبعا.
بعد 15 عاما، نشر الشاعر سامي مهدي كتابه " رامبو بين الأسطورة و الحقيقة" لكن، من دون أيّ ذكر لأسمي و مقالتي، لا في مقدمة الكتاب، و لا في متنه. أليكم التفاصيل:

على نحو عام يلتقي مضمون كتاب الشاعر سامي مهدي " رامبو بين الأسطورة و الحقيقة " مع مضمون مقالتي المنشورة قبله – بسنوات عديدة - " ما لم يقله أحدٌ عن رامبو " في الأفكار التالية:
- يبحث كلا العملين في قضية محددة عنوانها: الكشف عن حقيقة شعر رامبو و مكانته، حيث يذهب مقالي الى التشكيك بقيمة شعر رامبو ضمناً، مشيرا على نحو صريح الى ان القصائد التي نشرت و عرفت باسم رامبو، لم تكن في حقيقتها سوى قصائد كان يكتبها له خدينه الشاعر "فرلين" لأسباب يذكرها المقال بالتفصيل.
أمّا كتاب الشاعر سامي مهدي، الذي يبحث في الموضوع نفسه، فيحاول بمنهجية عالية و اسهاب تاريخي تفصيلي الوصول الى النتيجة ذاتها، لكن بإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، أعني انه يقر في انتحال رامبو و سرقته لكثير من قصائد الشعراء أصدقائه، مؤكدا ان قصائد رامبو لا تحظى بتلك الأهمية الكبرى التي نعرفها عن مكانته في الشعر العالمي.
- يؤكد المقال و الكتاب معا، على وجود العلاقة الجنسية الشاذة بين الشاعرين رامبو و فيرلين، مع إضافة وردت في مقالي و لم يتطرق لها الشاعر سامي مهدي مفادها، ان تلك القصائد لتي يهبها فرلين الى رامبو كانت كأجر مقابل لذته مع الفتى الجميل.
- يرد في مقالي ان أحد الأسباب المبررة لاعتقادي بكتابة فرلين لقصائد رامبو هو ان التاريخ لم يحدثنا يوما عن شاعر اتخذ على نفسه قرارا ملزما لها بالكف عن كتابة الشعر ابدا، و هو القرار الغريب الذي اتخذه رامبو مع نفسه، معزواً ذلك من وجهة نظري الى ان الفترة التي شهدت القطيعة بين رامبو و فرلين هي الفترة نفسها التي اعلن فيها رامبو الكف عن كتابة الشعر، قاصدا بذلك نضوب المعين الذي كان ينهل رامبو منه قصائده.
قدر تعلق الأمر بكتاب الشاعر سامي مهدي يفرد الشاعر فصلا مهما يبحث فيه عن ما اسماه اللغز الذي حيّر النقاد و المؤرخين، لينتهي الى وضع مجموعة من الأسباب يعتقد انها السبب الحقيقي لكفّ رامبو عن كتابة الشعر.
- في اليوم التالي لنشر مقالي في الصفحة الثقافية لجريدة الثورة التي كان الشاعر سامي مهدي مشرفا على تحريرها فضلا عن رئاسته لتحرير الجريدة، قال لي الشاعر سامي مهدي ما مفاده : ان أفكار هذا الكتاب تراوده أيضا، و ربما سيضع في المستقبل كتابا مخصصا لها، ثم أضاف مبتسما و ساذكر اسمك في مقدمة الكتاب.
- في احدى صفحات متن كتابه، و في معرض بيان الأسباب التي قيلت لتفسير كف رامبو عن الكتابة، يذكر الشاعر سامي مهدي عددا كبيرا من أصحاب تلك الآراء ثم يقول متعجبا " بل انني وجدت من ينكر شاعرية رامبو و يتساءل ببساطة ( أيمكن القول : أن رامبو هو الاسم المستعار لفرلين، و ان قصائده هي المقطوعات الشعرية التي كان فرلين يتحرج من نشرها بسبب عدم ملاءمتها لنمط الابداعي و روح العصرالسائد آنذاك "
الغريب، أنّ مثل هذا النص الذي اقتبسه الشاعر سامي مهدي، يعود لمقالي موضع القصد، لكن من دون ان يذكر الشاعر سامي مهدي مصدره او الإشارة الى صاحبه بطبيعة الحال.
- في مقدمة كتابه يقول الشاعر سامي مهدي بأنه " ليس اول من توصل لهذا الاكتشاف، فثمة دارسون قد توصلوا اليه منذ زمن طويل اهمهم "رنيه تامبل" صاحب كتاب اسطورة رامبو " ثم يسرد الشاعر سامي مهدي أسماء النقاد الذين وقعوا ضحية هذه الأسطورة . يضيف سامي مهدي، من اجل اعادة قيمة رامبو الى ما تستحقه " شرعت في تأليف هذا الكتاب و أنجزته منذ أواسط التسعينات " لكن من دون ان يذكر اسمي بطبيعة الحال، على الأخص ان لمضمون مقالي فضيلتين، اولاهما انني لم أكن من " بين النقاد الذين وقعوا ضحية هذه الأسطورة " إنّما عملت على كشف حقائقها على وفق اجتهادي الخاص، و أخراهما أن مقالي سبق نشر كتب سامي مهدي لكتابه بنحو 15 سنة على الأقل، و ربما نجد في تأكيد الشاعر سامي مهدي على "إنجازه " منذ أواسط التسعينات، أي في الزمن القريب من نشر مقالتي ما يحاول الشاعر فيه إخفاء الصلة بين المقال و الكتاب. لكن مع التأكيد القاطع لسبق مقالي لأي عبارة عراقية تشي بأيّ من مضمون المقال، و الدليل على ذلك هو عنوان المقال نفسه، أعني " ما لم يقله أحدٌ عن رامبو "
- على نحو عام، يمكن القول إنّ آلية تأليف الكتب، تبدأ بفكرة تقدح في الذهن، ثم يجري العمل على إثباتها، أو نفيها أحيانا، عبر تمحيصها و تفصيلها و تنميتها وصولا الى ترقيتها الى رتبة كتاب. فإن كان الأمرُ كذلك، و هو كذلك حقاً، فيحق لي القول بإنّ مقالي كان ملهما و محرضاً و مصدرا خفياً لمضمون كتاب الشاعر سامي مهدي، حتّى و لو كنت النتائج التي توصّل اليها مختلفة.
- يقول الشاعر سامي مهدي في مقدمة كتابه أنه كان أحد " المعجبين المؤخذين به " ثم وجد بعد حين " أنه قد أعجب بأسطورة أكثر مما عرفتُ حقيقة " السؤال الذي ينبغي عليّ طرحه هنا هو، متى تم ّ للشاعر سامي مهدي اكتشاف حقيقة رامبو بعد خديعته بها؟ أ كان ذلك قبل مقالي أم بعده؟ أحسب أن الإجابة الصحيحة هي ان الشاعر سامي مهدي قد اكتشف ذلك بعد قراءته للمقال أي بعد ان بحث بهديٍ منه و بصبر و أناة عن قيمة شعر رامبو ليصل الى الحكم الأخير المتعلق بقيمة شاعرية رامبو و هو ما يعرضه علينا في آخر عبارات كتابه أعني قوله " و نخلص من كل ذلك الى أن رامبو لم يكن أسطورة في الشعر و لا في غيره. فهو ليس سوى تجربة مألوفة في تاريخ الشعر " مع ذلك دعونا نسأل الشاعر سامي مهدي سؤالاً آخر هنا، هو : لماذا احتاج الشاعر الى كل هذه الفترة الطويلة، أعني من سني شبابه حتى منتصف التسعينات ليكتشف ان شعر رامبو لا قيمة حقيقية له، و هو الشاعر الكبير و الناقد الصائغ الماهر الذي له صولاته النقدية في تقييم الشعر و أساليب فحصه الدقيق؟ أحسب أن هذا الرأي الأخير قد تم تشكيله مؤخرا، أي بعد قراءة الشاعر سامي مهدي و مراجعة لاعمال رامبو بعد اطلاعه على مقالي.

قراءة في كتاب " رامبو الحقيقة و الأسطورة "
الآن دعونا نذهب في رحلة معرفية ممتعة في أفكار مضمون كتاب الشاعر سامي مهدي، مكتفيا بالتعليق على المواضع التي أعتقد ان مقالي قد سبق الإشارة لها، أعني لفكرتها تحديدا، و مثل هذه الملاحظة تشمل بطبيعة الحال إختلاف الشاعر سامي مهدي معها و بلوغه لنتائج مختلفة عنها، غير انها لا تعفي الشاعر سامي مهدي من امكان التفكير في حواره معها ضمنا و اختلافه معها علنا.
يقول الشاعر سامي مهدي في مقدمة كتابه متحدثا عن المكانة الحقيقية لرامبو " أنني قد أعجبت بأسطورة أكثر مما عرفت حقيقة، و اكتشفت ن الفارق بين حقيقة رامبو و اسطورة رامبو كبير شاسع " و هذه هي الفكرة المركزية لمضمون مقالي.
فوجد الشاعر سامي مهدي بعد ان عكف على دراسة الشاعر بوعي جديد، " فلم يجد ان رامبو الذي نعرفه ليس سوى اسطورة تضافر على نسجها مؤرخوه و شرّحه و مفسروه.... أما حقيقة رامبو فهي شيء آخر طغى عليه نسيج الأسطورة حتى غطاه و أخفاه و حلّ محله "
ثم يعلن الشاعر سامي مهدي بأنه ليس اول من توصل لهذا الاكتشاف " فثمة دارسون قد توصلوا اليه منذ زمن طويل اهمهم رنيه تامبل صاحب كتاب اسطورة رامبو " ثم يسرد الشاعر مهدي أسماء النقد الذين وقعوا ضحية هذه الأسطورة . من دون ان يشرفني بأن أكون بينهم
و ليعيد قيمة رامبو الى ما تستحقه يقول الشاعر مهدي " شرعت في تأليف هذا الكتاب و أنجزته منذ أواسط التسعينات " أي بعد ان نشر مقالتي بزمن مقارب في الصفحة الثقافية لجريدة الثورة ابان كان رئيسا لتحرير الجريدة . ثم يختتم الشاعر سامي مهدي مقدمة بشكر من اعانوه على انجاز هذا المؤلف من الأصدقاء الذين وفّروا له المصادر لهذه الغاية . و لم يكن اسمي بينهم على الرغم من انني كاتب المقال الوحيد الذي يبحث في المسالة نفسها.
رامبو و الشذوذ الجنسي –
من خلال جميع القرائن و الوثائق التاريخية، يرتيط الشاعران فرلين و رامبو، في نوعين من العلاقة، هما على نحو مباشر: الشعر و الجنس. فإذا كان الأمر كذلك يحقّ لنا أن نتساءل عن نوع حاجة كلّ منهما الى هاتين العلاقتين. أعني – وفقاً لرأيي – انّ ما يحتاجه فرلين من رامبو هو الجنس و ليس الشعر، أمّا ما يحتاجه رامبو من فرلين فهو الشعر و ليس الجنس ! إذ أية متعة جنسية يمكن أن يحصل عليها الفتى الجميل من رجل كبير " قبيح ... " بعبارة أخرى إذا افترضنا أن حاجة رامبو الى فرلين هي الجنس فقط، فإن مثل هذه الفرضية لا يمكن عدّها منطقية أو مقبولة، بل يمكن الاعترض عليها بالقول إن هناك الكثير من الشباب الأقوياء الوسيمين ممن هو أقدر على تلبية هذه الحاجة لرامبو، غير ان رامبو سيخسر في حالة كهذه الى البديل الشعري المرافق الذي ليس بوسع احد من أولئك الشباب توفيره للشاعر الصغير .الأمر الذي يعني أن العملية الجنسية بين الشاعرين تتخطى حدود الاتصال الجسدي لتبلغ تمامها في الاتصال الشعري الإبداعي أيضا. على الأخص، أن أحدا من مؤرخي الأدب الفرنسي - ممن عنوا بكتابة كلّ شيء عن حياة رامبو - لم يشر الى وجود علاقة شاذة لرامبو مع شاعر أو اديب آخر،
لكن ماذا يرد في كتاب سامي مهدي عن هذه العلاقة ذاتها؟
في الفصل المخصص لبحث ميول الفتى الجنسية يؤكد الشاعر سامي مهدي لمن يشككون بوجودها " ان العلاقة الشاذة بين رامبو و فرلين مثبتة في فحص سريري اجري على رامبو في بروكسل و مدونة في محضر الشرطة " و معنى هذا " أننا أمام حقيقة ثابتة هي أن رامبو مارس الجنس مع فيرلين بإردة منه " بل " انه استمر في ممارسته معه بالارادة نفسها و كان بامكانه ان ينبذ هذه الممارسة الا انه لم يفعل " - ص 35 -
لماذا لم يفعل ذلك رامبو ؟ لماذا يصر على لاحتفاظ بالعلاقة الجنسية – الشعرية مع فرلين؟ بل لماذا " فعل العكس فأغوى فرلين بالرحيل معه الى بلجيكا و إنكلترا و لماذا لم " يكن رامبو اقل تشبثا بها من فرلين " أي في العلاقة، بل انه يقول لفرلين " انه يحبه كل الحب " ليصل الشاعر سامي مهدي الى ان رامبو " كان خنثى ، لا هو بالذكر و لا بالانثى" أي Shemale أو Tranny حسب مصطلحات الجنس الحديث. من الواضح القول ان تلك العبارات المنتخبة من كتاب سامي مهدي كانت تتحدث عن رجلين شاذين، مهملة عن قصد او بغير قصد، انهما شاعران، و ان العلاقة التي تجمعهما لم تكن جنسية فقط إنما كانت إبداعية أيضا.
هذه هي بعض الأسئلة التي لم يجبنا عنها سامي مهدي، مع التأكيد اننا نتحدث عن ممارسة جنسية بين شاعرين و ليس بين سكيرين في الباب الشرقي ليس لهما ما يجمعهما سوى هذه العلاقة.
جدير بالذكر ان هناك مجموعة من العناوين مما لا علاقة لها بموضوع مقالي و هي : بوهيمية رامبو، رامبو الزنديق، رامبو و أمّه، رامبو و المدرسة، رامبو و ايزامبار، رامبو و كومونة باريس، رامبو المشّاء. حيث يتعلق كلّ منها بجانب من السيرة الذاتية لرامبو.
رامبو و الصمت
تحت هذا العنوان، يستعيد الشاعر سامي مهدي احد الأسباب الرئيسة التي ذكرتها في مقالي للتشكيك بشعرية رامبو، و مفاده : أن تاريخ الشعر كله لم يحدثنا يوما عن شاعر بلغ من الشهرة حدّاً مقنعا، ثم قرر في لحظة مفاجئة ان يتخلى عن مجده الشعري الى الأبد، كأن الأمر يتعلق بقرار إطفاء نور مصباح في غرفة. مشيرا الى ان زمن القطيعة التي حدثت بين الشاعرين رامبو و فرلين هو الزمن نفسه الذي يؤشر على حدود قرار تخلي رامبو عن كتابة الشعر.
لكن دعونا نتعرف على ما يقوله الشاعر سامي مهدي في تفسيره لنا سبب هذا الصمت أي سبب قرار رامبو الكف عن كتابة الشعر . مع التذكير ان جميع التفاصيل التي ذكرها المؤرخون سببا لكف رامبو عن الشعر لم تكن كما يبدو مقنعة للشاعر سامي مهدي ، على الرغم من كونها عشرات الأسباب حتى يصل الى سبب يتعجب منه، ليضعه بين قوسين من دون ان يذكر اسم صاحب النص مع معرفته ان صاحب النص هو عادل عبدالله الذي سبق للشاعر سامي مهدي نشر مقالته في صفحته الثقافية، يقول النص الذي استعاره سامي مهدي من مقالتي " بل انني وجدت من ينكر شاعرية رامبو و يتساءل ببساطة ( أيمكن القول : أن رامبو هو الاسم المستعار لفرلين، و ان قصائده هي المقطوعات الشعرية التي كان فرلين يتحرج من نشرها بسبب عدم ملاءمتها لنمط الابداع و روح العصرالسائد آنذاك "
أحسب أن التساؤل عن سبب امتناع سامي مهدي عن ذكر اسمي في كتابه كلّه مشروع و مبرر، بل ان امتناعه عن ذكر اسمي في النص المقتبس مني، أكثر مشروعية. أ هو نص لا يستحق الأهمية من وجهة نظره؟ اذا كان الامر كذلك، لماذا نشر الشاعر سامي مهدي هذا المقال بقسميه في صفحته الثقافية ؟ و لماذا قال لي في مقهى حسن عجمي في اليوم التالي لنشره ما مفاده " ان هذه الأفكار تراوده، و انه سيؤلف كتابا مستقلا عنها، مضيفا بشيء من المزاح، و ساذكر اسمك في مقدمة الكتاب ؟"
دعونا نتعرّف الآن على السبب الذي اعتقده سامي مهدي مقنعا له و مفسرا قرار رامبو الكف عن كتاب الشعر و هو كما يذكر سبب يستند الى احدى قصائده التي يرد فيها
" و علي الان ان ادفن خيالي و ذكرياتي ! مجد شاعر و راوٍ تذروه الرياح "
غير ان هذا المقطع الشعري و سواه من استلالات سامي مهدي قد ورد في كتاب رامبو " فصل في الجحيم " و ان رامبو قد كتب العديد من القصائد بعد كتابتها. مما يعني ان الشاعر رامبو بقي يكتب الشعر بعد مقطعه الذي يوحي بنيته في التخلي عن الشعر، فضلاً عن القول انه من غير الملائم ان نقرا – على سبيل المثال – مقطعاً لشاعر سيعلن فيه موته غدا، لنذهب في اليوم التالي للتأكد إن كان قد مات حقاً.
رامبو و نوفو، علاقة غامضة
غير بعيد عن سياق التشكيك في مرجعية قصائد رامبو للفتى الشاب، يطرح الشاعر سامي مهدي أفكاراً مهمة في هذا المقطع، فيقول "
" ان نوفو نشر قصيدة عنوانها السمكة الذهبية و نسبها الى رامبو " مضيفاً " ان فرلين يذكر في رسالة أرسلها الى دولاهيه، ان رامبو طلب منه ان يرسل ما لديه من قصائده النثرية الى نوفو ليتول طبعها . و اذا صح ما ذكره فرلين، و نحن على شك منه، فهذا يعني ان رامبو كان يثق بنوفو حتى ذلك التاريخ في الأقل، بحيث يطلب مثل هذا الطلب من فرلين و ينتظر من نوفو ان ينفذه، غير ان القصائد لم ترسل الى نوفو، ونوفو لم يطبعها، و رامبو لم يساله عنها حين صادفه في باريس " اما السبب في عدم سؤال رامبو عن القصائد فهو- وفقا لفهم الشاعر سامي مهدي - و هذا يدل في راينا على حدوث فجوة او جفوة بين رامبو و نوفو "
لكن ما مصير تلك القصائد التي طلب رامبو من صديقه الذي " يثق به " طبعها ؟ و لماذا لم يطالب رامبو باستعادتها منه؟ و هل يمكن لـ " جفوة " ان تكون سببا مقنعا لتخلي شاعر عن قصائده؟ مع تأكيد سامي مهدي " ان سبب الجفوة غير معروف ! "
يختتم سامي مهدي هذا الفصل بقوله " فبعض الباحثين رأى تأثيرا قويا في تقنية إشراقات رامبو ... و الواقع ان هناك شبها كبيرا بين لغة نوفو في نثرياته الأربع و بين لغة رامبو في اشراقاته"
بل انه ينقل عن الشاعر كاظم جهاد الذي ترجم احد قصائد رامبو قوله " ان فرلين اكد بصورة قاطعة تارة و مترددة تارة أخرى على كونها لرامبو غير ان دولاهيه شك في ان تكون له و وجدها اقرب الى شعرية نوفو" يضيف الشاعر سامي مهدي " و هذا يعني وجود عناصر مشتركة بين شعرية رامبو و شعرية نوفو و تأثير لأحدها على الآخر، كانا يجعلان من الصعوبة التفريق بين قصيدة لهذا او فصيدة لذاك، و يجعلان من السهولة ان يقلد احدهما الاخر في قصيدة بحيث يحار الاخرون في نسبتها " لماذا كان هذا التشابه المثير للغرابة؟
السؤال هنا، لماذا يعترف سامي مهدي بأنّ " هناك شبها كبيرا بين لغة نوفو في نثرياته الأربع و بين لغة رامبو في اشراقاته" و لا يعترف بمثل هذا التأثير و الشبه قدر تعلق الأمر بقصائد فيرلين، أو بالقصائد التي وهبها فرلين لرامبو لأنه لم يرد لها أن تُعرف باسمه، كما أشار مقالي الى هذه المسألة؟ ثم هل سمعتم من قبل عن شاعر حظي بمنزلة كتلك التي كانت لرامبو، مع وجود مفارقة أن أحدأً لا يستطيع تفريق قصيدةته عن قصيدة شاعر اخر؟ ألا يعني هذا التماهي بين الشاعريتين بان إحداهما كان - على الأقل - عيالا على الاخر.
أخيرا، لماذا يقبل الشاعر سامي مهدي فرضية الصلة الشعرية بين رامبو و نوفو، و يقف ضدا عليها بين رامبو و فرلين، مع ان هذه الصلة الأخيرة هي الأقوى و الأشدا شعرا و علاقة حميمة؟
" رامبو يصنع اسطورته "
في هذه الفقرة، يقول الشاعر سامي مهدي " تذكر ايزابيل رامبو ان اخاها قد اسهم، ولو بقدر في نسج اسطورة رامبو او قدم لها بوعي المادة الخام لنسجها من خارج الشعر.... و انه كان يخدع اصدقاءه فيروي عن نفسه حكايات رهيبة لا تصدق و اذا صح هذا الذي روته ايزابيل فهو يعني ان رامبو كان يحرص ان يرسم في خيال أصدقائه صورة معينة عن نفسه، هي صورة المتشرد الجوال ذي الثياب الرثة و الحذاء القذر " مضيفاً " وهذا يعني ان المشاكسة و الوقاحة و العدوانية التي تعزى الى، روحه المتمردة، ليست منها في شيء، بل هي من تصرفاته المصطنعة .... ويبدو انه وجد بالغزيزة او بالتجربة او بكلتيهما ان هذه الوسيلة – الاستفزاز و المشاكسة و العصيان – ناجعة فتشبث بها حتى تأصلت في نفسه و غدت عادة من عاداته "
نحن هنا في مواجهة نص يتحدث عن البنية النفسية لشاعر، و هي بنية معيبة مزوّرة، فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تمتد صورة الاحتيال في نفس الشاعر لتشمل قصائده أيضا؟ ؟ اعني اذا كان يمكن للإنسان ان يزور نمط حياته فلماذا يمتنع عليه تزوير شعره أيضا؟
في الصفحة 72 من كتابه يعرض الشاعر سامي مهدي من مجموعة من وقائع حياة رامبو الغريبة و سلوكه الفض، لكن من دون ان يضع تلك السلوكيات في السياق الصحيح الذي يؤدي الى فهما و تبريرها على نحو مقنع.
بقي أنْ أضيف هنا ملاحظة أخيرة مفادها السؤال: لماذا أنشر هذا المقال الحالي الآن، و ليس قبل فترة قريبة من صدور كتاب الشاعر سامي مهدي.
واقغ الحال، أنني كتبت هذا المقال، قبل عدة سنوات، لكنني آثرت قبل نشره إطلاع أخي الدكتور ستار عبد الله على مضمونه، لكونه صديقا مقربا جدا من الشاعر سامي مهدي في سنواته الأخيرة، فكان أن أجابني في رسالة على "الخاص" أرجو منك أن تؤجل نشر المقال، لأن الشاعر سامي مهدي مريض جدا الآن ، و هو رجل فائق الحساسية في ما ينشر عنه – معه أو ضده – لذا فليس من الحكمة الاخلاقية نشره الآن.



#عادل_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يمكن للإنسان معرفة ما -هو- الله؟
- لماذا لا نفهم ما قاله كارل ماركس؟
- هيجل و ماركس في مقال عنوانه : هل تعلم...؟
- - من أفيون السماء، إلى أفيون الأرض: القصّة الكاملة لصراع مار ...
- كارل ماركس، شاعرا
- كيف نفهم ماركس؟ كيف نفكر معه؟ او ضدّه؟
- الله و الإنسان: من -الجَدل- في فلسفة هيجل، إلى -الدَجَل- في ...
- هيجل و ماركس في أربع مقالات قصيرة
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ...
- عبء الإثبات في الحوار الفلسفي - الفصل الثالث: الله و إبريق ش ...
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ...
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ...
- عبء الإثبات في الحوار الفلسفي - على أيّ من الطرفين يقع عبءُ ...
- التصوّف، فيزياء الكم، و شيزوفرينيا العالَم
- الخاطفُ و الضحيّة ... قصّة فلسفية
- محاولة في التفسير العلمي لعبارة - كن فيكون-
- الوضعيةُ المنطقية : البداية و النهاية
- القرود تفشل في امتحان شكسبير
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ...
- - يومَ ضَبطتُ أدونيس مُتَلبّساً -


المزيد.....




- دعوة للمشاركة بالدورة الـ 19 للمهرجان الدولي لأفلام المقاومة ...
- الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال ...
- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...
- -أفلام ميوز-.. ميلانيا ترامب تطلق شركة إنتاج قبل إصدار فيلم ...
- -الزمن تحت الخرسانة- المخيم كعدسة لقراءة المشروع الاستيطاني ...
- الاحتلال يخسر -الفضاء الأزرق-.. وصعود الرواية الفلسطينية يثي ...
- الثقافة: الفيلم المرشح للأوسكار
- إسبانيا: اعتقال الراهبة لورا غارسيا بتهمة تهريب الأعمال الفن ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل عبدالله - أسطورة الشاعر رامبو بين مقالتي - ما لم يقله أحدٌ عن رامبو- و كتاب الشاعر الراحل سامي مهدي - رامبو بين الأسطورة و الحقيقة-