أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - البشير عبيد - حنظلة لا يموت : ناجي العلي و الثقافة المقاومة















المزيد.....

حنظلة لا يموت : ناجي العلي و الثقافة المقاومة


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 15:52
المحور: الادب والفن
    


حنظلة لا يموت: ناجي العلي والثقافة المقاومة

البشير عبيد - تونس

في صباح التاسع والعشرين من آب/أغسطس 1987، اخترقت رصاصة غادرة رأس الفنان الفلسطيني ناجي العلي في أحد شوارع لندن، فسقط الجسد وبقي الصوت. كان اغتياله خبرًا صاعقًا للعالم العربي، لكنه لم يكن مفاجئًا لمن يعرف طبيعة الصراع: فحين تتحول الريشة إلى سلاح، ويغدو الكاريكاتير أكثر خطورة من المدفع، يصبح المثقف المقاوم هدفًا مشروعًا لمن يريد إسكات الحقيقة. ما جرى مع ناجي لم يكن نهاية، بل بداية أخرى لحكاية لا تنتهي. لقد أرادوا إسكات ضمير، فإذا به يتوزع على آلاف الضمائر. أرادوا قتل جسد، فإذا بالأفكار تولد من جديد في كل زاوية.
اغتيال ناجي العلي يختصر معادلة طالما رافقت التاريخ العربي الحديث: المثقف حين ينحاز لشعبه يتحول إلى تهديد مزدوج، تهديد للاحتلال الذي يفضحه، وللسلطات التي يعرّي عجزها وتواطؤها. من هنا جاء اغتياله كرسالة: أن الحقيقة حين تخرج من أفواه المثقفين الأحرار، تصبح مكلفة إلى حدّ القتل. ومع ذلك، فإن الذاكرة الجمعية لا تُرهبها الرصاصات. وما تبقى من ناجي بعد استشهاده كان أكبر بكثير مما حاول القتلة إلغاؤه.

لمثقف المشتبك واستهداف الوعي

ناجي العلي لم يكن مجرد رسام كاريكاتير، بل كان نموذجًا حيًّا لـ "المثقف المقاوم". لم يكتفِ بتسجيل الأحداث أو التعليق عليها من بعيد، بل جعل من الفن وسيلة مواجهة مباشرة. كانت رسومه أشبه بمناشير يومية، تنشر الوعي وتفضح التواطؤ، وتحرّض على التمسك بالكرامة. لذلك تحوّلت الصحف التي تحتضن رسوماته إلى ساحات معركة حقيقية، بين من يريد الحقيقة ومن يريد طمسها.
تاريخ العالم العربي زاخر بأمثلة على استهداف المثقفين الذين حملوا رسائل تتجاوز الخطوط الحمراء. غسان كنفاني أُغتيل قبل ناجي بسنوات لأنه كتب أدبًا يوازي فعل المقاومة. محمود درويش عاش منفى طويلًا لأنه جعل من القصيدة بيانًا سياسيًا. وغيرهما كثر. المشترك بينهم جميعًا أن الكلمة حين تتحول إلى موقف، تصبح خطرًا على من لا يحتمل مواجهة الوعي.
اغتيال ناجي كان إعلانًا صريحًا أن الوعي الجمعي المستيقظ أخطر من أي سلاح. فالرصاصة تقتل جسدًا، لكنها لا تستطيع أن تقتل الفكرة. والأنظمة التي ساهمت في محاصرة ناجي، قبل الاحتلال وبعده، كانت تدرك أن وجود فنان مثله يحرّك الأسئلة الممنوعة، ويكشف هشاشة الخطاب الرسمي. لقد كانت رسومه بمثابة مرآة فاضحة، لا تُجامل ولا تزيّن، بل تضع الحقيقة عارية أمام العيون.
هكذا نفهم أن استهداف المثقف المقاوم هو استهداف للوعي، ومحاولة لقطع الطريق على تشكّل ذاكرة جديدة ترفض الاستسلام. لكن التجربة أثبتت العكس: فكلما سقط مثقف مقاوم، تحوّل إلى رمز أكبر، وصارت أفكاره أكثر رسوخًا. وهذا ما حدث مع ناجي العلي: فقد استُشهد الجسد، لكن صوته صار أشد حضورًا مما كان في حياته.

حنظلة… أيقونة الذاكرة التي لا تشيخ

أبدع ناجي شخصية "حنظلة" في أوائل السبعينيات، وتركها تكبر في وعي الناس حتى صارت أيقونة خالدة. طفل في العاشرة من عمره، حافي القدمين، مولٍّ ظهره للعالم ورافعًا يديه خلف ظهره. في البداية استقبلها الناس بدهشة، لكن مع مرور الوقت أدركوا أن حنظلة ليس مجرد طفل، بل رمز للنكبة المستمرة، ذاكرة متجسدة لا تكبر لأن فلسطين لم تتحرر.
الطفل الذي أدار ظهره للعالم هو في الحقيقة كل فلسطيني وعربي رفض أن يرى المهزلة. ورفع اليدين خلف ظهره لم يكن استسلامًا، بل فعل تحدٍّ صامت، ورفض المشاركة في لعبة الزيف الدولي والعربي. لذلك تحوّل حنظلة إلى "شاهد دائم" على ما يجري: من حصار المخيمات إلى اتفاقيات السلام الناقصة، ومن انتفاضات الشعب إلى مجازر الاحتلال.
رمزية حنظلة تجاوزت حدود فلسطين. ففي كل مظاهرة من أجل الحرية في العالم، يمكن أن يظهر على لافتة أو جدار. وفي كل حملة تضامن مع الشعب الفلسطيني، تراه مرفوعًا كأنه شهادة لا تموت. حتى في الجامعات الأوروبية والأمريكية، صار حنظلة رمزًا للتضامن مع قضايا المظلومين. لقد تحوّل إلى "لغة بصرية" عالمية، يتشاركها من يعرف فلسطين ومن لا يعرفها.
اللافت أن حنظلة لم يتغيّر شكله منذ لحظة ابتكاره. بقي طفلًا في العاشرة، حافي القدمين، بملابس ممزقة. هذه الثباتية في الشكل كانت تعبيرًا عميقًا عن ثباتية القضية نفسها. فكما لم يتغيّر الاحتلال ولم تتغيّر الخيبات، لم يتغيّر حنظلة. وكأن ناجي أراد أن يقول: إن لم تكبر فلسطين بالحرية، فلن يكبر رمزها. وهنا بالذات تكمن قوة الشخصية: أنها تُقاوم الزمن، وتبقى شاخصة في كل جيل.

الثقافة جبهة موازية للمقاومة

إن اغتيال ناجي العلي يفتح سؤالًا جوهريًا: لماذا يخاف القتلة من الفنانين؟ الجواب يكمن في أن الثقافة، حين تتحرر من قيود التزيين والتبرير، تصبح جبهة موازية للمقاومة. ليست الثقافة في العالم العربي مجرد إنتاج جمالي للترف، بل هي جزء من المعركة على الوعي والذاكرة.
لقد فهم الاحتلال مبكرًا أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الرواية أيضًا. لذلك عمل على سرقة الحكاية الفلسطينية، وتشويه التاريخ، وطمس المعالم. وفي المقابل، وقف مثقفون وفنانون ليقولوا: نحن شهود على الجرح، وحراس للذاكرة. من هنا كانت رسوم ناجي العلي جزءًا من "المقاومة السردية" التي ترفض أن يتحول الشعب إلى رقم.
الثقافة هنا ليست مكمّلة للسياسة، بل بديلًا عنها حين تخون السياسة. فحين يوقّع الساسة على اتفاقيات لا تحقق العدالة، تأتي اللوحة أو القصيدة لتقول إن الشعب لم يوقّع. وحين يسقط النظام الرسمي في فخ التطبيع أو العجز، يأتي المثقف ليذكّر أن التاريخ لا يُمحى بقرار.
لقد أثبتت تجربة ناجي أن الفن قادر على أن يصنع وعيًا طويل الأمد. فلوحاته ما زالت تُقرأ اليوم كأنها كُتبت أمس، لأنها لم تقتصر على الحدث العابر بل صاغت رؤية أوسع: رؤية نقدية لخيبات الداخل الفلسطيني، لخذلان النظام العربي، وللاحتلال الذي يواصل مشروعه الاستيطاني بلا هوادة. وكأن الرجل كان يستشرف حاضرنا، ليترك للأجيال خريطة طريق تقول: إن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض.
من هنا نفهم أن استهداف الثقافة هو استهداف للمقاومة ذاتها. لذلك، فإن الدفاع عن حرية المثقف المقاوم هو جزء من الدفاع عن القضية نفسها. وحين نقرأ إرث ناجي اليوم، ندرك أن الثقافة ليست فقط "شهادة على الماضي"، بل مشروع دائم لصناعة المستقبل. فالمجتمع الذي يُقصي مثقفيه المقاومين يفقد ذاكرته، بينما المجتمع الذي يحميهم يصنع لنفسه مناعة ضد النسيان.

لم ينجح الرصاص في قتل ناجي العلي. جسده سقط، لكن فكرته بقيت. بقي في حنظلة الذي يذكّرنا أن فلسطين لم تكبر بعد، وبقي في كل لوحة تفضح الزيف، وبقي في الوعي الجمعي الذي يرفض أن يستسلم. سلام على ريشته التي قاومت، على خطه الأسود الذي صار بوصلة، وعلى حنظلة الذي لا يموت.



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نصر الدين العسالي : حين تتجلًى اللوحة في مواجهة قسوة الواقع
- علوية القانون و سيادة القرار : رهانات الدولة الحديثة
- صنع الله ابراهيم : الروائي الذي كتب الحرية بمداد الحقيقة
- حين تنطق الأرض : غزة تردً بالعقل و الدهاء
- ثورة 23 يوليو..الحلم القومي في مفترق التاريخ
- تونس الراهنة : اختبار الوعي السياسي و إرادة التغيير
- في حضرة الغائب الحاضر : غسان كنفاني و ذاكرة الجمر
- حذاء نورو للروائي التونسي محمد دمّق..حين يتحوًل الجسد إلى شظ ...
- اوهام الشرق الأوسط الجديد :بين الهيمنة الصهيونية و استعصاء ا ...
- الناقدة اللبنانية زينب الحسيني تكتب عن قصيدتي ورقات النسيان
- اليد التي لم تُرَ : الإختراق الصهيوني الهندي في قلب إيران
- تونس في مواجهة العتمة ..الدولة ضد التحالفات الخفية
- الكيان الصهيوني الغاصب و إيران: المواجهة التى تأخرت
- نور الدين الرياحي..حين يتماهى اللون مع الذاكرة التونسية
- الكتابة و الإبداع...منعطفات و مسارات
- تونس بين جراح الماضي و استحقاقات التأسيس
- المعرض الفني ابراخيليا بسيدي بوزيد..تحليق بالفنً إلى الأقا ...
- تونس الآن بين غيوم المشهد و التغيير الشامل
- الكتابة و الهذيان
- الهاربون من الإنكسار


المزيد.....




- غزة سينما مفتوحة تحت سماء إسطنبول + فيديو
- ذاكرة الاستقلال والخرسانة الوحشية.. تونس تودّع -نزل البحيرة- ...
- حماس تدعو لترجمة إدانة دول أوروبية للعدوان على غزة إلى خطوات ...
- موعدي مع الليل
- اللغة الفارسية تغزو قلوب الأميركيين في جامعة برينستون
- ألبرت لوثولي.. تحقيق في وفاة زعيم جنوب أفريقيا ينكأ جراح الف ...
- خبير عسكري: ما جرى بحي الزيتون ترجمة واقعية لما قاله أبو عبي ...
- تاريخ فرعوني وإسلامي يجعل من إسنا المصرية مقصدا سياحيا فريدا ...
- ما لا يرى شاعرٌ في امرأة
- البرتغال تلغي مهرجاناً موسيقياً إسرائيلياً عقب احتجاجات وحمل ...


المزيد.....

- الثريا في ليالينا نائمة / د. خالد زغريت
- حوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الأول / السيد حافظ
- يوميات رجل غير مهزوم. عما يشبه الشعر / السيد حافظ
- نقوش على الجدار الحزين / مأمون أحمد مصطفى زيدان
- مسرحة التراث في التجارب المسرحية العربية - قراءة في مسرح الس ... / ريمة بن عيسى
- يوميات رجل مهزوم - عما يشبه الشعر - رواية شعرية مكثفة - ج1-ط ... / السيد حافظ
- . السيد حافظيوميات رجل مهزوم عما يشبه الشعر رواية شعرية مك ... / السيد حافظ
- ملامح أدب الحداثة في ديوان - أكون لك سنونوة- / ريتا عودة
- رواية الخروبة في ندوة اليوم السابع / رشيد عبد الرحمن النجاب
- الصمت كفضاء وجودي: دراسة ذرائعية في البنية النفسية والجمالية ... / عبير خالد يحيي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - البشير عبيد - حنظلة لا يموت : ناجي العلي و الثقافة المقاومة