|
سورية بين ثلاث مدارس للحكم والسياسة
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 20:13
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
عرفت البلدان العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال مدرستين للسياسة والحكم. المدرسة الأولى هي العائلة، والثانية هي الجيش. فمن يحكم، وفقاً للمدرسة الأولى، هو من يصادف ميلاده في عائلة حاكمة. العائلة ذاتها وصلت إلى الحكم بمزيج من القوة والعصبية (أو لعبة العصبيات) والحماية الأجنبية. ما يمكن تسميته بالتراكم السياسي الأولي لم يعد في حداثتنا منذ القرن التاسع عشر مسألة عصبيات تختمر في الأطراف والبوادي مثلما كان في أيام ابن خلدون، بل تفاعل بين عصبيات وحمايات أجنبية. أما الجيش فقد نُظِّر له في خمسينات القرن العشرين وستيناته بوصفه القوى الأكثر تنظيماً وتحديثاً في مجتمعات حديثة الاستقلال، والأقدر بالتالي على تحديثها من غيره. لكن حكم العسكر في بلداننا آل إلى أن يكون حكم الأقوى في الداخل، والاعتماد على حماة خارجيين مثل حكم الأسر، أو قاد إلى انهيار البلدان في حروب أهلية لا تنتهي. لبنان استثناء عربي، وفيه ينشأ الحكم من تفاهم "العائلات الروحية"، أي الطوائف. لكن هنا أيضاً الرعايات الأجنبية (بالجمع) حاضرة بقوة. وتقوم كلتا المدرستين على مبدأ غير عقلاني: قرابة الدم مرة، وقوة السلاح مرة. وبينما لا يستبعد حكم الأسر والعسكر مناورات وألاعيب سياسية، ولا يستغني عن فنون السياسة ومهاراتها، إلا أن نفاذ للجمهور العام إلى حقلها معدوم في الحالين. لسنا حيال نظام سياسي مفتوح، تتنافس فيه قوى متساوية الشرعية مبدئياً على الفوز بأصوات ناخبين لهم تفضيلاتهم المختلفة، وتتمرس بمخاطبة جمهور متمايز وتتشكل هي نفسها من قطاعات منه، وتتجدد النخب باستمرار بفعل ذلك. الألعاب السياسية في مجتمعاتنا تدور في نطاقات ضيقة، نخبوية، أو قل مصطفاة، بالنظر إلى أن النخب هنا ليست أدواراً اجتماعية مفتوحة، بل هي إما أوضاع وراثية أو نفاذ امتيازي إلى وسائل القوة والإكراه. سورية هي البلد الذي شهد دون غيره من بلدان العرب اندماج المدرستين، فحصلنا على لاعقلانية مضاعفة. لقد تحول حكم عسكري مديد إلى حكم سلالي، ورث فيه شخص لم تكن له ميزة غير أنه ابن حافظ الأسد، منصب أبيه الذي كان وزير دفاع كارثة 5 حزيران 1967، ورئيس هزيمة تشرين الأول 1973. الأب قاد جيشاً مهزوماً، ليس عاجزاً عن التحديث فقط، بل كان قوة نكوص اجتماعي عبر تطييف تشكيلاته الأقوى، وإضعاف ومراقبة تشكيلاته الأقل طائفية. والعائلة لم تُعرف بإنجاز وطني يُحسب لها، فيما اشتهر كثير من أعضائها بأنهم جانحون، فاسدون، عنيفون، وقتلة، هذا قبل أن يهربوا جميعاً من البلد غداة سقوط حكم العائلة. ولما كانت سورية موجودة ككيان ودولة قبل حكم الأسديين، خلافاً لما هو الحال في كل الملكيات العربية الأخرى (حيث نشأت العائلات والكيانات معاً)، وبالتالي لما كانت فكرة سورية أخرى غير أسدية حية وحاضرة (في ذاكرة وذهن حافظ الأسد وسليله قبل الجميع)، فقد تراوحت الحياة السياسية في "سورية الأسد" بين ما يقتضيه تغييب فكرة سورية الأخرى من إلغاء شامل للسياسة، وبين الصراع الاستئصالي، العنيف والمطلق، لحماية حكم العائلة بعد الثورة السورية. لكن سورية فريدة عربياً من وجه آخر. فإلى مدرستي الجيش والعائلة، انضافت في هذا البلد مدرسة ثالثة للحكم والسياسة، هي "الجهاد"، وهذا قبل شهور فقط من اليوم. كان أبرز أعضاء القوة المسيطرة الحالية "مجاهدين" بأسماء حركية غير معروفة للعموم، ولا لمعظم الخصوص كذلك. أحمد الشرع هو أبو محمد الجولاني أو أسامة العبسي سابقاً، وكانت له أسماء أخرى. وكان لوزير خارجيته أسعد الشيباني أكثر من اسم حركي منها أبو عائشة وأبو عائشة الكردي وزيد العطار وحسام الشافعي. وزير الدفاع مرهف أبو قصرة كان اسمه أبو حسن 600، أما وزير الداخلية أنس خطاب فكان لقبه أبو أحمد حدود. نحن هنا في عالم مغاير كلياً لعالم الأسر والجيوش، عالم مقاتلين خارجين على أسرهم ومجتمعاتهم المحلية، وعلى بلدانهم والعالم ككل، في حياتهم مخاطر ومغامرات، وفيها بُعْد لاهوتي وأُخروي قوي، يُلحِق السياسة بشيء فوق دنيوي، والحياة في هذا العالم باعتبارات تتصل بحياة أخرى، ويعمل على قسر الجميع بهذه التصورات، غير مكتف بانضباط المجاهدين وحدهم بها. نتكلم على مدرسة ثالثة لم تعرف من قبل لأنه لا حكم الإخوان المصريين بين عامي 2012 و2013 يندرج ضمن هذا النطاق، ولا حكم حركة النهضة في تونس. الجماعتان كانتا ناشطتين اجتماعياً، وكلتاهما استندت إلى تفويض شعبي في انتخابات حرة، وشاركت النهضة غيرها في الحكم. وبينما هناك مشكلات جامعة لمختلف ضروب الإسلامية فيما يخص علاقتها بالدولة والسياسة، أساسها إرادة السيادة وليس السياسة وحدها (وهو ما كان ينطبق على الإخوان المصريين أكثر من حركة النهضة التونسية)، فقد ركن الإخوان والنهضة، تكتيكياً على الأقل، إلى صندوق الاقتراع، بينما وثق الجهاديون بصندوق الرصاص وحده. والتجربة المكونة للشرع شخصياً هي الجهاد في العراق ضد الأميركيين منذ أن كان عمره 21 عاماً، كما ضد الحكم الشيعي الذي أعقب الاحتلال الأميركي. وهو اعتقل هناك وقضى في السجن خمس سنوات بحسب بعض المصادر. ولوزير الداخلية خطاب/ حدود تجربة جهادية غير سورية، وكانت ضمن داعش في العراق، وإن وصفت بأنها متواضعة (شكراً لـ"مُرشدي" حسام جزماتي على هذه المعلومة وغيرها). الاعتقال والأسماء الجهادية والتخفي والعنف الإرهابي كثيراً أو قليلاً (أعني حصراً العنف الذي يستهدف مدنيين)، والانعزالية، فضلاً عن التدين السلفي الشديد، والعداء لغير المسلمين، وبقدر ما لغير السلفيين، هي من ركائز هذه المدرسة السياسية. وبدورها هذه المدرسة لا ترتكز إلى مبدأ عقلاني يصلح لها ولغيرها. فبينما هي تصدر عن دين بعينه، بل عن مذهب من مذاهب هذا الدين، فإنها تريد الحكم لها وحدها في مجتمعات متعددة. وليس المقصود هنا التعدد الديني حصراً، بل حقيقة أن المجتمعات المعاصرة منتجة للتعدد بينما هي تنتح اجتماعيتها هي ذاتها. تعدد الأفكار، تعدد المطالب، التعدد السياسي، تعدد العقائد، تعدد الأهواء والأذواق، هذه التعددات هي الاجتماعية بالذات. فإذا أضيف التعدد الديني الموروث، كانت السيادة الدينية مضادة للاجتماع التقليدي وللاجتماع الحديث معاً. ثم أن هذه الحركات عنيفة مبدئياً واختيارياً، ما يزيد من اللاعقلانية الاجتماعية والسياسية لمبدئها. وهذا المزيج الديني العنفي ظاهر في سورية خلال الأشهر الماضية، ليس فقط عبر مجموعتين من المجازر استهدفتا العلويين ثم الدروز، وإنما تدخلات دينية متواترة في حياة المسلمين وغير المسلمين، يجمع بينها إرادة فرض تصور ديني محدد، مما يتعرض مع الحياة الاجتماعية ذاتها، وليس الحياة السياسة فقط. ومن هذا الباب فإن حكم الإسلاميين في سورية اليوم لا يشبه بشيء حكومات بعد الاستقلال التي كان على رأسها سنيون. فهؤلاء الأخيرون عملوا وفقاً لتصور وطني، تحديثي وجامع من حيث المبدأ. السلطة اليوم تعلي من شأن المعتقد الديني في حكم البلد، ومنذ الآن هناك احتكاك متزايد بين المبدئين الوطني والديني، وطوائفية جامعة بين السلطة وبين أعتى خصومها. وفي ذلك ما ينزع وطنية الدولة والمجتمع معاً. تحدث هذه الأشياء العجيبة في سورية لأن البلد بلا تقاليد حية ومؤسسات جامعة، ليس بحكم فتوة كيانه فقط، ولا لأنه اصطناع حديث فقط (أكثر البلدان المستعمرة سابقاً كذلك)، وإنما كذلك بسبب قسوة بيئته الإقليمية وصراعاته الداخلية. ومهما بدا ذلك غريباً، فإن الإسلامية المعاصرة، وبخاصة الجماعات الجهادية، هي نتاج الافتقار إلى تقاليد حديثة وموت التقاليد القديمة، وليس بحال استمراراً لها. في انفلاتها، تعكس هذه الحركات انفلات شرطنا التاريخي من قواعد وعوائد عامة. وما نعرف من سيرتها السورية اليوم يقول إنها مانعة لظهور تقاليد مستقرة، وليس نتاج غيابها فقط. قبل قليل، وفي تصريح مضيء بالفعل، صرح الرئيس الانتقالي بأنه ليس امتداداً للحركات الجهادية ولا للإخوان المسلمين ولا للربيع العربي. ليس ما يستوقف في هذا الكلام جهر بالانفصال عن التراث الجهادي الذي أوصله إلى السلطة، ومنحه بين الموالين له شرعية دينية. وليس ما يستوقف كذلك أن في نفي العلاقة بالربيع العربي، وضمنا الثورة السورية، ما يقوض الشرعية الثورية لحكمه. ما يستوقف هو النبرة الملوكية في التصريح: أنا لست امتداداً! وما قد ينتج عن ذلك يمكن أن يكون: أنا بدء بلا سوابق! أنا ظاهرة جديدة! أنا خلق من عدم، ولا أدين لغير نفسي! هذا نفي لأي تقليد سابق، ولا يحتمل له أن يشكل تقليداً يخصه. الأرجح أن حافظ الأسد فكر في نفسه بصورة مقاربة، فكان أو ورث الحكم وتسبب في دمار البلد. فهل يحتمل أن نتحول من حكم انتقالي إلى حكم وراثي سلطاني مؤبد؟ لا يمكن استبعاد ذلك لمجرد حداثة سن تجربة الشرع في السلطة. الأموية الأصلية دشنت الملك العضوض في الإسلام، ولا يبدو إلا أن الأموية النابتة اليوم ترجو الاقتداء بها. بيد أن هذا الشرط غير القياسي السوري، شرط الافتقار إلى تقليد، يمكن أن يشجع على التفكير بإنشاء، أو إحياء، مدرسة رابعة للحكم والسياسة، تتمثل في الأحزاب والمنظمات السياسية وتحالفاتها المحتملة، وفي الانتخابات الحرة كوسيلة للوصول إلى السلطة. وللمبدأ الحزبي بعد ذلك له بعض تاريخ رسمي قديم في سورية، وبعض تاريخ نضالي في الحقبة الأسدية، ما يقيم استمرارية بين أطوار متتابعة من تاريخ سورية المستقلة. هذا مبدأ أكثر عقلانية من اعتباطية العائلة، ومن أفضلية القوة المسلحة، ومن فرض دين البعض دولة للجميع، كما من ملوكية جديدة أو تجديد دم السلطانية المحدثة. والخلاصة أنه بين ثلاث مدارس لا عقلانية لسياسة، يمتنع أن يتشكل تقليد جامع حول أي منها، وتوافقت كلها مع كثير من العنف، سورية بحاجة إلى مدرسة مغايرة، يتشكل حولها تقليد ومساحات إجماع. وليست هذه غير حياة سياسية تقوم على التعدد وتداول السلطة، مما له سلفاً نظائر وأشباه في تاريخ البلد.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أي سلطة في سورية، أي معارضة، وأي مستقبل؟
-
«الأمة» ضد الدولة: في جذور فشل بناء الدولة في سورية
-
الوطنية السورية وحكم الإسلاميين الراهن
-
في نقد النصر
-
إبادة جوّالة من الساحل إلى السويداء: حدث أم نمط؟
-
اليوم كما بالأمس: الطغيان والطائفية هما المشكلة في سوريا
-
محنة الوطنية والدولة في سورية اليوم
-
الإرهاب سورياً: أمامنا، وراءنا، أم معنا؟
-
تراثان فكريان سياسيان في سورية: أي دروس للراهن؟
-
عداليون وحضاريون: معيارا العدالة والحضارة في النقد الاجتماعي
...
-
مستقبل عدم: إسرائيل وصراعاتها الوجودية المستمرة
-
أفراد أذكياء وبنى اجتماعية غبية
-
ممسوك أم متماسك؟ المجتمع السوري بين صورتين
-
انتهت الأزمة، ابتدأت الأزمة
-
الدولة المترددة: عن الاعتدال والتطرف في سورية اليوم
-
العناية بسورية، البلد غير المحبوب من أهله
-
تعاقد سوري: نزع السلاح مقابل المشاركة في السلطة
-
المعجزة والأبد والمستحيل: في الشوق إلى الممكن
-
تكثير السلطة: لماذا الحكم منحدر في مجالنا؟
-
سقط النظام، الثورة لم تنتصر، والصراع السوري مستمر!
المزيد.....
-
ترامب يعتزم إلغاء حوالي 5 مليارات دولار من المساعدات الخارجي
...
-
صورة مزعومة لـ-أحدث ظهور لبشار الأسد-.. ما صحتها؟
-
مسؤولون سابقون في إدارة بايدن: نتنياهو كان العقبة الرئيسية أ
...
-
المرصد السوري: قرابة 2000 قتيل في أحداث السويداء بينهم مدنيو
...
-
شاهد.. حالة كارثية لمعقل رايو فاليكانو قبل مواجهة برشلونة في
...
-
إلام تشير استعانة إسرائيل بروبوتات لتدمير أحياء غزة؟ الدويري
...
-
حرب روسيا وأوكرانيا.. هل عادت الأزمة إلى المربع الأول؟
-
لماذا تفشل نماذج الذكاء الاصطناعي في التحقق من الصور؟
-
دوريات صينية -جاهزة للقتال- قرب جزر متنازع عليها
-
هل تعرضت بياناتك على -باي بال- للتسريب؟
المزيد.....
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
-
في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|