مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 07:50
المحور:
القضية الفلسطينية
الحلقة العشرون
الجزء الثاني.. متابعة ثيودور هرتسل
العوامل المؤثرة في تكوينه الثقافي والسياسي
أثرت عوامل مختلفة في تكوين هرتسل الثقافي والسياسي، وأسهمت في صياغة فكرته بشأن الحل الصهيوني ومشروعه الاستيطاني في فلسطين.
نعرض فيما يلي بإيجاز أبرز هذه العوامل:
1- الثقافة الغربية
كان هرتسل، من ناحية تكوينه الثقافي، نتاج عصره. فإلى جانب إجادته لغات عدة (الألمانية والمجرية والإنجليزية والفرنسية)، كان مأخوذًا بالحضارة الغربية وخصوصًا الألمانية ومؤسساتها، والمشاريع الاستعمارية الغربية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي الغربي. وكان في مقتبل عمره، من المتحمسين الذين يرون الألمان أكثر الشعوب رقيًا وثقافةً وحضارةً.
2- هرتسل "جسرًا" بين اليهود والغرب
تصور هرتسل نفسه "جسرًا" بين اليهود والغرب، وقد ساعده هذا على القيام بدور متميز في دعوته ومسيرته السياسية، وفي قدرته البراغماتية على التواصل مع جميع الأطراف والتيارات، على الاختلافات فيما بينها:
□ فالغرب كان يجد في هرتسل اليهودي الذي يحمل مُثلًا غربية ويتمثل الثقافة الغربية، ما يساعد في فهم الغرب ومجتمعاته ومصالحه؛
□ وفي المقابل كان اليهود يرون أن هرتسل يفهم المسألة اليهودية من "الداخل" ويشاركهم معاناتهم؛ فهو إذن، القادر على أن يشرح حالتهم للعالم الغربي.
3- واقعة دريفوس
كان ألفريد دريفوس Alfred Dreyfus ضابطًا عسكريًا فرنسيًا من أصل يهودي، اتُهم وحوكم عام 1894 بتهمة الخيانة والتجسس لصالح ألمانيا. تركت هذه القضية تداعيات سياسية واجتماعية أثارت موجة من معاداة اليهود في فرنسا وشغلت الرأي العام فيها من عام 1894 إلى أن حُلَّت عام 1906 حين أُغلق ملفها.
حضر هرتسل محاكمة دريفوس بصفته صحافيًا ونقل حيثياتها إلى الصحيفة التي كان يعمل فيها. وشاهد المعاملة التي لقيها دريفوس من الحشود المتجمِّعة في أثناء هذه المحاكمة، وكانت تصرخ "الموت للخائن" و"الموت لليهود".
ما زال هناك بعض الجدل بين دارسي سيرة هرتسل في ما يتعلق بتأثير هذا الحدث فيه ودفعه نحو الصهيونية. ففي حين ادّعى بعضهم أن تأثير واقعة دريفوس في هرتسل أمر مبالغ فيه، ورجَّحوا أنه تبرير عاطفي استخدمه لبلوغ أهدافه، رأت كثرة من المؤرخين أن هذه الواقعة هزّت وجدان هرتسل، وردتّه إلى يهوديته، وأقنعته بأن اليهود لن يُسمح لهم أن يكونوا "أوروبيين عاديين"، أو آمنين إلا مع دولة خاصة بهم.
لقد زعم هرتسل، في السنوات التي تلت قضية دريفوس، أنها تركت فيه تأثيرًا بالغًا، لأنها أقنعته بقوة كراهية اليهود (معاداة السامية)، وأن اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية سيكون أمرًا مستحيلًا، وجعلت الصهيونية "تخرج من داخله"، ودفعته إلى البحث عن حلٍ للمسألة اليهودية يقوم على تنظيم هجرة اليهود إلى بلدٍ يستوطنوها ويقيمون فيها دولةً خاصةً بهم.
غير أن بعض العلماء المعاصرين، استنادًا الى كتابات هرتسل بعد قضية دريفوس، يرون أن هرتسل ربما كان مقتنعًا بأن دريفوس مذنب؛ ولكنه (هرتسل) رأى توظيف الحملات المعادية لليهود التي رافقت محاكمة دريفوس، من أجل تعزيز هدفه في إقامة الدولة اليهودية (1).
وعلى أي حال، لمَّا كان كُره اليهود واليهودية أحد الأُسس العميقة للصهيونية عند هرتسل؛ فيصِّح الاستنتاج أن قضية دريفوس أسهمت في تبلور هذه الفكرة الصهيونية لديه.
4- انسداد الأفق أمام اليهود في أوروبا
أدرك هرتسل منذ أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، وخصوصًا بعد حادثة دريفوس انسداد الأفق أمام يهود أوروبا بشقيها الشرقي والغربي:
□ في المجتمعات الأوروبية الشرقية واجه اليهود التمييز العنصري والقمع والاضطهاد؛
□ أمّا في أوروبا الغربية، ومع إعجاب هرتسل بحضارتها وإحراز الكثيرين من يهودها خطوات متقدمة في مسيرة اندماجهم في مجتمعاتها، إلَّا أنه أدرك أن هذا الاندماج وهمٌ محض لن يكون متاحًا، بل سيستمر التمييز العنصري بحقهم.
المنطلقات الفكرية
أيّد هرتسل في مرحلة مبكرة من حياته اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية (العقيدة الاستيعابية اليهودية الألمانية)، غير أنه عاد لاحقًا ورفض أفكاره هذه واعتقد أنه يجب على اليهود الانسحاب من أوروبا. فقد تطورت مواقفه وأفكاره، ونما لديه الاعتقاد بأنه لا يمكن التغلب على معاداة السامية إلَّا بطريقة واحدة وهي إنشاء دولة يهودية. ففي حزيران (يونيو) 1895 كتب هرتسل في مذكراته: "في باريس، كما قلت، حققت موقفًا أكثر حرية تجاه معاداة السامية. وفوق كل شيء، أدركت خواء وعقم محاولة» محاربة "معاداة السامية". وبدأ في تلك الآونة كتابة كتيبه «دولة اليهود".
فيما يلي، نقدّم باقتضاب أبرز المنطلقات التي استند إليها هرتسل في صياغة أفكاره بشأن الحل الصهيوني:
أولاً: "الشعب العضوي المنبوذ"
انطلق هرتسل من فكرة أن اليهود هم "شعب عضوي منبوذ"، وأن حل المسألة اليهودية في أوروبا يكون بتأسيس دولة لهم خارج أوروبا، تكون ذات "إثنية عضوية مستقلة" وسيادة واستقلال.
ثانيًا: معاداة اليهود و"الشعب العضوي المنبوذ"
كوَّنت معاداة اليهود واليهودية الإطار المرجعي لفكر هرتسل؛ لأنها من وجهة نظره، سمة أساسية في طبيعة الحضارة والمجتمعات الغربية. وعلى هذه المعاداة بُنيت أفكاره الأساسية، ومنها:
1- إن كراهية اليهود (معاداة السامية) في أوروبا متأصلة في المجتمعات الأوروبية، وسيظل اليهود جماعة ذات خصائص واضحة ومشتركة بينهم، والمجتمعات الأوروبية لن تتقبَّلهم. وذكر في كتابه "دولة اليهود" أن اللاسامية ستبقى إلى الأبد، وأن الكراهية من حولنا هي التي تجعل منا أناسًا غرباء (2).
2- وذهب إلى أن هذه الكراهية ستعيد اليهود إلى "الجذع الأم"، وستجعل منهم "شعبًا واحدًا" لأن المحنة تعزز قوتهم ووحدتهم.
أما تفسير هرتسل لظاهرة كراهية اليهود فبُني على ثلاثة عناصر:
الأول اجتماعي - اقتصادي - طبقي: لقد قامت الجماعات اليهودية في معظم أوروبا بوظيفة التاجر والمرابي، وأثبتوا نفعهم للمجتمعات الغربية الإقطاعية. ولكن مع ظهور الدولة القومية، والنظام المصرفي الحديث، وشبكات التجارة العالمية، والبورجوازيات المحلية، بدأت الجماعات اليهودية تفقد وظيفتها وأصبح يُشار الى اليهود بوصفهم شعبًا عضويًا منبوذًا، أي شعب يرتبط أعضاؤه برباط عضوي فيما بينهم (3).
والثاني تاريخي - اجتماعي: يرى هرتسل أن معاداة السامية حركة شديدة التعقيد. وفيها عناصر قاسية منها التعصب الموروث، والمنافسة التجارية، وعدم التسامح الديني، إلى جانب عنصر الدفاع عن النفس. ويذهب هرتسل إلى أن مشكلة اليهود ليست دينية أو اجتماعية؛ وإنما هي مشكلة قومية تُحلُّ بوصفها مسألة سياسية دولية تهم أمم العالم المتحضرة (4).
والثالث إثني وثقافي: وهو التعصب التاريخي الموروث، كما ذكرنا، بحق اليهود في المجتمعات الأوروبية.
ثالثًا: الإمبريالية تمسك بزمام الحل
رأى هرتسل أن القوى الإمبريالية الكبرى في زمانه هي التي تمسك بزمام حل المشكلة اليهودية في أوروبا، إذا ما تبنت المشروع الصهيوني ودعمته في إقامة دولة لليهود. وكان يرى أن تلاقي المصالح الإمبريالية والمشروع الصهيوني لا يؤدي إلى حل المسألة اليهودية فقط؛ وإنما يُتيح الفرصة أيضًا لتقدم المجتمعات الأوروبية الغربية وإيجاد حلول لمشاكلها.
رابعًا: هرتسل ونقد "الصهيونية التسللية"
صاغ هرتسل تصوره لحل المسألة اليهودية، على أساس التبعية والاعتماد على القوى الاستعمارية الغربية. وسبق له أن اتخذ مواقف نقدية ورافضة لطرق الهجرة اليهودية إلى فلسطين التي نشطت في أيامه خصوصًا نشاطات جمعية أحباء صهيون التي اشتد عودها آنذاك. فقد رفض هرتسل طريقتها، في إدارة مشروع استيطان فلسطين، القائمة على عمليات تسلل اليهود (الهجرة التسللية أو الاستيطان التسللي) من بلدان شرقي أوربا إلى فلسطين بدعم من أثرياء اليهود المندمجين في أوروبا الغربية. (وربما لهذا السبب رفض بعض اليهود الأثرياء مشروع هرتسل في بداية الأمر).
خلافًا لذلك، رأى هرتسل أن استيطان فلسطين:
□ لا ينبغي أن يكون أعمالًا خيرية (ما يُسمّى بالصهيونية الخيرية أو التوطينية)، يقدمها اليهود الأثرياء في أوروبا الغربية لإعانة الفقراء من يهود أوروبا الشرقية والتخلص منهم بتهجيرهم إلى فلسطين؛
□ وأن الهجرة اليهودية بهذه الطريقة لا فائدة منها، بل هي دخلت طريقًا مسدودًا، وأن هؤلاء اليهود المهاجرين لن يتمكنوا من تحقيق السيادة في دولة مستقله خاصة بهم؛
□ وينبغي أنْ تجري هجرة اليهود في إطار مشروع استيطاني يقوم على أطروحات قومية وحركة منظمة لإقامة دولة وظيفية تتبناها وتدعمها القوى الإمبريالية.
وهكذا حرص هرتسل، في معالجته للتوترات القائمة بين الجماعات اليهودية في شرقيِّ أوروبا وغربيِّها، على تقديم الوعود لليهود الغربيين المندمجين بأنه سيخلصهم من اليهود الفقراء، ولكن بطريقة منهجية ومنظمة لا تهدد موقعهم الطبقي ولا مصالحهم. فهو لم يرَ حاجة لأن يهاجر اليهود جميعًا، وأنَّ بوسع أولئك الذين يستطيعون أو الذين يرغبون في أن يندمجوا في المجتمعات الأوروبية، أن يفعلوا ذلك، "فمن يرغب أن يبقى فليبق، ومن يريد الذهاب معنا فلينضم إلى رايتنا". وزعم أن الحل الصهيوني سيساعد الراغبين في البقاء في أوروبا على مزيد من الاندماج؛ لأنهم لن يتعرضوا بعد تهجير فقراء اليهود إلى ما يزعج عملية الاندماج.
خامسًا: البديل - تنظيم "الخروج"
كانت هذه العوامل الأرضية التي انطلق منها هرتسل لتقديم تصوره بأن “الخروج"، أي مغادرة اليهود بلدان أوروبا الشرقية يجب أن يكون منظمًا وتحت مراقبة القوى الاستعمارية الغربية والرأي العام الغربي. ولا يكون الخروج تسلُّلًا سواءً إلى فلسطين أو الأرجنتين. وهذا يعني، من الناحية العملية، أن تجري الهجرة وفقًا لقوانين الحكومات الغربية الراعية ودعمها، لأنها ضمان وجود اليهود الذين لا يستطيعون تأمينه بأنفسهم. وبحسب هذا المنطق، طالب هرتسل هذه الحكومات بدعم مشروعه قائلًا ما مُفاده: امنحونا سلطة على قطعة من الأرض في هذا العالم تلبي حاجاتنا القومية، ونحن نقوم بما تبقى.
وجدير بالملاحظة أن فكرة الاعتماد على الإمبريالية كانت من أهم إسهامات هرتسل في تأطير الحركة الصهيونية وإقامة التحالف بينهما، وهو أمر لم يتنبه له المفكرون والقادة الصهاينة من قبله (5).
نتاجه الأدبي والسياسي
أخذ هرتسل، ابتداءً من عام 1884، ينشر المقالات والمسرحيات، من أشهرها مسرحية "الجيتو الجديد" (Das Ghetto) التي عَرضت أنماط معاداة اليهود في الغرب. وأحدث ذلك، في نظره، أزمة اجتماعية وسياسية، ومأزقًا أخلاقيًا ليهود النمسا وأوروبا. وتنتهي المسرحية بأن يطلب بطلها الخروج من الجيتو العقلي المضروب حوله، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استحالة هذه العملية.
أمّا أفكاره السياسية الأساسية، فقد عَرَضها في عدد من نصوص كتبها في السنوات التي سبقت المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897. ومن أكثر تلك النصوص أهمية كتيبه "دولة اليهود" أو "الدولة اليهودية" (1896) (6)، وخطابه في ذلك المؤتمر، ويومياته، إضافة إلى رواية "الأرض القديمة الجديدة" (1902) التي تطرح تصوراته لدولة اليهود وتجسيدها في أرض فلسطين. وسوف نعود لاحقًا لنعرض بشيء من التفصيل كتيبه "دولة اليهود" الذي بلور فيه تصوره لمشروع الدولة المنشودة وكيفية تنفيذه.
بعض المراجع الهامة
1- انظر: وكيبيديا الموسوعة الحرة، تيودور هرتزل، عنوان فرعي، مفكر وناشط صهيوني.
2- عقل صلاح وكميل ابو حنيش، إسرائيل دولة بلا هوية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، ص 165.
3- عبد الوهاب المسيري، "اليهود ودولة إسرائيل في الإستراتيجية الغربية"، الجزيرة نت، 3/ 10/ 2004.
4- محمد خليفة حسن، "اليهود وفكرة العداء للسامية"، الجزيرة نت، 22/ 12/ 2004.
5- صلاح وابو حنيش، المصدر السابق، ص 166.
6- كانت عبارة "دولة اليهود" (يودين شتات) تُطلَق على الجيتو في مدينة براغ - جمهورية التشيك.
#مسعد_عربيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟